مجتمع

الجيل الجديد من الصحافيات المغربيات

تأنيث المهنة وتحديات الشّغل

مجلة ميم/ المغرب – سعيد غيدَّى 

 

عرفت الصحافة المغربية بكل أجناسها تغييرا، بسبب ما فرضه حراك الشارع المغربي إبان حركة 20 فبراير، الذي انطلق سنة 2011، تزامنا مع المتغيرات في المنطقة العربية، وتجلى هذا التغيير الحاصل في الصحافة، في مستويات كثيرة، أبرزها زيادة منسوب حرية التعبير، وطبيعة المواضيع ذات الحساسية السياسية، بالإضافة إلى اصطفاف عدد لا بأس به من المنابر، إلى ما اطلق عليه “بالصحافة المواطنة”.

وكان لانضمام عدد كبير من أفواج خريجات معاهد الصحافة بالمغرب أثر واضح في هذا التغيير.

في هذا الملف، سنقربكم أكثر إلى قصص هؤلاء الصحافيات، اللائي ينتمين إلى جيل صحافة ما بعد حركة 20 فبراير، وكيف تحدين مهنة المتاعب التي كانت حتى وقت قريب، حكراً على أصحاب ربطات العنق، ثم ما معنى أن تكون صحافيةً أنثى، داخل منظومة مجتمعية مركبة ومعقدة، وما تفرضه سوق الشغل في الميدان من عراقيل وتعقيدات.

عفراء علوي محمدي، صحافية بيومية الأحداث المغربية 

كنت أحلم بخوض ضمار مهنة الصحافة والإعلام منذ صغري؛ لعدة أسباب أهمها: أن هذا المجال يخول للمرء الاطلاع على معارف وحقائق كثيرة بشكل يومي، ناهيك عن هامش مهم يكمن في تطوير الكفاءات التحريرية باستمرار، بالإضافة إلى أن مهنة المتاعب هذه، تدفع ممتهنها للمغامرة والمخاطرة في سبيل البحث عن الحقيقة، وتنوير الرأي العام، وتثقيفه، لتغيير المجتمع نحو الأفضل.. وهذه غاية نبيلة في نظري.

 

عفراء علوي محمدي

 

إلا أننا معشر الصحافيات، نواجه مجموعة من التحديات التي باتت تقض مضجعنا وتجعلنا مرغمات على التخلي عن مهنة العمر، في أقرب فرصة متاحة وممكنة، أهمها: أننا قد نتعرض للتحرش أثناء بحثنا عن المعلومة وسط الميدان.. أو قد نتعرض لمثل هاته الأمور في مقر العمل، من قبل بعض الرؤساء والمسؤولين، بالإضافة إلى أن أجرتنا لا تكون مرتفعة، بالمقارنة مع أجرة الصحافيين الذكور، وهذا يطرح مشكلا كبيرا للواتي يعلن أسرهنّ، ومن المشاكل أيضا، أن بعض الصحافيات، يضطرين إلى الحصول على الأخبار الحصرية المتعلقة بما يفيد الشأن العام بتضحيات جسام، اللبيب بالإشارة سيفهم قصدي.

 

خديجة عماري، كاتبة صحافية في جريدة الأخبار 

أعتقد بأن مهنة الصحافة، كما يعتقد الجميع، كقوة توجه الرأي العام وتغير قرارات مراكز القرار، لابد أن تحفل بحرية واسعة –تماما كما يضمن لها الدستور- دون أن تفرض عليها أجندات أو خطا تحريريا معينا تتبناه الجريدة- تملي عليها ما يحد من حريتها، فالكثير من الأخبار التي يجدر على إعلامنا نقلها لا تعرف إلا عبر قنوات أجنبية بالطريقة التي يريدون، عوض أن نستمع إليها من قنواتنا الوطنية/المحلية ويتفاعل معها أبناء الوطن ومتخصصو المجال.. فيكون الرأي العام عرضة للشحن، وبالتالي ما يخشى عليه من مساس بالأمن القومي هو تماما ما يحدث عندما يثور الشارع.

