ثقافة

النساء والارهاب

حوار مجلة ميم مع الأستاذة منية العرفاوي، إحدى مؤلفتي الكتاب

كتاب “النساء والإرهاب” اصدار جديد اجتمع فيه جانب الدراسات المعمقة بالعمل الصحفي الميداني لإنتاج عمل ثنائي هو الأول من نوعه، للباحثة آمال القرامي والصحفية بدار الصباح منية العرفاوي. وقد انطلقت الأستاذة آمال القرامي في البحث في هذا الكتاب سنة 2012 لتلتحق بها الصحفية العرفاوي لاستكماله سنة 2016.

مجلة ميم حاورت الصحفية منية العرفاوي للتعرف على أهم ما جاء في ثمرة جهد ثنائي بُني على ثنائية النساء والإرهاب للبحث في أسباب اقترانهما وخوض أحدهما في الآخر.

في البداية لو تقدم لنا كتاب “النساء والإرهاب”؟

كتاب النساء والإرهاب دراسة جندرية، صادرة عن دار مسكيلياني، تناولنا فيه العلاقة التي تربط النساء بالإرهاب، وعن النساء المتورطات في العمل الإرهابي بصفة مباشرة،وهن أيضا القيادات في التنظيمات الارهابية.ويحتوي الكتاب على سبعة فصول، خمسة منها من إعداد  الأستاذة والباحثة آمال القرامي تناولت خلاله دراسة الإرهاب والجندر و جندرة القتال الجهاد وفصل آخر تحدثت فيه عن فتنة التنظيم أو في دواعي الانتماء، وأدوات فتنة النساء.

في حين اشتغلت أنا على فصلين اثنين وهما ارهابيات مغربيات بورتريهات، بمعنى أني حاولت رسم بورتريهات لارهابيات مغربيات كن ناشطات في الجماعات الإرهابية في بلدانهن، وكذلك مجموعة أخرى من البورتريهات لارهابيات  تونسيات. في حين تطرقت في الفصل الثاني إلى علاقة  الأسر بالإرهاب بين المعاناة والوسم الاجتماعي، وقمت خلاله بلقاءات مباشرة مع ضحايا وجناة الإرهاب.

اعتمدت في عملك على اللقاءات المباشرة بين ضحايا وجناة الإرهاب، ما هي الأسس التي بنيت عليها اختيارات للشهادات؟

نحن اشتغلنا على نماذج لعدد من النسوة متورطات في الأعمال الإرهابية، شخصيات نسائية قد يكون الرأي العام في تونس يعرفها أو لا يعرفها،وبعد ذلك قمت ببناء قصص لهؤلاء النسوة،وهذا العمل تطلب البحث  داخل أسر هؤلاء الفتيات اللواتي بعضهن موقفات داخل السجون بسبب تهم إرهابية، وبعضهن سافرن إلى ليبيا أو سوريا، وهو ما يتطلب الكثير من البحث والتقصي والاستناد إلى الروايات الأمنية، لكن في النهاية البورتريه كان مبني على تقاطع المعلومات، واشتغلنا على عينات كثيرة لكن في النهاية فضلنا أن نورد  عينات بعينها لاختلاف التجربة وثرائها لإتاحة الفرصة للأكاديميين والباحثين لمعاودة قراءة  جديدة للأسباب الحقيقية التي تقف وراء التحاق هؤلاء النسوة بالتنظيمات الإرهابية.

من خلال هذه الدراسات المعمقة والأولى من نوعها في تونس، ماهي الأسباب التي تقف وراء دخول النساء إلى مثل هذه المتاهات؟

تختلف الأسباب باختلاف الحالات، هناك طبعا الأسباب النفسية، وأنا دائما أصر  على هذه الأسباب، فهناك هشاشة نفسية، وهناك أوضاع اجتماعية معينة، وهناك تفكك أسري، وهناك هاجس للبحث عن معنى في بيئة أو مجتمع يُحقر ويدني من ذوات هؤلاء النسوة، بينهن مراهقات وشابات يبحثن عن معنى لحياتهن، وسط  بيئة أسرية مفككة وفي حياة اجتماعية صعبة، وفي إطار هشاشة نفسية وعدم حصانة داخلية وهي عوامل استغلتها الجماعات الإرهابية لجذب هؤلاء النسوة، ورسمت هذه التنظيمات عالم وهمي لفتيات ونساء باحثات عن الحماية وسط غياب دور الأب وحماية الرجل.

 

 

ما الهدف من هذه الدراسة ومن هذه الزيارات؟

لم أرد أن أعطي مواعظ في هذا الكتاب، لكني أردت من خلال سرد قصة هؤلاء الفتيات والنساء وتجربتهن داخل تنظيم أنصار الشريعة، أن يتبين القارئ لوحده أسباب لحظة التحول الدرامي في حياتهن. وكذلك من خلال تسليط الضوء بنفس تقنية البورتريه  على أميرات الإرهاب من أصول مغاربية  مثل “فتيحة الحسني” و” مليكة العرود”و “حياة مدين” اللاتي تركن بصمة، بصمة تتطلب البحث والدراسة في عالم التطرف.

