دين وحياةغير مصنف

إبن حزم: لا يحل منع المرأة من الصلاة في المسجد

سلسلات ميم: "إبن حزم الأندلسي والمرأة"

لقد شاع في مجتمعاتنا كراهية صلاة المرأة في المساجد، وأن الأفضل لها أن تؤدي صلواتها في بيتها وعلى ذلك يؤكد أغلب أئمة المساجد اعتمادًا على المذهب المالكي، حيث يكره أصحابه بشدة خروج المرأة للصلاة في الجامع.

والحقيقة أن هذا التنفير من صلاة النساء في المساجد ليس خاصا بالمذهب المالكي المعمول بها في دول المغرب الإسلامي، بل هو مذهب الإمام أبي حنيفة أيضا، حيث كره خروجهن إلى المساجد لصلاة الجماعة  وللجمعة وفي العيدين، ورخص للعجوز خاصة في العشاء الآخرة والفجر.

أما الإمام مالك فيرى أن الكراهة أشد فيما يخص المرأة الشابة والجميلة، أما العجوز والمرأة المتجالَّة -أي: التي ليست فاتنةً- فلها أن تخرج للصلاة في المسجد.

وهو قريبٌ من مذهب الإمام الشافعي أيضًا حيث يرى أن جماعتهن في البيوت أفضل، فإن أردن حضور  المسجد مع الرجال كُرِهَ للشَّوابِّ دون المُسِنَّات أي يُكره للفتيات دون العجائز، وكذلك هو الأمر فيما يخص الروايات عن أحمد بن حنبل.

هذه الآراء نجدها مبثوثةً في كتب الفقه على المذاهب الأربعة. كما نجد العمل بها أكثر تشدُّدًا فيالمناطق القروية والصحراوية، بينما يتساهل أولياء الأمور مع نسائهم للخروج إلى المساجد وحضور الصلوات والتراويح والعيدين وغيرها. وهذا راجع ليس فقط إلى نصِّيَّة الآراء الفقهية التي اعتمدها العلماء وأهل الفتوى، ولكن حتى إلى البيئة البدوية التي تؤثر في طريقة التعامل مع المرأة على أساس أنها فتنةٌ يجب الاحتراز منها قدرَ الإمكان.

 

والعامل البيئي المجتمعي، إذا انضافَ إليه العامل الفقهي المسمَّى بالدِّينيِّ، يخلق كثيرًا من الحِدَّة في تطبيق تلك الآراء، رغم أنها ليست مما أجمع عليه الفقهاء، ولا مقطوعًا بها في النصوص الشرعية، بل العكس تمامًا، حيث سنجد في نقاش الإمام ابن حزمٍ لمذاهب الفقهاء في هذه المسألة أن النصوص تثبت نقيضَ ما ذهبوا إليه من التضييق على المرأة في الخروج.

 

وهنا يصرح فقيهنا الأندلسي بأن ذهاب المرأة للصلاة في المسجد أمر حسنٌ، وأنه لا يجوز لوليِّها أن يمنعها من ذلك، إلا في حالة علِمَ أن تصرُّفها مقرونٌ بنيَّةٍ غير صحيحة أو مظهر غير لائق. أما عدا ذلك، فإن صلاة المرأة في جماعة خيرٌ من صلاتها منفردةً، وهذا ما يعني أن صلاتها في المسجد أفضل من صلاتها في البيت، وهو عكسُ ما يذهب إليه فقهاء المذاهب الأربعة تمامًا.

يقول ابن حزم:

ولا يحل لولي المرأة ، ولا لسيد الأمة منعهما من حضور الصلاة في جماعة في المسجد ، إذا عرف أنهن يردن الصلاة ولا يحِلُّ لهن أن يخرجن متطيبات ولا في ثياب حسان؛ فإن فعلت فليمنعها، وصلاتهن في الجماعة أفضل من صلاتهن منفردات

(المحلى بالآثار، كتاب الصلاة، المسألة رقم: 321).

 

ثم يذكر الأدلة على ذلك، ويُردِفها بمذاهب الفقهاء المخالفين له في المسألة وحججهم التي استدلُّوا بها. ثم يناقش تلك الحجج بالتفصيل ويقف مطوَّلًا عند استدلالهم بأثرٍ مرويٍّ عن السيدة عائشة -عليها السلام- قالت:

“لو رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أحدث النساء بعده لمَنَعَهُنَّ المسجدَ كما مُنعتْ نساءُ بنى إسرائيل”.

