الرئيسيثقافةغير مصنف

ميراث الذاكرة: ماذا تركت لنا رضوى عاشور؟

سلسلة رضوى عاشور

 

حتى أكتب اليوم هذه الكلمات في ذكرى وفاتها، جلست في الفضاء الرقمي أبحث عن تسجيلات لها، مقابلات وتقارير وحفلات توقيع كتب، لاحظت كما كنت لاحظت سابقاً أن لديها لازمة لفظية ترددها كثيراً، تقول: “وبالتالي”، ثم وأنا أستمع لمقابلة لها ومريد البرغوثي وجدت أنه أيضاً يستخدم نفس اللفظة للانتقال بين الأفكار، ربما ليس بنفس القدر، ولكن هذه الملاحظة اللطيفة منحتني بعضاً من الألفة غير المبررة لسبب ما.

أستمع لتسجيل تلو الآخر، ولحديث تلو الآخر، وفي كلّ منها أجدها هادئة فيها الكثير من السكينة، وإن تفاعلت مع ما تقول واحتدت قليلاً فآخر الأمر أن تبتسم ابتسامة مستنكرة أو ساخرة، أو يصعد بك صوتها قليلاً. أتساءل أهذا هدوء المتعب المثقل، أو هو هدوء المسالم المتآلف مع الحياة؟

أتحدث كثيراً عندما أكتب حول رضوى عن مشروعها الروائي، قلت مرة أرادت رضوى أن تكتب الإنسان العادي، بل قال هي وكررت أنا من خلفها، قالت أنها تريد أن تكتب التاريخ الذي عاشه الناس، لا التاريخ الذي كتبته الدول والوثائق، قالت هي أنها تريد أن تعيد امتلاك مصيرها بصفتها امرأة ومواطنة من دول العالم الثالث، تريد أن تتحر من تراث الموؤودة، الأنثى و وريثة الاستعمار. قالت إن التلاعب بالتاريخ هو ما دفعها لإعادة تدوينه من وجهة نظرها ككاتبة وكصاحبة له.

سمعتها تقول في إحدى المقابلات إنها تنظر إلى الواقع بصفته واقعاً تاريخياً، وعند النظر إلى التاريخ فهي لا ترى إمكانية التعامل معه إلا كواقع. أي أننا عندما نتحدث عن الحاضر الذي نعيش فنحن نتحدث عن تاريخنا، بصفته تدويناً للوقائع، ونحن إذا ما تحدثنا عن التاريخ لا يمكننا الانفصال عنه تماماً لأنه تاريخ واقع سبقنا إلى الوجود.

والفن الروائي فن تأريخي، الروائي والمؤرخ كلاهما حكّاء، والحكي بالضرورة يفترض وجهة نظر، وبالتالي هناك فرق بين ما يحدث فعلاً وما ترويه هي وتحكيه.

عندما تتحدث عن التاريخ فإن ما يشكل التاريخ الذي تكتبت هو تحديد لمن أنت، ما هي مصالحك ماهي زاوية نظرك، حتى المؤرخ حين يحكي يتخذ موقفاً مرتبطاً بوجهة نظره، وليس بالضرورة أن يصرح بذلك. كل من يكتب ويدون يمثل شيئاً. المؤرخ ينتقي ما يعتقد أنه حدث جلل أو يستدعي التوثيق، هناك دائماً قدر من الجدل بين وجهة النظر وما تنظر إليه، لنتصور أن مؤرخاً بعينه سيكتب عن ثورة يوليو، فهو لا يستطيع أن يغير اليوم الذي حدثت فيه الوقائع مثلاً ولكن ما ستضمنه الوقائع من حقائق تعبر عن وجهة نظر المؤرخ هي ما تجعل تدوينه عندها وجهة نظر.

تنظر رضوى إلى الماضي من مسافة تمنحها رؤية أكثر وضوحاً للمشهد الكبير، ولكن هذا يفقدها القدرة على اكتساب البنية الشعورية للحدث كما عاشه أفراده. تقول:

يمكنني أن أتخيل وفق ما اختبرت أنا من تجارب مشابهة، ولكنني من الصعب، إن لم يكن مستحيلاً، أن أصِل إلى نفس البنية الشعورية التي عاشها من تواجد في تلك اللحظة.

لذلك فإن الكتابة بالنسبة هي باب لاكتشاف الناس والتعرف على دواخلهم، واكتشفت وأنا أكتب عن الموركسيين الذين فقدوا بلادهم أنني أكتب عن زمان في الماضي ولكن من منظور الحاضر، وكأن النص يعقد جسراً بين الحاضر وانعكاسه على الماضي“.

