سياسة

هل تنجح سياسة النأي بالنفس في لبنان؟

تقارير إخبارية

 

أرجع رئيس الحكومة اللبناني، سعد الحريري، أسباب استقالته إلى حياد أطراف سياسية في لبنان عن “سياسة النأي بالنفس”. هذا المصطلح الذي باتا العنوان البارز للسياسة اللبنانية الخارجية الرسمية، تختلف حوله وجهات النظر والمواقف، ويراه البعض مجرد شعار فضفاض، غير قابل للتطبيق في بلد محل تجاذبات اقليمية حادة.

فماذا تعني سياسة النأي بالنفس في لبنان؟ و هل تم الالتزام بتطبيقها منذ اعتمادها قبل 5 سنوات؟ و هل أن بلدا مثل لبنان قادر على أن ينأى بنفسه عما يحدث حوله في المنطقة؟

 

قبل 5 سنوات وتحديدا في 11 جوان / يونيو 2012، صدر ما يُعرف بـ “إعلان بعبدا”، كنتيجة لطاولة الحوار بين مكونات هيئة الحوار الوطني اللبناني التي شكلها الرئيس ميشال سليمان، وكان نجيب ميقاتي رئيسا للوزراء آنذاك.

تضمن هذا الإعلان في مادته 12 مبدأ “تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليميّة والدوليّة وتجنيبه الانعكاسات السلبيّة للتوتّرات والأزمات الإقليميّة، وذلك حرصا على مصلحته العليا ووحدته الوطنيّة وسلمه الأهلي، ما عدا ما يتعلق بواجب الالتزام بقرارات الشرعيّة الدوليّة والإجماع العربي والقضيّة الفلسطينيّة المحقّة، بما في ذلك حقّ اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم وديارهم وعدم توطينهم.”

اليوم يعود مفهوم النأي بالنفس بقوة إلى الساحة السياسية اللبنانية بعد إعلان الحريري التريّث عن الاستقالة إثر عودته إلى بيروت ومطالبته بضرورة تطبيق سياسة النأي بالنفس قولا وفعلا.

اليوم، يعود هذا البند بقوة إلى الساحة السياسية اللبنانية، خاصة بعد إعلان الحريري التريّث عن الاستقالة إثر عودته إلى بيروت. حيث طالب بضرورة تطبيق سياسة النأي بالنفس قولا وفعلا.

من خلال التصريحات التي عقبت الاستقالة، يظهر جليا أن المعني بتنفيذ سياسة النأي بالنفس هو حزب الله، فقد وجه له الحريري انتقادات واسعة بشأن علاقته بإيران و بالحرب في سوريا و اليمن والعراق. وقال الحريري مخاطبا اللبنانيين، من الرياض، “كنتم منارة العلم والمعرفة والديمقراطية، إلى أن تسلطت عليكم فئات لا تريد لكم الخير، دُعمت من خارج الحدود، وزرعت بين أبناء البلد الواحد الفتن، وتطاولت على سلطة الدولة، وأنشأت دولة داخل الدولة.”

وأضاف “أشير وبكل صراحة ودون مواربة إلى إيران، التي ما تحل في مكان إلا وتزرع فيه الفتن والدمار والخراب، يشهد على ذلك تدخلاتها في الشؤون الداخلية للبلدان العربية في لبنان وسوريا والعراق والبحرين واليمن. يدفعها إلى ذلك حقد دفين على الأمة العربية، ورغبة جامحة في تدميرها والسيطرة عليها. وللأسف، وجدت من أبنائنا من يضع يده في يدها، أقصد في ذلك حزب الله الذراع الإيرانية، ليس في لبنان فحسب، بل وفي البلدان العربية”.

ويرى مراقبون أن الحريري أراد تدويل مسألة النأي بالنفس من خلال إعلان استقالته من خارج لبنان، وتحديدا من الرياض التي تقود منذ فترة حملة لحشد الحرب ضد إيران. كما قامت الرياض بتصدير مسألة حزب الله إلى جامعة الدول العربية، التي تبنت في بيانها الأخير موقف السعودية باعتبار حزب الله منظمة إرهابية.

لكن يبدو أن تحفّظ لبنان على هذا البيان، إلى جانب التدخل الفرنسي لإخراج الحريري من الرياض، أسقط مشروع تدويل المسألة في الماء. كما أن أنظار اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم تركزت على المطالبة بعودة الحريري إلى البلاد، مع تضارب الأنباء عن مصيره وحرية تنقله، عوض الاهتمام بأسباب هذه الاستقالة.

واعتبر عدد كبير من اللبنانيين  أن الحريري الذي ينادي بالنأي بالنفس لم يلتزم بذلك وتوجه إلى دولة أخرى لإعلان الاستقالة. كما أنه انحياز إلى طرف معيّن في الصراع الإقليمي بين الرياض وطهران، مما سمح بأن تتحول لبنان الى ساحة للصراع السعودي الإيراني.