 

خديجة عماري

 

لم تعد الصحافة الورقية أو السمعية البصرية أو الالكترونية وحدها جالبة للأخبار، بل مع التطور التكنولوجي الذي شهدناه واتسعت موجة استعماله، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي بوابة لعرض فيديوهات تخص كل جديد في لحظته، و باتت سلطة سابعة تأتي بعدها السلطة الرابعة للبحث عن الحقيقة كاملة، فتقدمها للرأي العام بهدف التبليغ والتوضيح.

من الأشياء التي يجدر بنا الاهتمام بها أكثر، أن يكون للصحفي مساحة أكبر ليبدع في مهنته، فلا زالت طرق اشتغال الصحفي سواء على المستوى التلفزي أو السمعي البصري أو الورقي..

لا تخضع للتجديد، أغلب البرامج طريقة تقديمها ومعالجتها شديدة التقليدية لا تتطلع للذوق الذي يطمح له الجيل الجديد، أي نعم الأمر يحتاج لميزانية أكبر، ولابد على وزارة الثقافة والاتصال وحتى التعليم إعادة النظر في الأمر. الصحفي هو المحرك الأساس لعالم المعلومة، لابد أن يتمتع بحقوق تضمن سلامته خلال ممارسته لعمله النبيل، يكفي أنه ينزل لمواقع الحدث ليأتي بالخبر اليقين.

كما أنه لا يتمتع بحقوق تضمن له البقاء في عمله، براتب جيد وعطل كافية تعطيه الحق في حياة خاصة به، أكثر استقرارا، ربما بعض هذه الحقوق تضمن مع مؤسسات صحفية ناجحة، أما غيرها فنصيبه من الشقاء أكثر من نصيبه من الفرح.

بالنهاية أغلب الذين يمارسون مهنة الصحافة اختاروها عن حب وقناعة ليعقد قران تام بينهما، لكن هل هو حب متبادل أو من طرف واحد ذلك لا تؤكده إلا تجارب الصحفيين المختلفة !

 

شيماء بخساس صحافية مغربية 

بداية، اخترت مهنة الصحافة عن اقتناع وحب، في بلد مازال الصحفي يواجه فيه الكثير من التحديات  وأعتقد أنه من بين

شيماء بخساس

التحديات التي يواجهها الصحفيون من كلا الجنسين بالمغرب، عدم وصولهم إلى المعلومة.

أيضا مازلنا نتعرض إلى اعتداءات متكررة أثناء تأدية عملنا كصحفيين، سواء أثناء تغطيتنا لمسيرات أو وقفات احتجاجية. إضافة إلى ذلك، مازال الصحفيون من كلا الجنسين بالمغرب، يتعرضون إلى اعتداءات بدنية أو معنوية من طرف رجال السلطة.

أيضا، مهنة الصحافة بالمغرب غير مستقرة، الصحفيون من الجنسين عرضة إلى التشرد ونهب حقوقهم المادية. هذه فقط بعض التحديات التي يتشارك فيها جميع الصحفيين بالمغرب، سواء رجال أو نساء.

إلا أنه من بين التحديات التي تواجهها المرأة الصحفية المغربية، أنها أحيانا لا تستطيع الوصول إلى مراكز القرار في المؤسسة الإعلامية، وإن حصل ذلك فإنه يكون مجرد تجميل للصورة الخارجية للمؤسسة الإعلامية، دون اقتناع من العاملين في المؤسسة بكفاءتها.

أيضا من بين التحديات التي تواجهها المرأة الصحفية هو أنها عرضة للتحرش الجنسي من طرف الزملاء، وأحيانا من طرف أعلى سلطة منها داخل المؤسسة الإعلامية، دون أن ننسى خارج المؤسسة أثناء تأدية عملها.

