الرئيسيثقافة

نساء مصر في عهد محمد علي بعيون إنجليزية

قراءة في كتاب المستشرقة الإنجليزية صوفيا لين بول "المرأة الإنجليزية في مصر، عن المرأة المصرية في عهد محمد علي"

 

جاءت صوفيا لين بول (1804- 1891م) إلى مصر بصحبة أخيها المستشرق الإنجليزي المعروف إدوارد وليم لين (1801-1876م) صاحب كتاب “المصريون المحدثون: شمائلهم وعاداتهم”، عبر رحلية بحرية انتهت بالوصول إلى ميناء الإسكندرية في يوليو 1842م. وكان أخوها، وهذه كانت زيارته الثالثة لمصر، هو الذي اقترح عليها الكتابة عن نساء هذا البلد خاصة داخل نظام الحريم الذي يتعذر على رجل مثله اقتحامه.

وقد صدرت طبعة عربية من كتاب صوفيا، وهو حصيلة مشاهداتها خلال هذه الزيارة، دونتها على هيئة رسائل أو خطابات شخصية لصديقة، عن دار “عين” بالقاهرة عام 2009م، بترجمة عزة كرارة، تحت عنوان “المرأة المصرية  في عهد محمد علي: رسائل صوفيا لين بول من القاهرة”.

ولم تكن صوفيا المرأة الغربيّة الوحيدة التي زارت مصر خلال القرن التاسع عشر لتكتب عنها وعن نسائها، فهناك، كما تشير المترجمة في مقدمتها، أسماء أخرى مثل هاريت مارتنو (1802-1876م) وفلورنس نايتنجيل (1820-1910م) وإيميليا إدواردز (1831-1892م).

ويضم كتاب صوفيا الذي يتجاوز 260 صفحة، 35 رسالة أولاها مؤرخة في يوليو 1842م والأخيرة مؤرخة في مارس 1846م. لم تغط هذه الرسائل جوانب من حياة النساء فقط بل تناولت مشاهدات متنوعة: وصف معالم الإسكندرية، رمضان شهر الصيام، شوارع القاهرة ودروبها، مساجد القاهرة، المارستان، القلعة، الطاعون في مصر، الرحلة إلى أهرام الجيزة، الحمام العمومي، مراسم الحداد عند الأقباط وغيرها.

ورغم تركيز صوفيا على حياة الحريم، أي نساء الطبقات الحاكمة والعليا، فإنها تطرقت أيضا إلى حياة النساء والناس عموما في الطبقات الدنيا.

 

 

ففي الإسكندرية تصف التفاوت الطبقي المتبدّي في الفارق الشاسع بين ملابس الأغنياء المبهرجة والأردية المهلهلة للفقراء الحفاة. وفي رحلتها النيلية من الإسكندرية للقاهرة تصف ما رأته عند مرورها بمدينة “فوة” على الشاطئ من نساء وبنات يملأن جرارهن أو يغسلن الثياب ثم تضع كل واحدة منهن الجرة أو كومة الغسيل فوق رأسها.

وعند الوصول إلى “بولاق” ميناء القاهرة الرئيسي اضطرت إلى تبديل ملابسها وارتداء ملابس شرقية حيث يُسدَل على الوجه خمار لا يُظهِر سوى العينين، بالإضافة إلى رداء من الحرير الأسود يغطي الجسم، وكان عليها امتطاء حمار فهو وسيلة التنقل للنساء في شوارع القاهرة انذاك.

وفي القاهرة تصف مواكب الأعراس والجنائز المارة أمام نافذة منزلها المستأجر، وكذلك موكب المحمل وهو موكب رمزي يرافق قافلة الحجاج الراحلين إلى مكة كل عام.

كما زارت الجامع الأزهر وأروقته التي تضم طلابا من افريقيا واسيا وأوروبا. وأشارت إلى سوق العبيد الذي يقام في منطقة قايتباي. وعن نظام الرق السائد قالت إنه باستثناء بعض الحالات التي تعكس قسوة ووحشية، فإن كلا من العبد والجارية في الشرق يعامَل بحلم وتسامح، وربما مثّل من يشترونهم اباء وأمهات يعطفون عليهم، وإن ملبسهم وغذاءهم جيدان جدا.

 

ومما أثار استياءها الجهل الصحي المتفشي بين الأمهات مما يؤدي في أحيان كثيرة إلى موت أطفالهن أو إصابتهم بالعمى، كما لفت نظرها الخوف الشديد على الأطفال من الحسد. وانتقدت نظام الطلاق وتعدد الزوجات، والعنف ضد النساء والأطفال حتى من قبل أمهاتهم “قلما تمر بضعة أيام دون أن نسمع صراخ نساء وأطفال يولولون تحت وطأة السوط أو العصا”، كما انتقدت الزواج المبكر ليس فقط للفتيات اللائي لا تتجاوز بعضهن سن الطفولة، بل للصبيان أيضا.

وقد أجّلت صوفيا زيارتها لحريم النبلاء حتى تتقن اللغة العربية، ومع أن التركية كما تقول هي المستعملة عادة في هذه الأماكن، فإن العربية هي اللغة السائدة في مصر ويفهمها الجميع ومن ثم لا غنى عنها.

