مدونات

اللا بواكي لهم

بقلم: تسنيم النخيلي

 

أطلقوا النيران ثم فجروا المسجد، بل فجروا المسجد ثم أطلقوا النيران، أي الفعلين سبق الآخر، لا يهم طالما أن المحصلة واحدة و أن 300 روح قضت على حين غرة.

هرعت إلى هاتفي اتصل بخالتي المقيمة في العريش، في محيط المنطقة محل الحادثة تحديدًا، اسأل والدتي إن كانت

تسنيم النخيلي

استطاعت الوصول لها و الاطمئنان على أولادها وزوجها دون جدوى.

ما إن رأيت الجثامين و الدماء، حتى استدعيت كل الحكايات التي كانت ترويها، عن بيتها الكبير المقام على مئات الأمتار

بالعريش، حياتها الجميلة مع ابناءها الثلاثة و عن البراح الذي ملأ روحها ببراح ما حولها،عن عيشتها الرغدة المطمئنة، و شجر الزيتون الأخضر.

كانت تحكي لنا كيف أنها تعيش باكتفاء ذاتي من زرع يديها، الجهة القبلية من البيت ملأتها بالخضروات، و الجهة البحرية لشجر الفواكه المتدلى من شباك غرفتها يطل عليها كل نهار، حتى الأعشاب التي تشربها ما اذا شعرت بألم في معدتها، والأعشاب التي تشمها ما اذا أصيبت بوجع في الرأس كان لهما حصة من أرضها ونبتها.

تذكرت حين زارتنا في الإسكندرية أول مرة منذ سنوات بعيدة، و هرعنا بأولادها إلى المشفى بعد وجبة أمتلأت بها بطونهم التي لم تعتد الأكل المشبع بالكيماويات والمواد الحافظة، حينها عرفت كيف أنها تعيش في قطعة من الجمال، لا يشوبها ولا يعكرها ما عكر صفو مدينتنا.

 

استدعيت أيضًا مصير ذاك البيت الجميل الذي هجرت منه لافتراش أرض أوسع دون حوائط أربعة، عن رحلة التهجير القسري التي كنت اكتب عنها بواقع عملي الصحفي و انا أعلم أن لي رحما مقطوعا هناك، بفعل فاعل عزلهم عن الاتصال و عن العالم، لينفذ جريمته الكاملة خارج التغطية.

تذكرت أنها دفعت ثمنًا مثل كل السيناويين من ذكرياتها وواقعها ومستقبلها، لا لحماية أرض الوطن من بطش العدو مثلًا، بل قسرًا لإنشاء منطقة عازلة تضيق الخناق على أرض غزة و تحصر أهلها وتحمي أمن إسرائيل.

تخيل أنك تحمي أمن اسرائيل بأرض بيتك المهدوم، وبجرف شجر الزيتون الذي عاش معك الحكاية كلها.

رن في أذني صوت “كريم” ابن خالتي الذي لم اسمعه من سنوات طويلة، وهو يتحدث بلهجة لم أكن أفهمها حينها، واسألوالدتي إن كان ابناء خالتي مصريين! 

تخيل أنك تحمي أمن اسرائيل بأرض بيتك المهدوم، وبجرف شجر الزيتون الذي عاش معك الحكاية كلها.

من لهجتهم الأقرب إلى لهجة جيرانهم الغزاوية، عرفت أن بيننا و بين فلسطين بابا باطنه فيه الحصار وظاهره من قبله العذاب..

 

صحيح أن الحادث كان الأشرس منذ أمد بعيد، لكن الواقع أن الروح كألف روح، والضحية كألف ضحية، والدم لا يعرف الكم ولا الكيف ،ثمة جريمة ترتكب في الأرض البعيدة أصلًا، لم تكن بحاجة لتفجير ولا هجوم لتطفو على السطح أو لتسجل غيابًا لبديهيات الوجود الأول، للآدمية.

الجريمة التي حدثت في مجاهل حرب كان ينبغي ألا تقوم، لم تكن جريمة قتل الأرواح الثلاثمائة، لكن في جعلهم في مرمى النيران وتهجيرهم وتهميشهم و نفيهم خارج محيط الزمان والمكان.

ربما القتل كان الفعل الاستثنائي، أو ربما كان الخلاص، الحكاية ممتدة سنين عجاف، و أصابع الاتهام إن كانت تشير إلى جماعات مسلحة، لكن الجماعات تلك بريئة من حرمان الشمال من أي شيئ ومن كل شيئ، بريئة من تهجيرهم واستهدافهم بالقتل والتعذيب..

من قصف بيوت المدنيين لإجبارهم على الرحيل، من تشريد 3 آلاف أسرة ودفعها لافتراش الأرض باسم الحرب على الإرهاب.

التنظيم لم يسيج المعبر ولم يغلق الحدود ولم يغرق الأنفاق، لم يقطع أرزاق العاملين في التجارة المشروعة هناك، لم يعتقل كل صحفي كتب و لو بضع كلمات عن المأساة السيناوية..

ليس دفاعًا عن جرمهم الأكبر، لكن الإجرام سجل حضورًا في كل موطئ، فالخطاب الأمني غدا أشبه بنكتة سمجة، وللأسباب إرادة سياسية يُدفع ثمنها حتى من قَبل الجنرال القائل في محض خطابه عن الحادث: سنرد بقوة غاشمة..

وهل من جديد يمكن اضافته إلى هذا الغُشم الحاصل اصلًا و الذي نعيشه واقعًا و نراه في وجهك القبيح كل يوم؟

 

تسنيم النخيلي

صحفية مصرية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.