 

خولة اجعيفري صحافية بيومية أخبار اليوم 

هذا الميدان كان حلما في بادئ الأمر، وسعيت نحو تحقيقه في الحقيقة، كانت الصحافة حلم أساتذتي في الإعدادي، ممن شجعوني دائما على الكتابة، ممن وثقوا في قلمي وانتبهوا لأسلوبي فحسنوه، ثم أبي عندما سمع من أحد الأساتذة أن قلمي جميل ويتوقع لي أن أكون كاتبة أو صحفية، فتح التلفاز ليعرفني على صديقه مقدم نشرة الأخبار على الأولى آنذاك، وقال لي بالحرف أتمنى أن تكوني صحفية يوما ما، فاعتبرت الأمر بمثابة وصية بعد وفاته.

ولهذا أنا ممتنة لأساتذتي وأبي في إشعال الشرارة الأولى من شغفي لهذا الميدان الحركي، فلا روتين في حياتك بل كثير من الضغط والبحث المضني، أنت اليوم تكتب مقالا وخبرا، وغدا تحقيق أو ريبورتاج، وبعدها تحضر لحوار، تحادث مسؤولا وبعد برهة تستمع لمواطن بسيط، الصحفي يكون صوتا للمجتمع وصوتا لا يضر المجتمع، ثم إنها مهنة لا تجردك من إنسانيتك بالرغم من محاكاتك للواقع المر، أحيانا كثيرة ما أستطيع قوله هو أن هذه المهنة لها قدسية خاصة.

 

خولة اجعيفري

 

أول تحدّ هو هذا التأنيث في جملتك، فهذه المهنة وإلى حد قريب، كانت حكرا على الرجال بالرغم من كون عدد من النساء الصحفيات بصمن اسمهن بحروف من ذهب في هذا الميدان، وكانت لهن أعمال وإبداعات صحفية شاهدة على زخم فكرهن وتمكنهن.

غير أنه ولحدود السنوات الأخيرة لاتزال تلك الفكرة القاصرة، التي تختزل المرأة الصحفية في المجال الفني والجمال وأسرار الأظافر والوصفات الطبيعية، لا تقتنع سوى قلة بكون المرأة تستطيع التحليل السياسي والنقد و العمل الميداني بدون كعب عال.

إن النساء يستطعن مجابهة كل شيء والانتقال إلى الفيافي والجبال، والإتيان بمواضيع مهمة تخدم الأجناس الكبرى، وكأن بعضهم لم يقتنع أن النساء على قدر كاف من التحدي والإرادة، يعني يتم تغييب كفاءاتهن.

ولكن عموما واقع المرأة الإعلامية لا يختلف بشكل كبير عن واقع المرأة العاملة في القطاعات الأخرى، فحالنا يتشابه وأقدارنا تتشارك من الصور النمطية، وإسقاط التمثلات الثقافية المجتمعية السائدة.

من جهة أخرى، لم تستطع المرأة في المغرب وفِي قطاع الإعلام أن تكون صاحبة مركز قرار، كم من مديرة نشر في المغرب؟ كم صحفية؟ كم رئيسة تحرير؟ كم مديرة إذاعة أو قناة؟ الأرقام مخجلة حقا.

 

ماجدة أيت لكتاوي صحافية مغربية 

نعيش في بلد لا يختار أبناؤه المهنة التي سيقومون بها مستقبلاً رغم طموحاتهم الكبيرة.  وأعتقد أن مهنة المتاعب هي من اختارتني لأنضم إلى صفوفها، ذلك أني، ومنذ حداثة سني، كنت مسكونة بتصفح الكتب والمؤلفات التي تفوق مستواي المعرفي وسني، كما كنت مرتبطة بالكتابة ارتباطا وثيقا وخططت أولى أبياتي الشعرية في سن العاشرة.

ماجدة أيت لكتاوي

استمرت رحلة الكتابة الأدبية والتعبير عبر القصص القصيرة والشعر والعمود إلى ما بعد الدراسة الجامعية، لتبدأ أولى تجاربي المهنية آنذاك، وأعرف على يد صحفيين مهنيين معارفي الأولى بالمهنة التي وجدت نفسي متماهية معها وعاشقة لكل تفاصيلها.

