مدونات

عندما تجزّأت قضايانا

كانت القضية الفلسطينية، والتطورات المتلاحقة في ساحاتها تفرض تفاعلاً عابراً للحدود من العرب والمسلمين. ورغم أنه كان شعورياً بالدرجة الأولى، إلا أن استشعار نعمة التأييد والتضامن كان كفيلاً بإبقاء قضية فلسطين تحت دائرة الضوء

 

كان ذلك العقد الناظم أحلامَ الأمة كلّها لا يزال متألّقا ونضرا، وكان المسلم للمسلم، والعربي للعربي، حتى عندما كان غول الاستبداد يحبس الأفعال، ويفرض الحواجز بين الأوطان، لكن ذلك الشعور الجمعي بالتضامن، والإحساس بمأساة الشقيق ظل شامة في جبين الشعوب المؤمنة بوحدة همومها وقضاياها.

في قلب ذلك كلّه كانت القضية الفلسطينية، وكانت التطورات المتلاحقة في ساحاتها تفرض تفاعلاً عابراً للحدود من العرب والمسلمين.

ورغم أنه كان شعورياً بالدرجة الأولى، إلا أن استشعار نعمة التأييد والتضامن كان كفيلاً بإبقاء قضية فلسطين تحت دائرة الضوء.

ثم حين حانت لحظة حلول الربيع العربي لم تته بوصلة الثائرين عن تلك الغاية البعيدة التي يتطلعون لها، وهي تحرير فلسطين، فكانت هتافات الانتفاضات الفلسطينية تتردد في شوارع تونس عشية الثورة، وكان ميدان التحرير في مصر يفسح

لمى خاطر

في قلبه مساحة لقضية فلسطين، في راياته وشعاراته، وفي مفاصلته مع النظام الممالئ للكيان الصهيوني.

أما فلسطين بدورها فلعلها لم تحتفِ بشيء مثل احتفائها بانبلاج صبح الثورة في الساحات العربية، وكان مِن أحرارها مَن يحيّدون جرحهم حيناً لينتصروا لنداءات الثائرين في تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن، وليعدوا العدة لليوم التالي لسقوط الطواغيت، لأنهم أدركوا حينها فقط أن العربي الحرّ الحائز كرامته من يملك أن ينتصر لفلسطين بفعله، ولأنهم وعوا أن هناك ترابطاً عضوياً بين قضايا الأمة كلها، حتى وإن قسّم المستعمر أوطانها ورسم لها حدوداً جديدة.

أما اليوم، فنحن نطلّ على ذلك العهد الذي يبدو غابراً ونترحّم على أيام التكافل والتواصي بالصبر وانتصار كل ساحة لجرح أختها، ونبصر كيف استفرد الطغاة بكل ساحة بعد أن اجتمعوا على تخريبها، فتركوها أسيرة جرحها وهمها وقضاياها المحلية..

ثم لم يكفهم ذلك، فنثروا بذور الفتنة والعصبية والعنصرية في أرجاء الأمة كلّها، حتى انكفأ كل شعب على نفسه، وانشغل بهجاء غيره، وبتبخيس حقوقه، مقابل التصوّر بأن القضية الخاصة هي أسمى وأعظم وأهم من كل ما سواها، وهي معيار الحكم على الناس وتصنيفهم كأعداء أو أصدقاء، تبعاً لموقفهم من قضيته الخاصة، مع الاعتقاد بأنه ليس مقبولاً إلا التأييد الكامل والنظر من زاوية احتياجات تلك القضية فقط.

 

حين حانت لحظة حلول الربيع العربي لم تته بوصلة الثائرين عن تلك الغاية البعيدة التي يتطلعون لها، وهي تحرير فلسطين، فكانت هتافات الانتفاضات الفلسطينية تتردد في شوارع تونس عشية الثورة، وكان ميدان التحرير في مصر يفسح في قلبه مساحة لقضية فلسطين، في راياته وشعاراته، وفي مفاصلته مع النظام الممالئ للكيان الصهيوني

 

ويمكن هنا الاستدلال بأمثلة كثيرة حول هذا الواقع الجديد، حيث اتسعت دائرة الخلاف بين الشعوب، وتعمق الشقاق بين رموز قضاياها ومنظريها.

فقد تجد سوريّا يهجو الفلسطينيين لاضطرار بعضهم التواصل مع إيران أو التقاطع معها في بعض المصالح، أو فلسطينياً يتهم السوريين بالانتهازية والارتهان لداعمي ثورته، أو مصرياً استجاب لتأثير وسائل إعلام سلطة الانقلاب فتعمقت لديه النزعة الشوفينية، ودفعته إلى دائرة العنصرية في نظرته للشعوب الأخرى، أو خليجياً يساير هوى حكام بلاده، خصوصاً الإمارات والسعودية، فيضخّم في داخله عداءه لشقيقه القطَري، وينشغل بهجاء الفلسطيني الذي صار يراه عدواً بينما يتهيّأ لتقبّل المحتل الصهيوني، أو تونسياً يعتقد أن قضيته الوطنية هي أصل وفصل القضايا، وألا علاقة له بما يجري داخل الأمة حتى لو جرى على بلده ما جرى على أقطار أخرى من تخريب ممنهج للثورة.

ولم يقف التجزيء عند هذا الحد، ففي كل قطر معركة داخلية قائمة بين أطراف عدة فيه، حول قضايا عديدة مفيدة أو غير مفيدة، وهو ما خلّف انسحاباً إلى دائرة المحلية الضيقة، وهمومها الجزئية، على حساب الإحساس بالقضايا الكبرى على مستوى الأمة، بل بأولوية الأمة الحقيقية المتمثلة في استئناف معركتها مع الطغاة، ومواجهتهم صفاً واحداً، وبإحساس جمعي واحد، يعلي من قيمة التحرر واسترداد الكرامة، ويدرك جدوى التضحيات في المعارك المصيرية الكبرى.

هذا الطغيان للأنا، لهمومها وجراحها وحاجاتها الجزئية، وهذا الذوبان للأولويات، والتيه في الرؤية لم يكن صنيعة منهج الطغاة الساعي لإفساد الوعي وحسب، بل لتوفر تربة أتاحت ظروفها مثل هذا التنافر الداخلي، وذلك الدوران حول المصلحة الخاصة والإعلاء من شأن المظلومية الشخصية وإنكار غيرها.

ومردّ هذا غياب المشروع الجامع الآخذ بناصية الأفهام نحو أولوياتها، وتقصير النخبة من مفكرين وسياسيين وكتاب في غرس مفاهيم الانتماء للأمة في وعي العامة، وانحصارهم في حدود قضاياهم الخاصة، واعتقادهم بأن منتهى غاياتهم الظفر بدولة قُطرية في شكلها الحديث، وحضور الاستقرار فيها حتى وإن كان وهمياً وزائفا، وممهداً لاستبداد جديد أو صانعاً لطغاة أشد فتكاً وجرأة على الحرمات، حرمات الفرد في أقطارهم الخاصة، وحرمات وثوابت الأمة بشكل عام.

لمى خاطر

كاتبة من فلسطين

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.