مجتمع

حديث بين قالب المدرسة وكوب التعليم المنزلي!

تغيير عقود من أفكار خاطئة ليس أمرا سهلا، تهيئة الأجيال القادمة لحياة أكثر انفتاحا ليس سهلا إذا كنا أنفسنا ضحية التحكم لسنوات طويلة!

أقف ظهرا خلف نافذتي المطلة على الشارع الرئيسي، أمسك قطعة من الشوكولاتة بيد وكوبا من الشاي الأخضر بالأخرى، أشعر بسكينة ورضا وأراقب الشارع المزدحم في ساعة الذروة “ساعة العودة من المدارس” لماذا يفعل الناس هذا بأنفسهم؟

يتوقف الطريق يوميا ثلاث مرات لأكثر من ساعة ونصف مرة في السابعة صباحا، وأخرى ظهرا، وثالثة عند المغرب طبعا بسبب مدارس الصغار وأعمال الكبار. أشاهد أما تلو الأخرى وأبا تلو الآخر، تتوقف السيارات أسفل البناية ويخرج العائدون المنهكون، الجميع يبدو كمن خرج لتوه من المعركة. لماذا يهلكون أنفسهم في هذا الطريق البائس؟

أنزل بخيالي إلى الأسفل وأتخيلني أترجل من هذه السيارة، أتخيلني هذه الأم التي تحمل حقيبة ابنها الثقيلة جدا هناك حتى انها أحنت ظهرها وهي الكبيرة! لا ربما هذه الأم هناك التي تبدو ناقمة على الكون بأسره في هذه اللحظة، ثم أنظر إلى نفسي في النافذة  لماذا لستِ هنا معنا؟ لماذا تبدين مستفزة جدا؟

حسنا، الأمر ليس بهذه البساطة حقا!

لا يمكنني أن أقف هناك بالأعلى مع قالب الشوكولاتة وأحكم بهذه البساطة على هؤلاء الآلاف بأنهم ليسوا على هذا القدر من الألمعية لأنهم لم يختاروا أن يعلّموا منزليا مثلي، كما أنه لا يمكنني أن أقف هناك بجوار سيارتي أوزع النقمات على العالم وعلى تلك الواقفة خلف الزجاج بالأعلى لأنها متعالية ولا تبذل نصف ما أبذل من الجهد!

 

لذا سأعيد الحكاية مرة أخرى ولكن ببعض الزيادات:

أقف ظهرا خلف نافذتي المطلة على الشارع الرئيسي أمسك قطعة من الشوكولاتة بيد وكوبا من الشاي الأخضر بالأخرى، أشعر بسكينة ورضا بعد أن استحققت أخيرا نصف ساعة هادئة منذ أن استيقظت في الخامسة. أنهيت بعض أعمالي المنزلية وحضّرت دروس ابنتي الصغيرة، أيقظتها وبدأنا يومنا الدراسي، لقد كانت صعبة المراس اليوم، فقدت السيطرة تماما لبعض الوقت وأوشكنا على الانهيار، حمدا لله أننا وصلنا إلى هنا دون خسائر فادحة! فمازال جدولنا مزدحم! أراقب الشارع المزدحم وأتخيل نفسي مكان هذه الأم هناك، تبدو في غاية الإنهاك. فالجو حار جدا اليوم ومازال أمامها مشوار طويل تقطعه بين الكتب والواجبات حتى حلول المساء، أعانها الله.

هناك رواية ثالثة لكنها خيالية!

هل يمكننا التخلص من المدارس بشكل كامل؟ أرى أنه لا، هل يمكن إعادة صياغة “المدرسة” بطريقة أخرى؟ نعم، هل يمكن زيادة أعداد المعلمين منزليا؟ نعم وبشكل كبير، هل توجد حلول أخرى بين الطريقين؟ بالتأكيد وهذا ما نحتاج إيجاده سويا.

أستيقظ ذات صباح فأجد خبرا عن إلغاء قوانين الحضور الإلزامي بالمدارس واعتماد “حافظات الإنجازات والمشاريع” بدلا من “الشهادات” للتقدم إلى الوظائف!

بعد هذا الخبر ببضع سنوات، وقفت ظهرا خلف النافذة المطلة على الشارع الرئيسي أمسك قطعة شوكلاتة بيد وكوبا من الشاي الأخضر بالأخرى، أشعر بسكينة ورضا لأن الشارع ليس مزدحما كما كان في السابق، ولأن جميع الأمهات يقفن خلف نوافذهن مع مشروباتهن المفضلة!

قصة ساذجة جدا!

أغلب الأسر تعاني في أنظمة المدارس بسب قوانين الإلزام بالحضور، هؤلاء الذين يختارون التعليم المنزلي في بلاد لم يقنن فيها التعليم المنزلي يخاطرون مخاطرة كبيرة! لكن هل هذه هي المشكلة الوحيدة؟! هل هي المشكلة الأساسية؟! أرى أنه “لا”، والحقيقة أن السبب الرئيسي هو الحصول على الشهادة التي تؤهل بدورها للعمل، وبهذا نضمن مستقبلا أفضل لأطفالنا.

لكن هل هذه حقيقة أيضا؟ “لا” أخرى، فالمستقبل الأفضل يعتمد على إمكانية الريادة والقدرة على الإبقاء على قابلية دائمة للتعلم، ببساطة كيف نؤهل أطفالنا لوظائف لا يوجد لها توصيف بعد!

