ثقافة

غاياتري سبيفاك .. البحث عن “نسوية” مابعد كولونياليّة

سلسلة "أدب التحرر العالمي"

 

 

“من منظور معيّن، العالم مجهول بالنسبة إلى هؤلاء الناس رفيعي المقام. لذلك أنا أنقد هؤلاء الذين يأتون لتقديم المساعدة دون أدنى فكرة عما ينبغي عليهم فهمه. في عالم أهل القاع الحق الأوّل هو الحقّ في الرفض”.

 

بهذه الكلمات اختصرت “غاياتري شاكرافورتي سبيفاك” نصيحتها التي توجّهها لطلاّبها ضمن مشروعها الكبير الذي يهدف إلى تحرير “التابع”، ليس فقط في مواجهة “التمركز الغربي”، بل وفي مواجهة مخلّفات المرحلة الاستعماريّة، فيما يصطلح على تسميته بـ”العالم الثالث.

ابتدع “أنطونيو غرامشي” مصطلح “التابع” وجعله جاريا على الألسن في توصيف أبناء الطبقة العاملة وضحايا الرأسماليّة، مصطلح ألهم الكاتبة الهنديّة من أصول بنغاليّة “غاياتري سبيفاك” لتسطّر أناملها سنة 1985 مقالا بعنوان “هل يستطيع التابع أن يتحدّث؟” الذي سرعان ما تحوّل إلى نصّ تأسيسي فيما يتعلّق بدراسات مابعد الاستعمار.

 

أنطونيو غرامشي

 

حاربت غياتري سبيفاك على جبهتين، الأولى، جبهة الثقافة الذكورية المؤسسة والمكرسة في الخطابات الفكرية في المجتمعات الغربية، والثانية، جبهة بقايا التأثيرات الاستعمارية في العالم المستعمر سابقا، فضلا عن تهميش المرأة في بناه الاجتماعية والثقافية والتربوية والسياسية.

في محاضرة لها بمركز جامعة كولومبيا الشرق أوسطي للأبحاث تحت عنوان “كيف يمكن للعالم أن يكون نسويًا؟” ضحكت سبيفاك قبل أن تجيب عن سؤال وجّه لها بشأن موقفها من “نسوية المجتمع المدني الدولي”، وقالت

“إن الصدقة الإقطاعية أفضل من الضغينة الإقطاعية، لكنها تظل إشكالية بأي حال، هذه النسوية تحمل في باطنها أحيانًا عنصرية غير معترف بها”

قد يبدو الردّ مثيرا للاهتمام بالنسبة لمن يتابع حالة الهوّة بين قضايا هذه “النسويّة” وقضايا النساء في الكثير من أرجاء العالم، ولكنّه مثير للاهتمام أكثر من خلال تجاوز نقديّة سبيفاك للأطر النظريّة الموجودة نحو أخرى منشودة تبحث عن جهاز مفاهيمي أكثر اتّساعا يمكنه التعبير عن طبيعة “القضايا النسويّة” باعتبارها أكثر من “جندر”.

 

غاياتري شاكرافورتي سبيفاك

 

الديمقراطية، وفقًا لسبيفاك، ليست الحكم الذاتي فحسب، ولا هي لأولئك “الذين عينوا أنفسهم قادة أخلاقيين للمجتمع

المدني”، وهم غالبًا لا يساعدون إلا بفوقية ودون التعامل مع من هم أول المتأثرين بالقضية، بل على الديمقراطية أن ترى الناس متساوين، لا متشابهين.

وتتجاوز الباحثة ذلك إلى مناقشة سياقات محددة تشعر فيها النساء بأنهن ملزمات برعاية الآخرين (أو تكون كذلك بالفعل)، ما يقود إلى استغلالهن في أماكن العمل كونهن لا يستطعن تصور أنفسهن خارج النموذج الذي يجعل الخدمة مهمة نسائية بالطبيعة.

في حالات كهذه، ترى سبيفاك أن “تدريب الخيال في أدائه الإبستمولوجي” صعب من حيث أنه يدخل المرأة في عملية متناقضة تشمل إعادة تصور ذاتها وإعادة تصور ذوات الآخرين؛ عملية تشبّهها بالدعوة الماركسية للبروليتاريا لتصور نفسها على أنها “منتِجة” عوضًا عن “ضحية للرأسمالية”.

 

أثارت سبيفاك بعدًا مثيرًا للجدل في موضوع المرأة بوصفها تابعًا، من خلال كشف طقوس حرق النساء لأنفسهن إثر موت أزواجهن، وهو طقس معروف في الهند يُسمى “ساتي”، فثمة تضافر بين المهيمنات الكبرى للنصوص الدينية الهندوسية المشجعة على حرق المرأة، وبين فكرة تبعية المرأة للرجل بفعل هيمنة الثقافة الذكورية ثم هيمنة الأبوية والهيمنة الاستعمارية، ومادام صوت التابع -وهو هنا المرأة التي وجدت أن فكرة الحرق تعبير عن الوفاء- مخنوقًا وسط دوائر متضافرة من الحجب والمنع، فهو إذا صوت صامت ومحكوم بالفشل، لأن قوة المتبوعين سواء كانوا لتقاليد دينية أو ثقافة أبوية أو ثقافة استعمارية تحول دون انبثاق صوت التابع.

 

صورة تجسد عادة ساتي

 

تدمج سبيفاك الأساليب النسوية وما بعد البنيوية بالدراسات ما بعد الاستعمارية لتلفت الانتباه إلى الذات الاستعمارية في علاقتها بالمرأة “المقموعة مرتين”، فعند سبيفاك يتواطؤ ساكن البلد في خلق أسباب “صمت المرأة” وتستنتج تبعا لذلك أن النساء الخانعات يلزمن الصمت، لأن المرأة ذاتها “لا يمكنها أن تعرف نص الاستغلال الأنثوي أو أن تتحدث عنه”، والسبب الذي يجعلها لا تستطيع الحديث عن استغلالها يتمثّل أساسا في عجز “المثقفين” وتلك المجموعات التي تتبنّى “القضايا النسوية” عن سبر أغوار لغتها الأصلية أو أنها لا تستطيع إنتاج “نصوص” لأنها أمية.

مسحت سبيفاك عبر المنهج التفكيكي مساحيق كثيرة يتزيّن بها الخطاب و”النصوص” النسويّة الغربيّة، في محاولة جريئة لسبر أغوار “نصوص” مختلفة ومغايرة يمكن أن تنتج خارج الفضاء الغربي وخارج أطر الهيمنة الثقافيّة المابعد استعماريّة يمكن للمرأة أن تحقّق من خلالها شروط مساواة ممكنة مع “الرجال”، ورمت باستنتاجاتها المثيرة في دائرة النقاش والجدل الاجتماعي، ليس فقط عبر نقد ماهو موجود من أطر و”نصوص” و”حملات توعوية”، بل ومن خلال تركيزها على “تعليم المرأة” باعتباره كفيلا بتحرير صوتها.

في معرض تونس الدولي للكتاب دورة سنة 2017، زارت غاياتري سبيفاك تونس ضمن الندوات والأنشطة المصاحبة للمعرض، امتلأت القاعة وكان الحضور وقوفا أكثر من الذين تمكّنوا من الظفر بمقعد في القاعة، يومها اختتمت سبيفاك ردودها على أسئلة الحاضرين بملاحظة رشيقة: “صمت المرأة قد يكون أيضا وراء صوت ذكوري داخل جسد أنثوي”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.