مدونات

ما أطيب الوصل حين تقتربُ

بقلم: زهراء بسّام

 

شَيْخٌ بِيَثْرِبَ يَهْوَانَا وَلَمْ يَرَنَا    هَذِي هَدَايَاهُ فِينَا لَمْ تَزَلْ جُدُدَا

يُحِبُّنَا وَيُحَابِينَا وَيَرْحَمُنَا         وَيَمْنَحُ الأَضْعَفِينَ المَنْصِبَ الحَتِدَا

 

هي المرّة الأولى التي أزور فيها الروضة الشريفة، طريق طويل بالسيّارة مأخوذة أنا بكل ما فيه، أطوي ساعات السفر في التفكير بالزيارة المرتقبة، خفقان القلب الذي لم يهدأ ما إن وصلنا حدود المدينة المنورة ومن ثمّ تتبع الخُطى بين مسجد يثرب أولّ مرسى الوصول والبقيع الذي يُواري ثراه الأحبة ممن نتمنى لُقياهم، رحلة في طرقات طيبة التي كانت قبل اليوم خيالا مرسوما بالكلمات والحكايات المرويّة على مسامع الصغار.

أعود بذاكرتي إلى المرة الأولى التي أدركت فيها “الوجود الحيّ” للنبي صلوات الله وسلامه عليه، عندما بزغت أول لمعة في العين وأمي تحكي لنا عن النبي الكريم الذي يُحبّنا ولم يرنا، يقول “أما أحبابي فقوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني”، أفكر،  قد حُزنا حباً من غير جهدٍ، فكيف إذا ما أسلمنا وأطعنا وبلغنا الرضا والرضوان!

هكذا تشكّل خيال طفلة عن نبيها الكريم حتى صار نعيم الجنّة في عقلها هو هذا المشهد المرويّ عن “شربة الماء” من اليد الشريفة، ثمّ حمى وطيس الحماس تشحذ فكرها كيف تبلغ مرتبةً يعرفها النبي بها حتى يكون لها النداء باسمها من بين العالمين. خيال تجذّر بالحب والشوق على غير علمٍ، فقط كلماتٌ قليلة كانت سبيلا للتعلّق، وبابا للبحث من بعد ذلك.

 

على أعتاب الروضة المُكرّمة، أقف على الخط الفاصل بين الأحمر والأخضر، بضع خطوات فقط تفصلني عن كل الأمنيات المُنتظرة

 

يمضي العمر ونكابد الحياة بفتنتها وشقوتها، ويبقى طيف ذلك الخيال البعيد حاضراً بقوةِ من يتعطش لمزيد من القُرب بالمعرفة، تعرف أكثر، فتفهم أكثر عن هذا الرجل الذي اعترك قسوة الحياة فطوّعها بيمينه، الإنسان الذي اختبر كل أنواع البلاء واهتدى إلى حكمته فلم يجزع، عن بديع الصُنع الرباني في التربية والتقويم والهِداية.

أمام ستائر الروضة وفود المحبين تنتظر، أجناس مختلفة وألوان متباينة وحده الشوق قاسما مشتركاً بين الجميع، لغة أخرى لعالم آخر يقبع خلف أمتار محدودة، بهجة وفرحة تسري في الأجواء من غير كلام، وعلى صخب الزحام ثمّة هدوء عجيب راقد في العيون، ما جاء بهؤلاء غير الإيمان وما جاء بالإيمان غير نبي أرسلته رحمات السماء، فكان له الحبّ على قدر ما أجهد عمره في تبليغ الرسالة.

 

على أعتاب الروضة المُكرّمة، أقف على الخط الفاصل بين الأحمر والأخضر، بضع خطوات فقط تفصلني عن كل الأمنيات المُنتظرة، زحام شديد لا تكاد ترى فيه موقع قدمك، لكن كلٌ في عالمه الخاص يتيه في أفكاره ومشاعره، لحظة غاية في الجلال والهيبة، غرق تامّ في حضرة الشوق والحنين والرجاء بوصول السلام حارّا كما في قلبك، وعلى عكس ما توقعت وتجهزت، تاهت كل الكلمات، كل الدعوات وكل الحكايات، ولا يطيف بذاكرتي سوى قولهم “كل مصيبة دون رسول الله تهون”.

دقائق معدودات تخرج من بعدها إلى العالم مرّة أخرى ولكن بحال آخر، مغسولا من أحزانك، مستبشراً بذلك السلام المُرسل إلى عالم الغيب، وتفكر أنه في لحظة سرمدية ما كان هناك ملك يُقرئ نبيك الكريم سلامك، وقد ردّ عليك السلام، تطمئن أن شاهد محبتك قد صعد إلى السماء، فما حبّ الرسول إلاّ امتنانٌ لـخالقه أن أرسله لنا، فهو حبٌ موصول بالله ولله.. فصلّ اللهم وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.

 

تم نشر هذه التدوينة على مدونات الجزيرة

الوسوم

زهراء بسام

باحثة في مجال الإعلام

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.