ولعل العمل الميداني هو أفضل المدارس التي تصقل موهبة الصحفي وتهذِّب قلمه، وهذا ما حدث طيلة مسيرتي المهنية المتواضعة، إذ أن مسيرة النّهل من هذه المهنة لا يزال مستمرا ولا يتوقف الصحفي عن التعلم والارتقاء بمستواه ما دام يرقن ويكتب ويبد.

الصحافيات المغربيات متألقات في ميدانهن ويبصمن على نجاح كبير، ولعل أسماء عديدة من أجيال مختلفة يتم عدّٰهن أيقونات مضيئة في سماء الصحافة والإعلام، كما أن جيلا جديدا من الصحافيات الشابات ذوات الطموحات الواعدة يرغبن في تسجيل أسمائهن وترسيخ مهنيتهن وموهبتهن.

طموح وإبداع واجتهاد يصطدم بواقع الصحافة بالمغرب ككل، وبالتحديات التي تعيشها المرأة “الموظفة” إجمالا داخل مجتمع ذكوري يُحمِّلها “وِزر” الخروج من بيتها ورغبتها في العمل والاشتغال خارجه، وعليه تجد المرأة نفسها مشطورة بين أعباء أسرية ثقيلة ومهنية متعبة.

ولعل الأمر يصبح أكثر وطأة في مجال الصحافة الذي يتطلب مواكبة ميدانية وتغطيات في عين المكان وتنقلا صوب مدن ودول أخرى لتغطية الأحداث والتظاهرات، أما في حال كانت الصحافية زوجة وأما، فيغدو الأمر جنونيا وتجد الصحافية الأم والزوجة نفسها داخل دوامة العمل بدوام كامل أو يزيد، إضافة إلى متطلبات البيت والأسرة ورعاية الأطفال.

تعاني الصحافية المغربية كذلك من مشكل فرق الأجور مقارنة بزملائها الصحافيين، كما أن هناك إشكالية تحيط كفاءة المرأة عامة والصحافية خاصة ،ففي وقت لا أحد يشكك في نجاح وتفوق واجتهاد الصحافي الكفؤ، تبقى كفاءة الصحفيات مشكوكا في أمرها..

بعد هذا تنتصب في وجه الصحافيات ما يعانيه كل الصحافيين بالمغرب من غياب قانون ينظم الحق في المعلومة، رغم تنصيص الدستور على ذلك، وغياب آليات عملية لحماية الصحافيين وما يحدث أحيانا من متابعات خارج قانون الصحافة والنشر.

مريم مرغيش، صحافية مغربية حرة  

أنا أعجبت بالتقديم والتلفزة والأضواء منذ صغري، كان والدي يشاهد “قناة الجزيرة”، التي كانت في أوجها حينذاك، وأجلس أنا أمام الشاشة واضعة غطاء فوق رأسي لأقلد خديجة بن قنة.

 

مريم مرغيش

 

بعد أن درست مرحلة الإعدادية والثانوية، وجدتني متعلقة بذلك التقليد، وصرت أشارك في أي شيء يتعلق بالإعلام، حتى أنني اخترت الشعبة الأدبية غصبا عن أساتذتي والمقربين لي، إذ لم ترق لهم الفكرة وظنوا أنها شعبة “الكسالى” إلا أنني اخترتها لأدخل المعهد العالي للإعلام والاتصال وأصبح صحافية، وهو ما حصل بالضبط.

التحديات كثيرة، لكن كامرأة غالبا ما تتعلق تحدياتي بالشكل، يعني “الحجاب” مثلا، في غالب القنوات مرفوض ارتداؤه سواء تعلق الأمر ببعض المنابر بالمغرب أو خارجها. زد على ذلك الأجر الذي يتقاضاه الصحافيون بغض النظر عن جنسهم والتزام الحياد في تناول المواضيع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.