ثقافة

كوكو سودان كباشي: عندما يُصاد البشر ليقاتلوا دفاعا عن الرجل الأبيض

كتب

 

تقود الصدفة “خالدة” المحامية الثلاثينية والعضوة في إحدى جمعيات حقوق الإنسان في مصر للالتقاء بـ “رودلفو” على متن طائرة، في رحلة عودة من هولندا، حيث كانت تزور أخا غير شقيق وتحضر مؤتمرا حقوقيا.

ويقودها “رودلفو” بدوره، صاحب المقعد المجاور لمقعدها البديل، إلى عالم لم تكن تعلم عنه شيئا، وأحداث تاريخية طواها التجاهل والنسيان، وما أجدر بمثلها أن تُحفَر في ذاكرة البشر ما بقى في أنفسهم قبسٌ من نور وتوقٌ للعدالة وللإنسانية، وذلك من خلال أوراق جده المصري “الشيخ عثمان”، أو كما ينطقه “أوثمانو”، التي بحوزته، وهو في طريقه لمصر سائحا وباحثا عن عائلة جده.

فذلك الشاب الذي لا يتجاوز عمره العقد الرابع، نتاج اختلاط أجناس شتى، فهو، باعتبار جنسيات وأصول آبائه وأجداده، مكسيكي ألماني نرويجي هندي مصري.

تستقر الأوراق في نهاية المطاف عند “خالدة” التي اعتبرها “رودلفو” صديقة محلّ ثقة، عسى أن تصلمن قراءتها لشيء يساعده في الوصول إلى أقاربه المصريين، ورحل هو حين حلّ موعد الرحيل.

 

الروائية سلوى بكر

 

كانت أوراق الشيخ عثمان الحُفني، نسبة إلى قريته السوهاجية في صعيد مصر، وإن كانت أمّه نوبية ورث عنها سواد البشرة وكثافة الشعر وخشونته، عبارة عن مذكرات أو يوميات شخصية سجلها عن رحلته إلى “مكسيكيا” وعن إقامته في تلك البلاد البعيدة الغريبة التي لم يكن يتخيل يوما أن يزورها، ليزودنا بتفاصيل تنسج منها الأديبة المصرية سلوى بكر روايتها “كوكو سودان كباشي” التي تقدم لنا من خلالها جانبا مسكوتا عنه من تاريخ العبودية في العالم.

وكان الشيخ عثمان، كما قصّ حفيده على مسامع “خالدة”، قد جاء إلى المكسيك “ليشارك في الحرب الأهلية عندما بلغت عمليات النهب والاقتسام الاستعماري ذروتها بين الدول الأوروبية المختلفة والمستوطنين الأمريكان الذين راحوا يقضمون قطعة تلو أخرى من أراضي الهنود الحمر الذين أبادوهم في أمريكا الشمالية والوسطى”.

فما الذي يجعل الشيخ المصري يشارك في حرب تنشب في بقعة نائية ولا علاقة له بأي من أطرافها؟!

حلّ اللغز

بعد أيام من الانغماس في العمل بين أروقة المحاكم وأقسام البوليس القذرة تبدأ “خالدة”، التي تقيم في القاهرة، المدينة الضاغطة بضوضائها وقبحها وإن ظلت تحتفظ رغم ذلك بجاذبية خاصة، في قراءة تلك الأوراق المكتوبة بقلم كوبيا أزرق، وقد صارت حروفها، بفعل الزمن الذي يقترب من قرن ونصف، باهتة واهنة، كما أنها غير كاملة، فثمّة صفحات عديدة مفقودة، أحرقتها زوجة الشيخ عثمان الهندية لاعتقادها أنها أوراق سحرية، وذلك ضمن ما كانت تقوم به من طقوس هندية قديمة كلما مر بها حدث غير سارّ.

 

تقرر “خالدة” تقديم موعد إجازتها السنوية من مكتب المحاماة لتتفرغ لتلك الأوراق التي وضعتها أمام  قصص وحكايات وتاريخ مجهول لا يُدرس في كتب التاريخ المدرسيّة المزيّفة لأناس “عاشوا وماتوا دون أن ينتبه إليهم أحد ودون أن يتذكرهم أحد”.