 

 

إذا عرفت أن نشأة المدارس كانت لخدمة الثورة الصناعية وتخريج عمالة وأفراد “لخدمة الدولة” يدينون بالولاء لحكوماتهم، وإذا علمت أنه حسب إحصائيات أمريكية فإن أكثر من نصف العاملين يرغبون في تغيير وظائفهم، وأن 14% فقط راضون عن وظائفهم وأن أغلب الملتحقين ببرامج دراسية بعد سن الخامسة والعشرين يلتحقون ببرامج دراسية جامعية تؤهلهم لوظائف مختلفة عن وظائفهم الأصلية، إذا علمت كل هذا -وأكثر  بكثير مما لا تسع كتابته هنا- فما الفائدة من وضع سنوات طفلك الذهبية في استثمار غير مجدٍ؟!

وبالعودة إلى القصة الأولى، فإن الأمر ليس سهلا كما يبدو، تغيير عقود من أفكار خاطئة ليس أمرا سهلا، تهيئة الأجيال القادمة لحياة أكثر انفتاحا ليس سهلا إذا كنا أنفسنا ضحية التحكم لسنوات طويلة! عقلية كاملة يجب أن يعاد تشكيلها “بلطف” مشابه للطف حركة المدارس الأولى! ربما لن يستغرق الأمر سنوات طويلة كما يبدو، لكنه يحتاج إلى تعاون بين هؤلاء الواقفين خلف النوافذ والآخرين العائدين من الزحام! حيث لا يبدو التبارز بين الفريقين مبشرا أبدا!

فهل يطمح المعلمون منزليا إلى العزلة عن المجتمع أم تغييره؟ هل يرغب المعلمون منزليا في تسويق فكرتهم أم إبقائها مغلقة ضمن دوائرهم؟ هل يقصد المعلمون منزليا ذلك اليوم الذي يقنن فيه التعليم المنزلي ويمارس بأريحية؟ هل يسعى المعلمون منزليا لخلق كيانات قوية تستطيع تشكيل ضغط لتشريع قوانين مماثلة؟ هل يملكون الشجاعة لتقديم ذلك ضمن أنظمة جامدة تجرم كل من يشب عن الطوق؟!

هل يطمح أولياء الأمور إلى مستقبل أفضل لأبنائهم حقا أم أن هذا فقط ما وجدنا عليه آباءنا؟! هل تستطيع الأسر التخلي عن الأفكار التقليدية لصالح أفكار مازالت قيد التجربة؟!

ماذا عن أعباء الأسر الأخرى؟ هل سيشكل التعليم المنزلي عبئا أم سيساهم في التخلص من أعباء المدارس؟

رغم أنني اخترت تعليم ابنتي منزليا كحل ليس له بديل بالنسبة لنا كأسرة، إلا أنني أستطيع تفهم صعوبة التخلي عن “المدرسة”، ذلك أنها منظومة مجتمعية كاملة تم ترسيخها على مدى سنوات طويلة. اقتصاديا واجتماعيا لا يبدو حل التعليم المنزلي بهذه السهولة، يجب أن تدرس العوائق أمام هذه الحركة بروية وتأنّ، يجب أن ينزل هؤلاء من طوابقهم العالية خلف النوافذ، ولكن على الآخرين أيضا أن يتعبوا أنفسهم في صعود بعض الطوابق! فعملية الانتقال ليست صعبة تقنيا، لكن صعوبتها تكمن في صعوبة اعتناق القناعات الدافعة لها.

 

 

قناعات مثل حرية التحكم في نمط الحياة، التحرر من الاستهلاكية، الحفاظ على البيئة، توفير بدائل أكثر جودة، التهيئة لمستقبل مختلف، التخلي عن السلوكيات والعادات والمفاهيم الخاطئة فيما يخص التربية والتعليم، تقدير الاختلاف والتنوع والفردانية، ترتيب أولويات الأسرة المادية وغيرها من القناعات والسلوكيات اللازمة لدفع هذا الانتقال.

تحتاج المعسكرات المدافعة عن التعليم المنزلي والمعسكرات المناهضة له للالتقاء على أسس من الود والرغبة الحقيقية في إيجاد ماهو صالح وحقيقي وليس الالتقاء للمبارزة وتبرير الممارسات للطرف الآخر!

هل يمكننا التخلص من المدارس بشكل كامل؟ أرى أنه لا، هل يمكن إعادة صياغة “المدرسة” بطريقة أخرى؟ نعم، هل يمكن زيادة أعداد المعلمين منزليا؟ نعم وبشكل كبير، هل توجد حلول أخرى بين الطريقين؟ بالتأكيد وهذا ما نحتاج إيجاده سويا.

إن بقاء حركة التعليم المنزلي منغلقة على مجتمع “النبلاء” الخاص بها، وبقاء حركة التعليم النظامي على عدائها لكل ما هو مختلف عنها، يجعل إيجاد الجزيرة في المنتصف صعبا! بل يدفع إلى تبني ممارسات خاطئة بشكل أكبر، إما بدافع غريزة الدفاع الذاتي أو بسبب السعي وراء خوض تجربة لا تناسب مقاس الجميع!

البداية ببناء جسر التقدير، حيث أقدر اجتهادك وتقدر اختياراتي، ثم العبور على جسر التقدير إلى إيجاد مساحات مشتركة لا تميع الأفكار الرئيسية في سعي صوري لتطبيق شكل أو نمط معين، ثم تحديد المسارات التي تخدم أبناءنا وتخدم أفكارنا وقناعتنا الجديدة دون ترك الفرصة لأي شخص أو جهة لتأطير هذه المسارات وتنميطها والعودة بها من حيث بدأت !
نستطيع أن نأكل الشوكلاتة مع الشاي الأخضر، فقط نحتاج إلى قالب ذي جودة و .. حرية !

 

الوسوم

جهاد خالد

طبيبة أسنان وباحثة في مجال التعليم حاصلة على الماجستير في التعليم من جامعة ويلز

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق