مجتمع

الدروس الخصوصية في الوطن العربي: سوق للمدرّسين وتراجع للتعليم الحكومي

مجتمع

 

هي سوق تتستر بظلام الليل… عبارة تلخص واقع الدروس الخصوصية في الدول العربية، واقع أثقل كاهل العائلات التي أصبحت رهينة الدروس الخصوصية، فلا خيار إلا الإذعان للنشاط الموازي للمدرسين خشية الوقوع بين كمّاشتين، إما الدروس الخصوصية وإمّا الرسوب.

وتختلف أسعار الدروس الخصوصية من بلد إلى آخر، بل إنّها في ارتفاع متواصل، وهو ملفّ واجهته الحكومات العربية بترسانة من القوانين، بقيت مجرد حبر على ورق ولم تضع حدا لانتشار هذا النشاط.

تونس: ألف مليون دينار سنويا تكلفة الدروس الخصوصية

أكد السيد لطفي الرياحي رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك في تصريح لمجلة “ميم” أن المنظمة  أجرت دراسة  ميدانية حول ظاهرة الدروس الخصوصية كشفت أن تكلفة الدروس الخصوصية بالنسبة إلى التلميذ الواحد وللمادة الواحدة في المرحلة الابتدائية بين 30 و60 دينارا شهريا، في حين تبلغ في المرحلة الإعدادية بين 40 و80 دينارا شهريا،وبين 80 و150 دينارا شهريا لتلاميذ المرحلة الثانوية.

 

وأضاف الرياحي أن متوسط كلفة التلميذ الواحد لمختلف مراحل التعليم الابتدائية والإعدادية والثانوية تقدّر بـ50 دينارا في الشهر على فترة 10 أشهر، أي أنّ تكلفة الدروس الخصوصية في تونس تصل ألف مليون دينار سنويا.

وأكد رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك أن هناك خسارة سنوية لميزانية الدولة تقدر بأكثر من 300 مليون سنويا كأداء على الارباح، طالما لا يخضع نشاط الدروس الخصوصية للنظام الجبائي.

مصر : أولياء الأمور ينفقون 40 مليار جنيه

 كشف الكاتب الصحفي المصري رفعت فياض أن الأولياء ينفقون 40 مليار جنيه على الدروس الخصوصية سنويا في مصر.

وقد بلغ سعر الدرس الخصوصي في المادة الواحدة للطالب في المرحلة الابتدائية شهريا، إذا كان مع مجموعة طلاب آخرين من 30 إلى 80 جنيها، في حين بلغ 150 جنيها للمادة الواحدة إذا كان يدرس بمفرده.

أما في المرحلة الإعدادية فقد وصل سعر الدروس الخصوصية في المادة الواحدة للطالب الذي يدرس في مجموعة من 40 إلى 90 جنيها، في حين بلغ سعرها من 200 إلى 300 جنيه، إذا كان يدرس لوحده.

وبالنسبة إلى المرحلة الثانوية وصل سعر الطالب في المجموعة من 50 إلى 120 جنيها، وبلغ من 250 إلى 400 جنيه إذا كان يدرس لوحده.

الجزائر: لهيب الأسعار يشتد مع الامتحانات

تشهد أسعار الدروس الخصوصية ارتفاعا جنونيا خاصة في فترة الامتحانات الرسمية حيث بلغ سعر  الدروس في مادة الرياضيات  للطالب الواحد حوالي 9000 دينار جزائري وفي مادة الفيزياء 8000 دينار جزائري للطالب الواحد الذي يدرس مع مجموعة، في حين يختلف الأمر إذا كان يدرس بصفة فردية ليصل سعرها إلى 12000 للمواد الأساسية.

مؤشر أسعار متقلّب في المغرب

قدرت أسعار الدروس الخصوصية في المغرب بـ400 درهم خلال ساعتين بالنسبة إلى المستوى الجامعي، إلا أن هذا المبلغ يمكن أن يرتفع أكثر مع اقتراب موعد الامتحانات. أما بالنسبة إلى المستوى الثانوي والإعدادي فيكون سعر الساعة في حدود 250 درهما، وذلك بالنسبة إلى الطبقة المتوسطة، بينما يتضاعف هذا المبلغ بالنسبة إلى الطبقات الثرية حيث تصل 500 درهم للحصة الواحدة. وتبقى هذه الأسعار رهينة فترة الامتحانات والتي عادة ما ترتفع أكثر.

السعودية: 4000 ريال مقابل الدروس الخصوصية

شكل نشاط الدروس الخصوصية في المملكة العربية السعودية عبءا ماليا أثقل كاهل الكثير من الأسر السعودية، حيث يدفع الطالب حوالي 70 مليون ريال سعودي، سنويا.

وحسب بعض الإحصائيات فإنّ ما بين 20 إلى 30 بالمائة من طلاب المدارس، يسعون دائما الى تطوير مهاراتهم عبر الدروس الخصوصية. ويتراوح معدل الإنفاق الشهري لبعض الأسر على الدروس الخصوصية بين 1000 إلى 4000 ريال سعودي.