وقد اعتمدت لتسهيل دخولها “الحرملك” على مكانة أخيها وعلاقاته، وعلى صديقتها مسز ليدر “زوجة مبشرنا الفاضل المقيم التي اكتسبت ثقة أكثر حريم هذا البلد شأنا”. وكانت زيارتها لحريم حبيب أفندي حاكم القاهرة السابق أول تجربة لها في هذا العالم.

 

 

والحرملك، كما تصفه لنا صوفيا- منزل خاص بالنساء مكوّن من أكثر من طابق، وهو منفصل بالكامل عن منزل الرجال، وله مدخل خاص عليه حرّاس. وهو يضم الزوجات والبنات، والأبناء الذكور حتى سن معينة، كما يضم الجواري البيض والسود، والأغوات السود (الخصيان الخادمين في القصور).

وتبدي صوفيا استغرابها من أن تظل الفتيات حتى يتزوجن بمعزل تام عن الجنس الاخر باستثناء أقرب المقربين لهن من الذكور، ثم يقبلن شخصا غريبا لم تكن لهن به صلة من قبل كزوج مهيمن على حياتهن. واصفة هذا الوضع بـ “البشع” بالنسبة للمرأة الإنجليزية.

ويعجبها الترابط الأسري القوي الذي وجدته في كل الطبقات، واحترام الكبير في البيوت والشوارع، وكون الأم هي رأس العائلة، وكلما تقدمت في السن يزداد حبها واحترامها، وذلك حرصا على تنفيذ وصية النبي محمد “أمك ثم أمك ثم أمك”، كما يكون لها الأولوية على الزوجة التي تستقبل في الأسرة كأخت صغرى.

ورغم الصرامة المفروضة على الحريم، ونظام الزواج “معصوب العينين”، تقول صوفيا إن السيدات الشرقيات في الطبقات الوسطى والعليا، كما لاحظت في نطاق معارفها، راضيات ومرحات ومنشرحات الصدر، مما يؤكد أنهن يعاملن معاملة حسنة، كما أنها ترى أن نساء الطبة الراقية في الشرق كله لهن الهيمنة في مجالات متعددة داخل الأسر.

 

 

وتشير إلى أن أهم ما يشغل الحريم هو التطريز باستخدام إطار مستطيل يرتكز على أربعة قوائم، وكذلك الإشراف على المطبخ والجواري والخدم عامة، وكثيرا ما تقوم سيدات رفيعات المكانة بإعداد بعض أنواع المأكولات المفضلة بأنفسهن.

ورغم إعجابها بتطريزهن الذي هو “اية في الجمال” تبدي أسفها من أن النساء عامة لا يتعلمن سوى الأشغال اليدوية، كما أن اهتماماتهن، لحجبهن عن العالم الخارجي، تبدو محدودة، فقليل منهن من يقرأن ويكتبن، وإن كانت تشير إلى بعض الاستثناءات، إذ تذكر أسرة حصلت فتياتها على ثقافة راقية على يد أخ لهن أتم تعليمه في أوربا، كما تذكر حوارا حول الأحداث الجارية دار بينها وبين بعض نساء داخل حريم حبيب أفندي.

وتشبّه صوفيا نظام الحريم بدويلة صغيرة لها حكامها وموظفوها، والشخص الذي يشغل أعلى منصب بعد رب البيت مباشرة هو السيدة الأولى، وتتمثل في الوالدة، وبعد وفاتها تتخذ أخته أو أخواته الصدارة، تتبعهن في المرتبة زوجته المفضلة، وهي الزوجة الأولى إذا أنجبت، وإن لم تنجب تتنحى لأخرى أكثر حظا، وتتدرج مراتب الزوجات حسب إيثار الزوج لهن.

 

 

ولكل زوجة جناحها المنفصل وأتباعها، وقد تنفرد كل واحدة بقصر مستقل. ويحاط الحريم عادة بأسوار شاهقة للحديقة تصل في ارتفاعها إلى علو المساكن المجاورة، ويحرس المدخل الخارجي بوّاب والداخلي أغوات، وعلى مدخل بوابته الكبيرة تُعلّق قطعة كبيرة من الحصير لتكون ساترا له، وإذا حاول أي رجل غريب اجتياز المدخل الأول فإن الموت يكون جزاءه فور اكتشاف أمره. وتقوم بالخدمة داخل الحريم الجواري البيض والسود، والأخيرات يقمن بالخدمات الوضيعة.

وقد زارت صوفيا بصحبة صديقتها مسز ليدر نظلة هانم الابنة الكبرى للباشا (محمد علي) في قصر الدوبارة، وكانت تعاني وعكة صحية استلزمت أن يزورها طبيبان. ومما حكته صوفيا عن هذه الزيارة أن نظلة هانم كانت تدخن دون انقطاع، وأن غلايينها كانت ذات مباسم  مرصّعة بفصوص من البرلنتي. وتذكر صوفيا أن التبغ الذي تستخدمه سيدات مصر خفيف ورائحته يمكن تحملها بخلاف النوع المستخدم في إنجلترا.

