ثقافة

ناصيف اليازجي، المسيحي الذي عشق القرآن وحفظه

سلسلات ميم: "فرسان التجديد اللغوي"

لم تكن نهضة اللغة العربية والاهتمام بها حكرا على المفكرين المسلمين، فقد كان لفرسان التجديد اللغوي المسيحي دور بارز في تهذيب اللغة العربية الفصحى ونشرها والمحافظة عليها، في القرن التاسع عشر، الذي شهد انحطاطا كبيرا للغة الضاد وتدهورها وتراجع استعمالها، أمام الإقبال على اللغات الأجنبية، خاصة الإنجليزية والفرنسية، في ظل صعود أوروبا وهيمنتها على العالم العربي.

ومن بين هؤلاء الرواد، برز، الشيخ ناصيف اليازجي، الملقب بأب النهضة الأدبية، في كفر شيما اللبنانية.

سليل عائلة أديبة ومفكرة

في ال25 من شهر آذار سنة 1800م، ولد ناصيف اليازجي، في قرية كفر شيما، الواقعة في الساحل اللبناني.  وقد عرف عن والده، الشيخ عبد الله اليازجي، أنه كان كاتبا للأمير حيدر الشهابي، وهو أحد الولاة العثمانيين في لبنان. كما كان يعالج الناس على طريقة ابن سينا، فضلا على عشقه للأدب.

وروت جل المراجع والمصادر التاريخية، أن لقب اليازجي، أي الكاتب، هو كنية، لعائلة، ناصيف،  التي اشتهرت بنبوغها في الأدب والفكر العربي وفصاحة لسانها في لغة الضاد.

وقد لقبت ب”اليازجي” منذ القرن السابع عشر، بعد تولي رجالها، وظيفة الكتابة والتدوين، لدى الأمراء والولاة في الشام، من بينهم الارسلانيين والشهابيين.

وقد كانت أسرة ناصيف، مسيحية، كلدانية_ملكانية المذهب، مما ساهم في تشبع الفتى ناصيف، من  الثقافة اللاهوتية،  التي تلقاها عن راهب ماروني من بيت شباب يقال له القس متى.

 

تنوع الاهتمامات الأدبية، منذ الطفولة

برع الفتى ناصيف، في عدة مجالات فكرية وأدبية، وقد شغف بالمطالعة وقراءة الكتب والاطلاع عليها منذ نعومة أظافره. وبرزت اهتماماته بمجالات مختلفة، منها علوم الصرف والنحو واللغة والشعر والبيان والمنطق، إضافة لاطلاعه على الطب والفلسفة والموسيقى والشعر.

ويقال إنه نظم الشعر وهو في سن العاشرة، وقد حفظ شعر المتنبي ونظم الأزجال، منذ صباه وقد اعتمد في ذلك على كتب كان يستعيرها من المكتبات الخاصة، منها ما يقرأها مرة فيحفظها عن ظهر قلب ومنها مايقوم بنسخها بخط يديه.

 

خطاط بارع

عرف عن ناصيف اليازجي أنه كان خطاطا بارعا، حيث مهر في فن الخط العربي، مما أهله ليكتب في دير القرقفة. وقد ذاع صيته إلى أن أصبح أحد كتاب حاكم لبنان، الأمير بشير الشهابي، وقد لبث في خدمته قرابة 12 عام. إلى أن نفي الحاكم سنة 1840، مما دعا الكاتب ناصيف اليازجي، الى الانتقال الى بيروت، رفقة عائلته، أين تفرغ للمطالعة والتأليف والتدريس ونظم الشعر.

علينا أن نتقن لغتنا، وإتقان هذه اللغة يقضي بأن يُقْبِل كل واحد منا على القرآن الكريم فيفهمَه فهماً صحيحاً.  أما المسلم فله على ذلك أجره عند ربه، وأما الباقون فلهم على ذلك أجرهم عند نفوسهم وعند أبنائهم، الذين يُربُّونهم عندئذ تربية عربية خالصة

نقولا زيادة

القرآن، علّمه اللغة العربية الفصحى

ذكر المطلعون على سيرة أديب النهضة العربية، ناصيف اليازجي، أنه قد اكتسب فصاحته في اللغة العربية، من خلال حفظه للقرآن الكريم وللفقه الإسلامي وأنه من فرط حبه وعشقه للغة الضاد قد حفظ القرآن الكريم آية آية. وحفظه لكتاب الله، زاده سلاسة في استعمال اللغة العربية.