وتتضح الرؤية أكثر لدى خالدة عن هؤلاء القوم عندما تلمح، وهي جالسة في يوم عمل عادي في مجمّع المحاكم بالعباسية، على صفحات جريدة بين يدي أحد زملائها، مقالا بعنوان “بطولة الأورطة المصرية في المكسيك” كتبه د. عبد المنعم الجميعي، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة فرع الفيوم، حول اشتراك الجيش المصري في حرب المكسيك التي كانت ناشبة بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وفرنسا وإسبانيا من جهة أخرى.

حيث طلب إمبراطور فرنسا نابليون الثالث من سعيد باشا والي مصر آنذاك أن يمده بفرقة من الجنود السودانيين “لأن الحمى الصفراء منتشرة في المكسيك أين تدور المعارك بين الطرفين المتصارعين، والجنود الفرنسيون يموتون بها ولا يستطيعون مواصلة الحرب، نظرا لشدة حرارة الجو هناك وانتشار الرطوبة والمستنقعات”.

ويضيف أن هذه القوات قد أبلت في الحرب بلاء حسنا، إذ اشتركت في 48 موقعة في الفترة من 23 فبراير 1863م وحتى 12 مارس 1867م (وكان الخديوي إسماعيل هو من تولى بعد سعيد باشا الذي توفي في 18 يناير 1863م)، أظهرت خلالها مهارة واضحة في القتال وثباتا وشجاعة شهد لها قائد الجيش الفرنسي بقوله “إن هؤلاء ليسوا من الجنود بل هم من الأسود”.

يستحوذ العالم الجديد على عقل “خالدة” ووجدانها فتفكر فيه نهارا وتبحث عن كتب حوله لتقرأ وتستزيد، وتحلم بأبطاله السود وجلّاديهم البيض ليلا، وتجعلها المأساة تشعر بتفاهة القضايا التي تعمل عليها كمحامية وحقوقية، مقارنة بقضايا كبرى أكثر فظاعة وألما لا نعلم عن تاريخها شيئا كقضية العبودية.

“لقد كنت في حالة دهشة بالغة، ومنذ أن أوغلت في قراءة الأوراق، من فكرة جلب أناس من عمق الغابة الإفريقية وجعلهم جنود حرب يقاتلون عدوا لا يعرفونه ولا ضغينة في الأصل بينه وبينهم، جنود يقاتلون حتى الموت، ليس في السودان حتى لأجل حاكم الخرطوم، وليس في مصر لأجل عيون الخديوي، وليس في استانبول لأجل الحفاظ على الخلافة وبابها العالي، ولكن وياللعجب في المكسيك لأجل فرنسا ولأجل إمبراطورها نابليون الثالث.

شعرت أن القصة رغم مأساويتها، إنما هي نوع من المهزلة، خصوصا أن هؤلاء كانوا عبيدا، أي بشرا تم صيدهم صيدا كالحيوانات الكاسرة من عمق الغابة الإفريقية السوداء، بالقوة وقسرا، ليتحولوا جبرا إلى جنود يحارَب بهم هنا وهناك”.

وتتوقف “خالدة” طويلا أمام فقرة من كتاب عن أمريكا اللاتينية: “كانت حزم العبيد التي تنجو من الجوع والأمراض وتتكدس في السفن، تُعرَض في الأسمال جِلدا على عظم في الميدان العام بعد أن تمر في استعراض عبر الشوارع ذات الطراز الاستعماري على أنغام موسيقى القرب (موسيقى عسكرية)، أما من يصلون إلى الكاريبي وقد بلغ منهم الإرهاق مبلغه فيمكن تسمينهم في مستودعات العبيد قبل جعلهم يلمعون، وكان الصاغة يقدّمون أقفالا وأطواقا من الفضة للزنوج والكلاب، وكانت السيدات الأنيقات يظهرن بين الناس مصحوبات بقرد تكسوه سترة مطرّزة وطفل عبد وسروال فضفاض من الحرير”.