 

لقد استخدمت رضوى عاشور العمل الأدبي أداة للتعبير عن النفس ولكنه تعبير معقد، ليس بسيطاً كغناء أغنية، إنه أقرب لتشييد بناء، كل نص أدبي تكتبه يشكل قطعة من قطع الفسيفساء الكبرى، وتلك اللوحة التي لا نعرف متى تنتهي تضم إلى جانب فسيفساء رضوى كل الذكريات والسرديات والتعبيرات عن خبرات الشعوب وتجاربها وفقاً لما سمح به الظروف وتيسره أدواتهم. ونحن إذا أردنا أن نسأل ماذا تركت لنا رضوى عاشور، فعلينا أن نسألها هي، وستجيب.

إن الكتابة بالنسبة لرضوى عاشور لم تكن أداة، ولم تكن مشروعاً بالمعنى الضيق المتحجر، لقد كانت متنفساً يساعدها على ترتيب مفردات عالمها، وتحقيق نوع من التوازن في هذا الواقع المختل والمتوحش.

يتردد في رأسي صوتها وهي تتحدث عن الكتابة في التاريخ العام وكأنها سؤال يشغل الإنسان فتخففه قليلاً. تقول بأن الإنسان المثقل بهمه كمن يقف ووجهه للحائط، أما إن استدار ليطل على هموم الآخرين فإن عالمه يصبح أقل وحشة، وإن كان أكثر تعقيداً. ولكن كم مذبحة تتحمل الرواية؟ وكم يمكن للقارئ أن يتحمل دون أن يبتعد؟

كلما قرأت لرضوى ودفعتني قراءتي لها لقراءة ما قرأت هي حتى تكتب ما كتبت أجدني أتساءل كثيراً، من أين استحضرت تلك القوة لتتابع؟ كيف استقرت قدماها في اتجاه القوم ولم تُشِح بوجهها إلى الحائط بحثاً عن ضيق الهم الشخصي؟ هل وحشته حقاً أصعب كثيراً من هول ما نرى؟ وهل من الصعب حقاً أن نعيش في فقاعته الصغيرة بعيداً عن كل شيء؟ أم أننا نتوهم عندها السلامة في هوّة الجحيم؟

ماذا تركت لنا رضوى عاشور؟

يقول الناس تركت لنا نتاجاً نقدياً وأدبياً محتفى به، وتركت عدداً كبيراً من الطلبة والمحبين، تركت مثالاً للأكاديمي الملتزم، وللمواطن المقاوم. نعم تركت ل ذلك وربما أكثر. ولكن رضوى تركت لنا طريقاً لا نتيجة، تركت لنا صورة عن التاريخ ومنهجاً للتعامل مع الذاكرة أكثر من كونها تركت تسجيداً لهما. أرى ميراثها الحقيقي في موقف وكل درب قررت أن تسلكه، في كل سكّة كانت تتحرى فيها عاقبة السلامة بصدق النية وصدق المقصد. إن رضوى لم تكن تسعى لأن تثقلنا بأحمال التاريخ، ولم تُرد أن تجذب قلوبنا إلى الأرض بلوعة الفقد، لا ولم تقصد أن تعلو أصواتنا بنواح البكايات وفتح بيوت العزاء.

ما حاولت رضوى أن تزرعه هو إدراك لحقيقة الواقع الذي نعيشه، أرادت لنا أن نرى الأمل في تكرار الفواجع، أن ننظر إلى التاريخ ونقول: حدث هذا من قبل، والحياة استمرت، من انتصر؟ كيف قاوم؟ ماذا نفعل نحن هنا؟ على أية صورة وصلنا؟ هل من طريق للخروج؟ لقد أرادت لنا أن نلتفت بعيداً عن الحائط حتى نتعرف على أنفسنا في الآخرين، حتى لا نعتقد أننا مصابون بمرض عضال لم يصب أحداً من قبلنا، حتى لا نعتقد بأننا قليلو الحيلة، حتى لا نمشي في هذه الأرض مستسلمين.

كما أن الكتابة صورة من صور مقاومة الموت، فهي الصوت الذي يبقى، هو الذي يحدد المكان والزمان والأحداث، هي الصوت الذي يستعيد المستلب ويسترجع المنكوب، فكذلك الذاكرة، عليها أن تقاوم الموت، عليها أن تنظر تسترجع الذات التي نهبت، وتصرّ على حقها في رواية جديدة لا سلطان عليها إلا لأصحابها. هذا هو ميراث رضوى عاشور.

الوسوم

أحلام مصطفى

مُدونة وطالبة فلسطينية تحضّر لدرجة الدكتوراه بجامعة سيدني الأسترالية في مجال اللغة العربية وثقافاتها يركز عملها البحثي على كتابات الذاكرة والفاجعة في السياق مابعد الاستعماري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.