الرئيسيغير مصنف

تاريخ الجنس في الحضارة العربية الإسلامية

ثقافة

عندما يفتح موضوع الجنس لدى الشباب العرب، يذهب أغلبهم إلى النص الهندي الأكثر شهرة في التاريخ الإنساني ” الكاموساترا”، ويعتبر هذا النص من أقدم الوثائق التاريخية التي تناولت موضوع الجنس من زاوية تعريفية وتثقيفية.  ويرجح بعض المؤرخين ظهور هذا الكتاب بين 100 ميلادي و300 ميلادي.

وعلى غرار الهنود، احتفى التراث العربي الإسلامي بالجنس في مؤلفات عديدة، بل وكان الجنس حاضرا في مجالس المسلمين سواء الغنائية أو الشعرية، يتبادلون حوله الأفكار والنصائح. وقد تناقلت بعض المصادر التاريخية بعض المواقف الطريفة بين الشعراء والخلفاء أو بين شعراء ونساء حول هذا الموضوع.

تناولت بعض الكتب في التراث العربي الإسلامي كيفية الجماع وأهمّ النصائح للرجال والنساء على حدّ السواء، للتمتع بلحظات المتعة في إطار شرعي ودون الخروج عن الدين الذي وضع آدابا وشروطا للممارسة الجنسية.

 

من أشهر الكتب الجنسية في التراث العربي الإسلامي “نواضر الأيك في معرفة النيك” لصاحبه الإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. وقد عرف أيضا بكتب أخرى في هذا المجال  وهي  “الوشاح في فوائد النكاح”، “رشف الزلال من السحر الحلال”، وقد تعرضّ السيوطي من خلال كتبه إلى خطوات العملية الجنسية كما أنّه لم يتورع عن استخدام بعض المفردات الجنسية التي تناولها بصفة موضوعية، ويبقى كتابه الأخير الأكثر طرافة، إذ تعرّض إلى ليلة الدخلة من خلال عشرين مقامة على لسان عشرين عالما تحدثوا عن حيثيات الليلة الأولى مع زوجاتهم.

ولأنّ الجنس في التراث العربي الإسلامي لا يقتصر على المتعة، بل يرمز إلى الفحولة والرجولة ميزة العرب التي تغنى بها الشعراء في قصائد طويلة، لذلك بقي الجنس مطمح الرجال والشيوخ، فنجد كتاب “رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه” لصاحبه العالم أحمد سليمان بن كمال باشا، وقد تضمن الكتاب مجموعة من القصص التي وردت سابقا في كتب أدبية قام الشيخ أحمد سليمان بتجميعها بأمر من السلطان العثماني سليم خان الأوّل إلى جانب أقسام النصائح الموجهة للرجال والنساء.

 

تضمن الكتاب ثلاثين بابا حول أسرار الرجال في عالم النكاح، وأهمّ الأدوية التي تقويهم في عملية الجنس، كما أنّه لم يهمل النساء، إذ تضمن أيضا ثلاثين بابا تناول من خلالها أسرار النساء الطالبات لودّ أزواجهن ونصائح كثيرة من أهمّها، باب الأدوية التي تطيب رائحة البدن والثياب من المرأة الجالبة للرجل، باب في معرفة الأدوية التي تهيج المرأة، وباب في ذكر كيفية أنواع الجماع وغيرها من العناوين الطريفة والأخرى الماجنة.

ويعتبر كتاب “تحفة العروس ومتعة النفوس” من أشهر الكتب التراثية التي مازالت إلى اليوم تحظى بالرواج في أوساط السلفيين، إذ يقدّمه الشباب كهديّة  إلى زوجاتهم المستقبليات، ويعود هذا الكتاب إلى  محمد بن أحمد التيجاني، وقد ترجم إلى لغات كثيرة منها الفرنسية والانجليزية والألمانية.

تناول التيجاني في كتابه “تحفة العروس ومتعة النفوس” موضوع الزواج والجماع من زاوية اجتماعية تثقيفية من خلال فصول متنوعة، الزفاف والمهر، شروط اختيار الزوجة، الغيرة، حقوق المرأة والرجل في العملية الجنسية.

“الروض العاطر في نزهة الخاطر”، كتاب آخر في التراث العربي الإسلامي الذي تناول آداب الجماع، لصاحبه محمد أبو عبد الله بن محمد النفزاوي، وقد ترجم الكتاب إلى لغات عديدة وانتشر كثيرا خارج الحضارة العربية الإسلامية.

يتضمن الكتاب إحدى وعشرين بابا حول عالم الجماع، أبواب للنساء وأخرى للرجال، نذكر من بعضها، باب في المكروه للرجال وباب للمكروه من النساء، باب في علاج الحمل وما تلده الحامل وباب في أسباب عقم الرجال.

خاض أبو الفرج الأصفهاني بكتابه “الأغاني”  في مواضيع الجنس وآداب النكاح من خلال ما جمعه من الأغاني العربية، وقد وصفه العلامة ابن خلدون بأنّه ديوان العرب. كما نقلت جريدة الحياة تصريحا للمستشرق جاك بيريك عن هذا الكتاب، إذ قال في تصريح سابق على صفحات الحياة “حضارة تنتج قبل ألف عام هذه الموسوعة، حضارة يجدر الأمر بأي عالم أن ينفق حياته دارساً إياها” وقد قصد بالموسوعة كتاب الأغاني.

 

ويعتبر كتاب “العقد الفريد” لصاحبه ابن عبد ربّه الأندلسي من أهمّ الكتب التراثية التي تجاوزت الخطوط الحمراء والصارمة في خوض موضوع الجنس من خلال مختارات شعرية ونثرية جمعها الأندلسي بإتقان وبوبها في أبواب متنوعة سميت بأسماء الأحجار الكريمة كالزمرد والياقوت والمرجان وغيرها.

هذه أشهر الكتب التراثية التي بقيت لقرون طويلة مرجعا في الثقافة الجنسية  للمسلم، فالحضارة العربية الإسلامية ليست كما يصورها البعض اليوم أنها حضارة مغلقة تقمع الجسد وصارمة مع الغريزة الإنسانية، بل هي حضارة متفهمة لغرائز الإنسان.

ولعل نجاح هذه الكتب وانتشارها خارج الحضارة العربية الإسلامية يعكس أنّ أسلافنا كانوا أكثر تفهما منّا نحن الذين ننتفض يوما على الأدب الايروتيكي بدعوى الأخلاق.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.