مجتمع

نساء “الصناديق الخلفيّة”.. وجهان متناقضان للواقع نفسه

مجتمع

الصغير شامخ- تونس- مجلة ميم

“وفاة امرأة تبلغ من العمر 55 سنة وإصابة 10 أخريات في حادث انقلاب سيارة لنقل عاملات فلاحيات بولاية باجة”، “وفاة امرأتين وإصابة 36 امرأة في حادث اصطدام شاحنتين لنقل عاملات فلاحيات في سيدي بوزيد”..

الصغير شامخ

مثل هذه العناوين الصادمة في القرن الواحد والعشرين مازالت عناوين لأخبار يتداولها التونسيون بكثافة بين الفترة والأخرى، ومع كل حادث تنطلق موجة من “التعاطف الظرفي” سرعان ما تزول في ظل تخمة الأخبار وسهولة الانتقال من التعليق على خبر إلى آخر، بعضها مصطنع في الكثير من الأحيان.

 

على أطراف المدن الصناعيّة والاستهلاكيّة التي أنشأتها الرأسماليّة، يتعايش ضحايا المنظومة مع واقع مرير يدفعهم إلى السعي وراء “نصف حياة” بنصف قلق من “موت داهم”، فإن لم يكن من الغبن والتهميش نفسه كان من الشعور بـ”اللاجدوى” من الوجود في حدّ ذاته، ليست المسألة قضيّة تونسيّة ما دامت موضوع بحث للكثير من علماء الاجتماع والاقتصاديين في أكثر من مكان من العالم من زوايا مختلفة.

في تونس، ساهمت مجموعات الضغط التي تناسلت تدريجيّا عن مؤسّسة “المخزن” بشكل كبير في تكريس التنمية غير المتكافئة، ورسمت السلطة السياسيّة حدود ثنائيّة التنمية والتخلّف تحت شعارات التحديث وبناء الدولة العصريّة لعقود من الزمن، في تماه تامّ مع خرائط الهيمنة السياسيّة، لينتهي في آخر المطاف إلى مراكمة الفوارق في التنمية والمكاسب، وبالتالي إلى انخرام صارخ في التنمية وتوزيع السلطة وحتّى في الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة برمّتها.

بنصف “قلق” تجاهد نسوة على هامش مناويل التنمية المستنسخة من أجل نصف حياة، لتقع بعضهن مجدّدا ضحايا حوادث انقلابات السيارات التي يتعلّقن بها بالعشرات أحيانا يلهثن وراء رغيف قد لا يبدو أنّه يسدّ رمقا ولكنّه يضمن بقاء على قيد الحياة على الأقل، وعلى الضفّة المقابلة تماما تجلس “السيّدة” التي تتباهى بين صديقاتها بحقيبتها التقليديّة التي اشترتها بمبلغ باهظ، لم ينل من تعب من أجل حياكتها، سوى ملاليم.

في بهو قصر الرئاسة بقرطاج، زربيّة من النوع الرفيع، قَطع “النول” أثناء نسجها أنفاس نساء من أرياف سيدي بوزيد لا تقوى بعضهنّ اليوم على تحريك أيديهن بسبب آلام حادّة في الكتفين، لم “تُرزق” هؤلاء النسوة بفرصة رؤية منتوجهنّ تدوسه أرجل الزوّار إلى هناك وهنّ لا يقتربن من القصور، ليست هذه الصورة الوحيدة التي يمكن سردها في هذا الموضع فالمشهد مستنسخ كثيرا.

بين نساء الصناديق الخلفيّة لسيارات النقل الريفي للعاملات الفلاحيّات، ونساء الصناديق الخلفيّة لاقتصاد السوق والإيديولوجيا، نقطة التقاء واحدة، فكلاهما ضحايا للمنظومة نفسها بأوجه مختلفة تتراوح بين الاقتصاد والثقافة والثابت المرئي بالعين المجرّدة أن بينهنّ أكثر من نقطة اختلاف وتناقض.

بسبب التنمية والفرص غير المتكافئة، لا ترى نساء الصناديق الخلفيّة لسيارات النقل الفلاحي أنفسهنّ في مرآة الدولة، وبسبب “ثقافتهنّ” وموقعهنّ الاجتماعي، لا ترى نساء الصناديق الخلفيّة للنمط الاستهلاكي والإيديولوجيا أنفسهنّ في مرآة المجتمع، تناقض جعل الاهتمامات مختلفة حدّ التناقض أيضا، والأسوء أنّه جعل “الأنوثة” مشوّهة إمّا بسبب الوضع الاجتماعي المزري الذي اغتصبها بقسوته، أو بسبب تصوّرات عن التحديث الذي تدّعيه النسويّة بجوهر ذكوري اغتصبها بتخلّفه الذي يرى نفسه تقدّميّا.

صحيح أن قانونا قد تمّ سنّه مؤخّرا لتجريم العنف ضدّ المرأة، وآخر للاعتناء بالوضعيات الاجتماعيّة للنساء العاملات في القطاع الفلاحي وقطاعات أخرى، ولكنّ ذلك لن يغيّر من الوضع كثيرا في ظلّ هوّة سحيقة بين وضعين تعيشهما “المرأة” بين صندوقين لا يرى من في كلاهما نفسه في الآخر وقد لا يراه أصلا في ظلّ تموقعين متباعدين أنتجهما الواقع نفسه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.