وحديثاً، قال المؤرخ المعاصر المعروف الدكتور نقولا زيادة في مجلة العربي الكويتية أيلول 2004 :

“علينا أن نتقن لغتنا، وإتقان هذه اللغة يقضي بأن يُقْبِل كل واحد منا على القرآن الكريم فيفهمَه فهماً صحيحاً.  أما المسلم فله على ذلك أجره عند ربه، وأما الباقون فلهم على ذلك أجرهم عند نفوسهم وعند أبنائهم، الذين يُربُّونهم عندئذ تربية عربية خالصة.”

حفظه للقرآن، نلمسه في أشعاره، التي استعمل فيها مفردات مقتبسة من القرآن الكريم، من ذلك مثلا المقامة الرملية، التي كان مطلعها كالآتي:

“الحمد لله الصمد      حال السرور والكمد…”

من طرائف اليازجي في استعمال اللغة العربية الفصحى

كان لشدة حرصه على أصول اللغة العربية، لا يتحدث إلى أبنائه إلا بالفصحى. ذات يوم طلب من ابنته الصغيرة وردة (التي أصبحت فيما بعد أديبة معروفة) أن تناوله قنينة ماء ليشرب. وناولته إياها وهي تقول: تفضل يا أبي هذه هي القنينة (بفتح) القاف، فقال لها بغضب: اكسريها (وهو يقصد كسر القاف) فما كان منها إلا إن ألقت بالقنينة على الأرض وحطمتها.

صفق اليازجي بيديه حسرة وأسفا وقال: هذا ما جنته اللغة علي. رحمك الله يا أبا العلاء المعري!

ناصيف اليازجي وميلاد الأدب العربي الحديث

عد الشيخ ناصيف اليازجي، أحد رواد الأدب العربي الحديث، إلى جانب بطرس البستاني، فضلا على اعتباره أحد أركان النهضة الفكرية والثقافية العربية، إذ عمل على تقريب لغة الضاد إلى الشعوب العربية، التي انجرفت في فترة ما إلى اللغات الأجنبية، التي شوهت اللغة الدارجة وأضعقتها وباعدت بينها وبين اللغة العربية، وعمل على إحياء تراث اللغة العربية ونشره.

وقد كانت له عدة اسهامات ومؤلفات خالدة وبارزة،  في علم النحو والصرف واللغة

  • نار القرى في شرح جوف الفرا في الصرف والنحو.
  • فصل الخطاب في أصول لغة الأعراب وهي رسالة في التوجيهات النحوية.
  • عقد الجمان في علم البيان .
  • مجمع البحرين وهو يشتمل على ستين مقامة على غرار مقامات الحريري وبديع الزمان الهمداني.
  • ديوان ناصيف اليازجي.
  • طوق الحمامة.
  • قطب الصناعة في أصول المنطق والتذكرة في أصول المنطق.
  • الحجر الكريم في الطب القديم.
  • فاكهة الندماء في مراسلات الأدباء.
  • رسالة تاريخية في أحوال لبنان في عهده الإقطاعي.
  • العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب. هذبه وأكمله ابنه إبراهيم اليازجي.

 

الى جانب هذه الاهتمامات اللغوية والتاريخية، قام فارس التجديد اللغوي، السوري الأصل واللبناني المنشأ بترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة العربية سنة 1865م.

وفاته

في 8 من شهر فبراير سنة 1871م، توفي الشيخ ناصيف اليازجي، بعد أن كرس حياته لإحياء لغة الضاد والسمو بها ونشرها في الشرق والغرب، من خلال مؤلفاته الشعرية والأدبية واللغوية، التي تشمل الصرف والنحو. ولكن رغم حفظه لأصول الفقه، لم يتجرأ الشيخ ناصيف اليازجي، على التأليف في هذا الباب احتراما وتهيبا. 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.