هل تعتقدين أنه لا يوجد في يومنا هذا دراسة معمقة، تناول فيها الباحثون الأسباب الحقيقة وراء التحاق النساء بالجماعات الإرهابية؟

على المستوى الدولي، توجد الكثير من الدراسات في هذا المجال، لكن على المستوى المحلي لا توجد دراسات معمقة عدا بعض المحاولات، فحتى وسائل الإعلام كانت تتناول ظاهرة الإرهاب كمادة إخبارية حينية تنتصب حولها حوارات وبرامج لكنها تختفي بمرور الوقت لتعود بعودة عملية ارهابية اخرى، وأنا كصحفية كان دائما يستفزني التنظير عن بعد بأفكار متداولة دون الاعتماد على عمل ميداني أو الاستئناس بآراء باحثين من الغرب.

وهي آراء بعيدة كل البعد عن فهم الظاهرة وأنها لم تضف شيئا في فهم الظاهرة. ولا يمكن الاستناد إلى هذه الدراسات الغربية لأنها كانت مفصولة عن الظاهرة من خلال موروث ثقافي معين وبعد حضاري وتاريخي معين.وهناك فرق كبير بين الدراسة التي يقدمها باحث أمريكي وبين الدراسة التي يقدمها باحث تونسي وهنا لا نشكك في المؤهلات العلمية للباحث بقدر ما نتحدث عن قدرة الباحث التونسي في تفهم الدوافع والتفاعل مع الدوافع النفسية والاجتماعية للشخص المتورط في الظاهرة، وبالتالي تفهم هذه الجوانب يحيلنا إلى الخروج بنتائج أكثر مصداقية.

تقصدين أن العمل الميداني أهم من التنظير عن بعد؟

في كتاب النساء والإرهاب، اخترنا الارتكاز على بعدين، البعد النظري والبحث الأكاديمي مع الأستاذة آمال القرامي والبعد التطبيقي والذي تكفلت به من خلال الزيارات الميدانية. لأن العمل الميداني يفتح لك الآفاق في البحث، ويثري تجربة أي دراسة أو أي بحث لأنه ينطلق من وقائع حقيقية ولا ينطلق من نظريات مجردة أو من مواقف مسبقة أو من آراء وافدة علينا من الغرب نحاول أن نسقطها عن الواقع التونسي. وبطبيعة الحال العمل الميداني يضفي مصداقية على أي عمل.

ماهي أهم الصعوبات التي واجهتك أثناء إنجاز هذا العمل المهم؟

كان أصعب شيء في العمل الميداني، ليس صعوبة الحديث مع الأشخاص خاصة وأن هذا الملف هو ملف دقيق ومحرج للعائلات التي لا تحبذ الحديث فيه كثيرا. لكن اللقاءات مع أمهات الضحايا أو أمهات الجناة كانت لقاءات مرهقة نفسيا،  وكنت أبذل مجهودا كبيرا عند كتابة البورتريهات لأخذ مسافات عاطفية  مع مشاعر أم تعترف بأن ابنها ارهابي وقتل الأبرياء وسفك دماء، لكن مشاعر الأمومة غير محايدة ولا تستطيع أي أم أن تجرم ابنها الذي وقع قتله،بالإضافة إلى معاناة وسم المجتمع والنبذ الاجتماعي. حقيقة كانت جد مؤلمة اللقاءات مع العائلات.

في كتاب النساء والإرهاب تطرقتم إلى ثلاث أصناف من النساء ماهي؟

هناك ثلاث فئات في تنظيم أنصار الشريعة، هناك نساء كن مبادرات وتبنين هذا الفكر ودافعن على أفكارهن إلى آخر لحظة مثل”أسماء البخاري” زعيمة مجموعة «شباو» الإرهابية التي نسيت مشاعر الأمومة وضحت بها عندما رفعت ابنها  الرضيع في مواجهة رصاص الأمن، ورفضت الاستسلام وتبادلت إطلاق النار مع قوات الأمن، ولم تكتفِ بذلك، بل كفرت زوجها وقائد المجموعة وتمردت عليه، وأصرت على القتال إلى آخر رصاصة.

وهناك نوع ثان وهو النساء اللواتي ارغمن على الخضوع لأزواجهن واستذكر “محرزية بن سعد”، التي كانت تدرس الانجليزية وكانت لها أحلام وهي بعيدة كل البعد عن الإرهاب والدم ، لكنها اكتشفت بعد زواجها أن زوجها قيادي في تنظيم أنصار الشريعة.ونحن نعلم النهاية المأساوية لهاته الشابة التي استعملها زوجها كدرع واقي من رصاص قوات الأمن. وهناك فئة أخرى متعاطفات  التنظيم وننتظر في أي وقت أن يتحول هذا التعاطف  من مواقع التواصل الاجتماعي إلى فعل الإرهابي.  

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

اترك رد