 

أوراق الشيخ عثمان

كانت أولى الأوراق تلك التي تحمل رقم 7، ويتحدث الشيخ عثمان فيها عن مدى ضيقه ويأسه بسبب المهمة التي فُرضت عليه فرضا من الذهاب إلى أرض مجهولة وبقعة ما سمع عنها قط, مما يثير فيه الخوف والوجل والاضطراب والوحشة، ويصب غضبه على حكومة الوالي وعسكره “حسبي الله ونعم الوكيل منكم يا ظلمة يا كفرة”. ولم يكن عثمان جنديا بل شيخا مرافقا للأورطة (الفرقة العسكرية).

وكان الارتحال في زمهرير الشتاء، صباح يوم لم تطلع له شمس وافق 8 يناير 1863م، من الإسكندرية على النقالة الفرنساوي “لاسين”، وكانت الأورطة بكامل ملابسها وعتادها، وكان جلّ جنودها شبانا ذوي بنية قوية ومنظر حسن.

خاضت “لاسين” غمار البحر الرومي حتى وصلت إلى الميناء الفرنساوي “طولون”، وهناك خرج إليهم ضباط وجنود من الفرنساوية المعيّنين للحرب في مكسيكيا، وقاموا بتوزيع أسلحة فرنسية على جميع أفراد الأورطة بدلا من أسلحتهم غير المناسبة، وكان الفرنساوية يستخدمون بعض الجنود الجزائريين، الذين كانوا معهم في حرب مكسيكيا، للترجمة. ثم واصلت “لاسين” الإبحار مخترقة المحيط العظيم “ذا الأمواج الجبّارة والمياه التي لا حصر لها”، وقد دام السفر 47 يوما مات خلالها 7 جنود، معظمهم بحمّى حار الأطباء في توصيفها وعلاجها، وهناك من سقط من أعلى فابتلعته الأمواج.

وفي الصفحة 18 كتب عثمان: “وكان جلّ الجنود والأنفار من الرجال السودان الذين جُلِبوا جلبا من بلاد السودان والنيل التحتاني ومناطق العبيد، وأكثرهم كانوا ممن صيدوا أو بيعوا في أسواق الخرطوم، وكان الباشا الكبير وليّ النعم يأتي بهم للمتاجرة ضمن تجارته الواسعة مع الإفرنج، وكان هؤلاء في جملتهم شبانا حديثي العمر ذوي قامات مديدة وجسوم قوية شديدة”. وكان سبب اشتراط الفرنساوية إمدادهم بجنود من السودان السود أن ” سواد البشرة يقي ويقاوم ما بهذه البقعة مكسيكيا من أمراض وصعوبات لا يقوى عليها البيض من الفرنساوية والفرنج”.

 

يمثل كوكو رمز البراءة في عالم لا يعرف الرحمة، وهو رمز لكل إفريقي راح ضحية للظلم والعنصرية وانتهاك آدمية البشر ممن يعتبر نفسه عنصرا أرقى يستحق أن يموت لأجله “العبيد السود”.

 

وبالإضافة إلى المهام القتالية التي قام بها جنود الأورطة فقد كُلّفوا بحراسة أشغال السكة الحديد، الضرورية لنقل الجنود، كما كانوا يقومون بمهام تأمينية وبعمل المراسم والتشريفات اللازمة كما حدث عند مرور إمبراطورة المكسيك بـ “فيراكروز” (الولاية المكسيكية التي كانت مقرا للأورطة) وقد أعجبت الإمبراطورة بهندامهم وكفاءتهم فمنحهم الإمبراطور علاوة يومية على الراتب قدرها ما يساوي قرشا واحدا و15 مليما مصريا، مع الإنعام على بعض الضباط بالأوسمة.

وإلى جانب من قُتِل في المعارك مثل بلال حماد أو من أصيب، كانت الظروف المعيشية للجنود غاية في السوء، مما أدى إلى إصابة الكثيرين بالأمراض وتردّي حالتهم الصحية، فالطعام كان ردئيا وعلى المرء أن يزدرد اليَخْنة التي تقدم له يوميا ازدراد البهيمة لعلفها، ناهيك عن قلة الماء وعدم استساغة طعمه، مع وخامة الجو وانتشار الحشرات، فزادت الإصابات بالإسهال والحمّى ولدغات حشرات سامة أو حيّات أو آفات أخرى غريبة.