النأي بالنفس في الحرب السورية

فيما بدا الخطاب الرسمي للدولة اللبنانية ملتزما في بداية الحرب السورية بمبدأ النأي بالنفس، فإن قوى لبنانية مشاركة في “إعلان بعبدا” اتخذت مواقف مختلفة مما يحدث في سوريا، لعل أهمها حزب الله وقوى 14 آذار.

فالسلطة اللبنانية لم تتخذ أي موقف، سواء مع النظام في سوريا أو مع الجماعات المعارضة، ولم تساعد بشكل علني الجماعات المسلحة، من خلال تسهيل دخول المقاتلين والسلاح، على عكس دول أخرى مجاورة لسوريا، كما أنها  ولم تقطع العلاقات الدبلوماسية.

فما يعرف بقوى 14 آذار المعارض الأول لحزب الله، قد اتخذ موقفا منذ بداية الثورة في سوريا إلى أن تحولت إلى نزاع مسلح بين النظام وجماعات المعارضة والتنظيمات الإرهابية، حتى أن مراقبين اعتبروا أن فريق 14 آذار قد استعجل في دعم المعارضة في سوريا ووضع نفسه في مأزق بعد تغيّر الأحداث لصالح النظام و حلفائه، وكان عليه التريث عملا بسياسة الحياد التي دعت إليها الحكومة اللبنانية.

أما حزب الله، الذي لم يشارك في الحرب السورية إلا بعد مضي قرابة السنة على بدايتها، فإنه سرعان ما استوعب أن ما يحدث ليس ثورة سلمية شعبية، على غرار ما حصل في دول الربيع العربي الأخرى، وإنما هي مخطط أمريكي إسرائيلي للقضاء على محور المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

إلى جانب ذلك، فقد الجماعات المسلحة إلى حد كبير من الحدود اللبنانية، وتحديدا من مناطق المقاومة في جنوب لبنان، وهو ما هدد بشكل مباشر حزب الله.

كما أن حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله يعتبر أن النأي بالنفس لا يعني تخلي الحزب عن سلاحه و عن المقاومة، إذ قال في أكتوبر 2013  “أقول للقتلة أنكم إذا كنتم تعملون مباشرة عند الاسرائيلي ، فان أيدينا ستصل إليكم،  نحن لسنا بديلا عن الدولة  في الدفاع عن لبنان وأمنه. ولكن في كل مرحلة الدولة لن تتحمل مسؤوليتها نحن سنتحمل المسؤولية .”

لم تنجح سياسة النأي بالنفس في لبنان خلال الحرب السورية، إذ وقف فريق إلى جانب المعارضة وآخر إلى جانب النظام، ولم يلتزموا بالتوافقات الوطنية التي كانوا طرفا فيها.

ما حصل خلال الحرب السورية يمكن أن ينسحب على جل الصراعات الإقليمية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. كما أن لبنان بحكم موقعه الجغرافي و تنوعه الطائفي والسياسي لا يمكن أن يعزل نفسه عما يدور حوله. هذا بالنسبة للعوامل الداخلية، أما خارجيا، فتحاول دول عربية تحويل لبنان إلى ساحة مواجهة مع إيران.

فقد أكد زعيم حزب الله أن السعودية أعلنت الحرب على لبنان وحزب الله حتى لو كلفها ذلك التحالف مع إسرائيل و تمويل هذه الحرب. في المقابل،  تعتبر إيران أن نزع سلاح حزب الله مسألة غير قابلة للتفاوض، إذ صرح قائد الحرس الثوري الإيراني أنه “يجب تسليح حزب الله لمواجهة عدو الامة اللبنانية وهو اسرائيل”.

لكن بالنسبة للسعودية، يتمثل الهدف من هذه الحرب في نزع سلاح حزب الله، رغم أن الحكومة اللبنانية تعتبر أن هذه المسألة غير مطروحة في هذه المرحلة. ففي تصريح لوزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق قبل يومين، قال إن “موضوع نزع سلاح حزب الله غير مطروح الآن، إنما المطروح هو الاستراتيجية الدفاعية التي يمكن أن تُوجد دورا لسلاح حزب الله فيها ضد إسرائيل، وليس في اليمن وسوريا”. كما اعتبر أن “كلام الأمين العام لحزب الله عن الإنسحاب من سوريا والعراق كان واضحاً وواقعياً”.

يرى الكثير من المراقبين في لبنان وخارجه أن سياسة النأي بالنفس لا يمكن أن تُجبر القوى السياسية الداخلية على تجاهل ما يدور في المنطقة من صراعات ونزاعات قد تهدد أمن لبنان في حد ذاته.

وفي هذا السياق، تشير تقارير إعلامية إلى أن الحوار الوطني في لبنان لمرحلة ما بعد تريّث الحريري عن الاستقالة قد يتضمن عودة النقاش حول مفهوم وركائز استراتيجية النأي بالنفس، في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة، خاصة فيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة لنهاية الحرب في سوريا والأزمة الخليجية والملف السعودي الإيراني.

الوسوم

دواجة العوادني

عضو فريق مجلة ميم التحريري، تختص في المواضيع السياسية والحقوقية

مقالات ذات صلة

اترك رد