فقد استدلُّوا بهذا الأثر ليؤكدوا أن ما أحدثتْه النساء بعد العهد النبوي كفيلٌ بمنعهنَّ من الخروج للصلاة

في المسجد، وهذا المنهج في الاستدلال يرفضه ابن حزم رفضًا قاطعا ويُبْطله بستة أوجُهٍ كالتالي:

الوجه الأول: أن النبي -عليه السلام- لم يُدرك ما أحدثته النساء بعده، وما دام أنه لم يُدرك ذلك فليس هناك منع نبويٌّ مباشرٌ لما لم يدركْهُ صاحب الشريعة.

الوجه الثاني: أن الله -تعالى- قد علِم ما سوف تُحدثُه النساء، فلو كان ذلك سببًا للمنع لأوحى بذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الأمر الذي لم يكُن في العهد النبوي.

الوجه الثالث: أن جريمة الزنى قد حدثت أيضًا في العهد النبوي، فلم يكن ذلك أيضًا سببًا لمنع النساء من الخروج للصلاة في المساجد، وليس هناك أشدُّ من هذه الجريمة مما يمكن أن يُتوقَّعَ إحداثه بعد العهد النبوي. وكذلك فجريمة الزنى تقع من النساء ومن الرجال، فلماذا تُمنع المرأة من الخروج من بيتها ولا يُمنَع الرجل؟ وكلاهما قد يقعان في الخطإ ذاته.

الوجه الرابع: أن ما أحدثته النساء بعد ذلك هو أمر خاص ببعضهنَّ، ومن المُحال منع كل النساء بسبب خطإ ارتكبتْهُ بعضُهُنَّ.

الوجه الخامس: أن الإحداث الذي تحدثتْ عنه السيدة عائشة، إذا كان سببًا لمنعهنَّ من الخروج للمسجد فلماذا لا يكون سببًا لمنع خروجهن إلى الأسواق والسفر بسبب ذلك؟ رغم أن بعض الفقهاء يُجيزون لها التسوُّق والسفر، ويمنعونهنَّ من الصلاة في المساجد، وهذا تناقضٌ مخالف للمنطق كما يرى ابن حزم.

الوجه السادس: أن السيدة عائشة، رغم كلامها ذلك، لم تأمر بمنع النساء من الخروج للمسجد، ويرى ابن حزم أن موقف عائشة هو نفسه الموقف الذي اتخذه، وأنه لا حجة للفقهاء في كلامها الذي أوردوه آنفًا.

فتبيَّن من طريقة نقاش ابن حزمٍ لهذه المسألة أنه يرفض رفضًا تامًّا محاولة تصوير أن المرأة في الشريعة ممنوعةٌ من مشارَكة الرجل في غالب العبادات والعادات، وأن الآراء التي يتبنَّاها الفقهاء التقليديُّون إنما هي راجعةٌ لقِصَر النظر في النصوص الشرعية أو الاستدلال بما لا يجب الاستدلال به، أو بناءًا على معالجة قضايا المرأة، انطلاقا من مخلَّفات مجتمعية بدوية تناقضُ سماحة الشريعة الإسلامية مناقضةً شبه كاملة.

ونلاحظ أن ابن حزم يستعمل أسلوبًا صارمًا لتفنيد هذه الآراء التي يرى أنها تؤدي إلى الوقوع في التحجير على النساء دون وجه حقٍّ. ويروي في ذلك أثرًا عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لزوجته عاتكة بنت زيدٍ: “إنك لتعلمين أني ما أحبُّ هذا -أي: لا يحب خروجها المستمر للمساجد- فقالت له: والله لا أنتهي حتى تنهاني، فقال عمر: فإني لا أنهاكِ، يقول راوي الأثر: فلقد طُعِن عُمَرُ يوم طُعِن وإنها لفي المسجد”.

ويجمُلُ بنا أن ننبِّه إلى هذا التصرُّف الراقي من عمر بن الخطاب، حيث أنه صرَّح لزوجته بأنه رغم أنه يكره خروجها للمسجد، إلا أنه أخبرها بأنه لن يمنعَها من ذلك بتاتًا.

هذا الموقف الذي حدث قبل  قرن يجعلنا في حيرةٍ من أمرنا حين نرى بعض الفقهاء والمتديِّنين الذين يمارسون أغلظ أنواع التزمُّت مع المرأة في هذا العصر الذي علِم الجميع أن حضارة كلِّ أمة مرتبطةٌ ارتباطًا كاملًا بمكانة المرأة في المجتمع، وأن التضييق على النساء لا يُنتِج لنا مجتمعًا نظيفًا، بل يخلق مجتمعًا منافِقًا، وهذا ما نعاني منه في منطقتنا العربية.

الوسوم

الطيب صياد

صاحب رواية "العثمانية" خريج لغة ودراسات قرآنية وباحث في العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.