ومما يورده عثمان في أوراقه أن معظم العبيد السود المجلوبين إلى مصر زمن الباشا الكبير محمد علي إنما كانوا لتغذية الجيش بالجند وعمل الأورط، كما كانوا يعملون في مصانع البنادق والمدافع والبارود والحدادة، والمهمات التي أنشأها الباشا الكبير في القلعة، كما أن النسوة العبدات السوداوات كن يشتغلن بمدرسة الولادة، وكان الخصيان يعملون في خدمة وراحة حريم الأسرة الكبيرة للباشا.

ومن أبشع ما يرويه عثمان وصفه لعملية الإخصاء أو “التطويش” التي كانت تجرى للعبيد الأطفال “تم تطويش عبد صبي صغير في قرية زاوية الدير قرب أسيوط، وهي من القرى والأماكن المعروف عنها حرفة التطويش والجب، وكان الوقت خريفا كما هو متبع لعمل مثل هذه العمليات التي اعتاد القساوسة الأقباط القيام بها لمهارتهم فيها، فتم قطع موضع الذكورة لدى الغلام بموسي، وجرى صب الجرح بزيت مغلي كما هو متبع، ووضعت الأنبوبة في الفتحة الباقية حتى لا ينسد مجرى البول، وبعد ذلك تم رشه بمسحوق الحناء، وجرى دفن الصبي حتى بطنه في الأرض لمدة يوم كامل بعد تقييده وربطه.

غير أنه بعد مرور اليوم وبينما هم يخرجونه لدهنه بمرهم الطمي والزيت، تشنج الصبي ورفس واتضح أنه مصروع وقام بعض لسانه وقطعه، وكنت قد شاهدت ذلك كله أثناء خروجي إلى هذه البلدة بأسيوط مع ابن عمتي الحاج خليل، إذ كان ثريّا من أعيان الحُفن، ورغب في شراء فتى خصي يهديه لواحد من أجلاء معارفه في طنطا ليقوم على خدمة حريمه، وعندما مات الصبي، كانت الخسارة كبيرة لمالكه، لأن المطوش يباع بسعر مرتفع يفوق كثيرا ما يباع به العبد العادي، لأن الغلام سليم البنية الذي لا يطوش يباع وحسب حالته ما بين أربعمائة إلى خمسمائة قرش، فما بالك بذلك المطوّش المخصوص”.

 

ولكن من هو كوكو سودان كباشي؟

يذكر الشيخ عثمان في أوراقه العديد من أسماء أفراد الأورطة، التي بلغ عددها بضع مئات، كخليفة سودان وبخيت خميس وكودي الفيل وسعيد الجيش وأنجلو حبيب الله وجفوله درع الفيل وغيرهم، ولكنه يُفرد صفحات مطوّلة للحديث عن كوكو سودان كباشي، وعن بلاده.

يمثل كوكو رمز البراءة في عالم لا يعرف الرحمة، وهو رمز لكل إفريقي راح ضحية للظلم والعنصرية وانتهاك آدمية البشر ممن يعتبر نفسه عنصرا أرقى يستحق أن يموت لأجله “العبيد السود”.

كان كوكو، كمعظم جنود الأورطة، يعيش آمنا مطمئنا في وطنه الجميل “جبال النوبة”، وهي منطقة قرب جنوب غرب السودان، لا يؤذي أحدا ولا يشغله سوى الانطلاق في عالمه الصغير البديع، بين الفيلة والزرافات والعصافير الملونة، ووسط أسرته ورفاقه، ولكنه، وكما تقول “خالدة”، اصطيد وانتزع من وطنه  كي يُقذف به في لهيب حرب لا ناقة له فيها ولا جمل.