وتظهر بين الحين والاخر في رسائل صوفيا، المسيحية المتدينة، نزعة تبشيرية، من ذلك قولها إنه من غير الممكن إصلاح جذري في نظام الحريم أو في أخلاقيات الشرق عامة إلا بالاستنارة بنور الإنجيل، كما نلمس في بعض عباراتها نزعة عنصرية.

عرس ابنة الباشا

وتخصص صوفيا 4 رسائل في نهاية كتابها للحديث عن عرس زينب هانم صغرى بنات محمد علي، حيث تنقل لنا بتفصيل مظاهر الاحتفال داخل القصور وفي الشوراع، وهو الاحتفال الذي استمر لعدة أيام.

وبوجه عام تعكس أفراح علية القوم في مصر انذاك، كما سجلتها المؤلفة، قدرا كبيرا من الأبّهة والبذخ، كما تعكس في بعض جوانبها اتباعا للتقاليد الأوروبية.

وبينما زُيّن الطريق إلى القلعة بعدد لا حصر له من الثريّات، كان القصر يَعُجّ بعدد هائل من المدعوين، وكان الزوار الأوربيون يلقون ترحيبا خاصا.

وكعادة المؤلفة في الاهتمام بوصف تفصيلي للبيوت والأثاث وملابس الهوانم وحليّهن، والأطباق والفناجين والمفارش والفوط..  تعطينا وصفا مفصلا لهدايا العروس من عريسها، من ملابس ومجوهرات وعطور وأطقم للطعام والشراب، وكلها على درجة كبيرة من الفخامة، حتى إن الشباشب كانت مرصعة بالماس، كما زُيّن قبقاب الحمام بالأحجار الكريمة.

وعلى مدار أيام الاحتفال كان هناك في جناح الحريم راقصات على الطريقة العربية (أو عوالم)، وأخريات تركيات يقدمن استعراضات تتضمن حركات بهلوانية، وذلك بصحبة فرق موسيقية تعزف ألحانا عربية وتركيّة، كما كانت تقام مسرحيات أو مشاهد تمثيلية هزلية تؤديها نساء.

 

وكان الباشا قد دعا أئمة العلماء للعشاء معه، ثم قادهم إلى بهو أُعِدَّ ليكون مسرحا ليشاهدوا عرضا لفرقة من الممثلين الأوروبيين، “كانت هذه أول مرة، كما يقال، حضر فيها أحدهم مثل هذا المشهد، ولعلها كانت أكبر مغامرة ضمن العديد من البدع الأوروبية التي استحدثت في هذه المناسبة”، تعلّق المؤلفة.

 

 

أما في جناح الحريم فكان العشاء يقدّم بطريقة أوروبية كاملة “فالأطباق والسكاكين وفوط المائدة منسّقة على الطريقة الأوروبية”، وقد وجدت بعض السيدات صعوبة في استخدام الشوكة والسكين أثناء الأكل.

أما بالنسبة للعامة والفقراء فقد “كُلِّف يوميا في قصر الأزبكية ثلاثمائة من الطهاة بإعداد أجود أصناف الطعام للفقراء”، وأثناء النهار يتسلى الناس يوميا بمشاهدة مباريات المصارعة والرقص على الحبل وحفلات الموسيقى المقامة في أماكن متعددة، كما كانت المدافع تدوّي كالرعد فوق المدينة  4 مرات على الأقل في اليوم الواحد.

وتصطف الجماهير لمشاهدة مواكب الاحتفال كموكب مقتنيات العروس التي تعرَض مكشوفة، أما موكب الزفّة فتضمن عرضا عسكريا وعشرات العربات، “كانت تبدو على ملابس الجنود مسحة شبه أوروبية، والعربات معظمها كمثيلات لها في شوارع لندن وباريس”.

وكانت عربة العروس في نهاية الموكب يحيط بها الفرسان، وكانت ستائرها مسدلة ويجرّها 6 جياد. وانطلقت الزغاريد ونُثِرت النقود، وتنتقد صوفيا عادة إلقاء العملات الذهبية والفضية بين الجموع، في الشوراع أثناء مرور المواكب أو في القصر من قِبَل الباشا أو الهوانم، إذ يُدهَس ضحايا تحت أقدام المندفعين لالتقاطاها. وبالتزامن كان طهاة الباشا يحملون صواني الطعام لتوزيعه على الفقراء.

وسرعان ما تحولت أفراح الأسرة إلى أحزان، بوفاة إحدى زوجات محمد علي وتُدعَى “شمس الصفا”. وكما اتسمت قصور القوم وأفراحهم بالأبّهة، كذلك كانت مدافنهم وجنائزهم، إذ غُطي النعش بشال كشميري يعلوه عند الرأس تاج مرصّع بالماس. وكان الفقراء ينتظرون بلهفة نصيبهم من 11 جاموسة سيقت أمام النعش لتُذبَح وتوزّع عليهم.

الوسوم

منى علام

باحثة في التاريخ والحضارة الإسلامية مهتمة بالدراسات النسوية

مقالات ذات صلة

اترك رد