 

ألف مليون دينار سنويا هي تكلفة الدروس الخصوصية في تونس

استثمار في المعرفة

وأرجع لطفي الرياحي، رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، ارتفاع تكلفة الدروس الخصوصية في السنوات الاخيرة إلى إقبال الأولياء عليها نظرا لاعتقادهم أن تدني مستوى الدراسة يتحسن بتلقي دروس إضافية خارج أوقات الدراسة. لكنّ الدلالة الأبرز لهذه الظاهرة، حسب الرياحي، هو أنّ “العائلات التونسية أصبحت اليوم تستثمر في المعرفة، فحسب مؤشر الأسعار، تأتي الدروس الخصوصية بعد التغذية، في معدّل الإنفاق الأسري”.

ويوافق هذا الرأي الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي، المدير السابق لمركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية في الجامعة التونسية، في تصريح لمجلة “ميم”، مشيرا إلى أن هيكل “القفة” التونسية تغير، حيث أن أغلب مصاريف ميزانية العائلة التونسية متجهة نحو خدمات التعليم، حيث نقصت المصاريف المخصصة للتغذية والملابس لترتفع حصة التعليم.

 

وتابع الشكندالي: “في ظل ارتفاع أسعار المواد الأولية وفي ظل التضخم المالي الكبير، يخصص المواطن التونسي جزاء هاما من ميزانيته لتغطية تكاليف الدروس الخصوصية التي من شأنها أن تُثقل كاهله وتثقل مقدرته الشرائية.”

المدرّسون مجبرون

يرى الأستاذ الجامعي في الاقتصاد رضا الشكندالي أن “الأستاذ أو المعلم يلجأ إلى وسيلة يراها ناجعة في تغطية مداخيله في ظل تدهور دخله الشهري. وحمّل الشكندالي مسؤولية ذلك إلى الدولة التي لا تعطي قيمة للمعلم أو الأستاذ “فلا بدّ أن تُحسن من وضع المُدرس حتى لا يلجأ إلى الدروس الخصوصية”، حسب قول الشكندالي.

 

الشكندالي: لابد أن تُحسن الدولة من وضع المُدرس حتى لا يلجأ إلى الدروس الخصوصية

 

وتابع الشكندالي “المدرّس براتبه الشهري العادي لا يمكنه أن يستجيب إلى متطلبات الحياة، ولا مجال للمقارنة بين راتب المربي التونسي والمربي المغربي، فراتب المدرس المغربي يفوق راتب التونسي بثلاث مرات.”

قانون يمنع الدروس الخصوصية في تونس

صدر سنة 2015 أمر حكومي يمنع في فصله السابع، منعا باتا على المدرسين العاملين في المؤسسات التربوية العمومية إعطاء دروس خصوصية خارج أسوار المؤسسات التربية.

وجاء في هذا القانون أن كل من يخالف هذا الأمر الحكومي يتعرض الى عقوبات تأديبية من الدرجة الثانية، ويمكن أن تسلط على مخالفي هذا القرار في صورة العودة عقوبة العزل، وتتراوح العقوبات بين النقلة الوجوبية مع تغيير الإقامة على المخالفين.

ورغم صدور هذا القانون إلا أن ظاهرة الدروس الخصوصية في تونس في ارتفاع متواصل، لتصل تكلفتها حوالي ألف مليون دينار سنويا، ليبقى هذا القانون مجرد حبر على ورق.

معالجة الظاهرة يجب أن يتجاوز المنع

يرى سليم قاسم، رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم، في تصريح لمجلة “ميم” أنّ التعامل مع الدروس الخصوصية على أنها هي المشكل خطأٌ جسيم في التّشخيص يقود غالبا إلى خطأ في العلاج، فتكون المقاربات ذات الطابع العقابي الزجري عديمة الأثر، في حين أن معالجة هذه الظاهرة لا تكون إلا بالرفع من أداء المدرسة العمومية وجعلها أقدر على الاستجابة للتحديات المفروضة عليها، وقبول أن توفر المبادرات الخاصة الصادرة عن المدرسين الأكفاء ما يجوّد مخرجات هذه المدرسة لأن النتيجة ستكون في هذه الحالة في صالح المتعلّم والمدرّس والمنظومة التربوية والمحيط الاجتماعي والاقتصادي على حد سواء، وفق تعبير سليم قاسم.

ويتابع رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم: “إن دور سلطة الإشراف ينبغي أن يتجاوز دور المنع إلى دور التأطير والتعديل (Encadrement et Régulation)، مع المحافظة على الدّور الرقابي والزجري عند كلّ تجاوز، فالتجاوزات موجودة، ولكن الوزارة، مدفوعةً بضغط الطرف الاجتماعي، تسيء تحديدها والتّعامل معها، وهنا نطرح وضعيّتين من صميم الواقع الذي لا تكاد تخلو منه مؤسسة تربويّة، مدرّس متواضع الإمكانيّات يلاحق تلاميذه للتّسجيل في درسه الخصوصيّ الذي يقدمه في المدرسة، ومدرّس مبدع يتنافس أولياء التّلاميذ لتسجيل أبنائهم في درسه الخصوصي الذي يقدمه في فضاء تعليمي خاص. إن المذنب بالمقاييس الحالية هو المدرس الثاني لأنه يقدم درسه خارج فضاء المدرسة العمومية. فأي منطق هذا؟.”

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.