ويروي لنا الشيخ عثمان أن كوكو بلغة جبال النوبة تعني الأخ الأكبر، وكاكا تعني الأم وفافا تعني الأب، وكان كوكو أكبر إخوته فعلا، وقد صِيد قبل عام واحد من ارتحاله إلى مكسيكيا وضُمَّ إلى الأورطة السودانية، وكان عمره وقتذاك لا يتجاوز عشرين عاما “ورغم حزنه البادي كان نشيطا مطيعا منفذا لكل ما يطلب منه من أوامر ومهمات، وكانت له هيئة حسنة وأسنان قوية بيضاء ما رأيت أجمل منها..

وكان كوكو عندما تأخذه دوامات الحزن والألم خلال وحشة الليل ويسرح ببصره بعيدا وهو على سطح النقالة يشرع في صفير حادّ ممتد كصفير طير من طيور الغابات، ويظل على تلك الحال وقتا وكأنه مذهول أو أصابه مسّ من شيطان”.

ولكوكو أخت توأم كان لا يفارقها ولا تفارقه، لكنها سُرِقَت هي الأخرى وبيعت بأرض لا يعرف طريقا لها. وكان يحب الإمساك بمسبحة الشيخ عثمان، وذات مرة أخذها منه ووضعها في عنقه كقلادة وراح يرقص بها، فقد كان شعب القبيلة التي ينتمي إليها، وتسمى الشير، أهل رقص وغناء.

ولا تقتصر العنصرية على الرجل الأبيض، فحتى  أصحاب البشرة الأفتح قليلا من أفراد الأورطة كانوا يشعرون باستعلاء، فسوار الذهب ريّس المطبخ، كان يصف كوكو ورفيقه نينانده من القبيلة نفسها بـ”العبيد”، وهو أسود مثلهم وإن كان لونه أفتح بعض الشيء “فلما سألته قال لي إنه من أهل الشمال الذين تخالطت دماؤهم مع العرب وإن قبائله تعتبر أهل الجنوب أدنى وأقل شأنا”.

 

الورقة الأخيرة

بعد شهور كان لا يزال هناك ورقة أخيرة من أوراق الشيخ عثمان لم تطّلع عليها “خالدة” التي عادة ما تتبعثر أوراقها هنا وهناك، وقد عثرت عليها عمّتها بالصدفة أثناء تبييض الشقة حيث يقيمان بمفردهما بعد وفاة والدها، وهي الورقة التي تحمل رقم 102 وتُختَم بها الرواية، ويتحدث فيها الشيخ عثمان عن حياته الجديدة في المكسيك بعد زواجه من امرأة هندية وقع في غرامها وأنجب منها، ويبدي إعجابه بالهنود الطيبين ذوي القيم والمثل والأخلاق، ولكنه رغم طيب العيش يشعر بحنين هائل وشوق عارم إلى الوطن، وتحدثه نفسه بالعودة ولكنه يقول:

“إلى أي عالم تعود، أتعود إلى أولئك الذين يتحكمون في مصيرك مرة أخرى ويقذفون بك إلى حرب أخرى وعالم مجهول؟ أتعود لتلقى وتكابد مثل ما لاقيته وكابدته في رحلتك إلى هنا؟ أتعود لتشهد مثل ما شاهدت من مآس وآلام وفظائع تتمنى لو أن ذاكرتك تمحوها محوا حتى تنساها إلى الأبد؟ أتعود لعالم شرير يأكل فيه القوي الضعيف ويتسلط فيه بشر على أرواح بشر؟”

وهكذا يظل الشيخ عثمان حائرا مترددا لا يكف عن البكاء في بهيم الليالي وهو يتساءل: أأعود أم لا أعود؟ 

وتنتهي الرواية بهذا السؤال المفتوح الذي يمثل الصراع داخل كل إنسان ينتمي إلى وطن لا يوفر لأبنائه الحرية والكرامة فيبحث عنهما في مكان آخر، وإذا كان وطن الإنسان حيث يعيش حرّا عزيزا فإن حنينه إلى وطنه الأصلي يظل حيّا، على أمل أن يتحرر الوطن يوما ليسع أبناءه التوّاقين له.. وللحرية.

الوسوم

منى علام

باحثة في التاريخ والحضارة الإسلامية مهتمة بالدراسات النسوية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.