مدونات

لماذا قذفت أم موسى أبناءها في البحر؟

بقلم: فاتح حبابه

من يسكن الفردوس لا يغادر مسكنه، وجنة الإنسان في الأرض وطنه، فكيف لمن غنَّى “حتى نارك جنة” أن يتركه؟!

فاتح حبابه

حدود محيطة بالكائن البشري يخرج من رقعتها، من تحولت نار بلده إلى جحيم مستعر، ربما في سعي وراء هدف محدد أو خوف من أمر وقوعه شبه محتم.

منتصف مارس/ آذار 2011، تاريخ بان فيه المستور واتضحت معالم الأبواب المؤصدة في سجن كبير يضم حوالي خمسة وعشرين مليون معتقل، رغم بشراهم بنيل الحرية التي انتفضوا من أجلها، إلا أنّ الجلاد حوَّل السجن إلى مقبرة جماعية، أشلاء متناثرة، بلدات بأكملها مدمرة، وتدخلات عسكرية متعددة.

هنا لم تستطع أم موسى أن تبقى عاجزة، فأوحي إليها بأن تقذف ابنها في التابوت ثم في اليم خوفاً عليه، فاستمعت لما أوحي لها ونفذت، وكذلك فعلت سوريا بأبنائها حرصا عليهم من بطش فرعونها الذي جعل دور الموت لاعباً أساسيا في مشهد العنف المستمر.

وفي تلك الأيام، كان لا بد من الهجرة واللجوء إلى بلاد يأمل الإنسان فيها أن يحافظ على جزء من حقه، ألا وأبرزه الحق في الحياة، ففي مشهد القصف المتساقط كالمطر، مع أصوات البراميل التي تصنع موسيقى من الرعب تدمر الشعور النفسي لدى المدنيين، برزت مظاهر الهجرة والميل إلى السرية منها، لظروف قاهرة، أو حتى لأطماع معينة عند البعض.

 

كثيرة هي الدوافع القاهرة للهجرة السرية، فبعد أن توالت المصائب على السوريين يوما تلو الآخر، حتى أصبح عداد دقائقهم يقاس بالدم المراق، خرجوا في هجرات كثيرة غالبها غير شرعية، لكن النتيجة أن الملايين انفضوا في البلاد الإقليمية والأوروبية، حتى باتت أجسادهم سلعة باهظة يتاجر بها من باع ضميره بثمن بخس مهما ارتفع.

ولم يكن ملف الهجرة طارئا في التاريخ المعاصر، بل هو متجدد في دوافعه، منسجم مع قوانين الحاجة البشرية، متناسب مع عوامله المتمثلة في الاقتصادية منها والمحفزات المتواجدة، وعوامل النداء في طرقها المتعددة، بصعوباتها المتنوعة.

 

ولا يزال قهر اللاجئين مستمرا، فَجَرُّ قضيتهم إلى وحول السياسة عبر فتح الحدود وإغلاقها عليهم تِبعا وتناسباً مع العلاقات السياسية الدولية لم تكن آخر أدوات القهر، بل امتدادا للاعتقالات سواء في السجون أو في الغرف التي يطلق عليها (كامباوند)

 

سلك المهاجرون طرقاً عدة، فالهجرة البحرية عبر القوارب لم تكن هي الطريق الوحيد، بل تعددت الطرق التي ستفضي إلى مسكن ومأوى وراتب وحرية في التنقل.

المهاجرون بعددهم الكبير ذهبوا كأمواج متراكمة فوق بعضهم البعض عبر البحر، وعبروا كتلك الأمواج الأسلاك الشائكة، تسيرهم رياح الظلم التي هربوا منها، فيقطعون طريق اللجوء السري ويستقرون في البلد الذي هاجروا إليه وقلوبهم الباكية تحمل نوعا من الاطمئنان، يحاولون العيش باستقرار في مواجهة العراقيل.

 

وبعد طريق طويل من سوريا إلى تركيا إلى اليونان إلى ألمانيا، أو ربما تتغير الخارطة، مع مخاوف محدقة، وقصص لا تخطر على مخيلة مخرج فيلم كبير، يصل -إن وصل- إلى بلده الجديد، بلد اللجوء التي يحط اللاجئ رحاله المتمثلة في قميص وبنطال فيها.

قد لا يذكر اللاجئ اسمه الذي يحمله في جواز سفر مزور عبر تجار التهريب، وما إن يصل إلى آخر بلد يُوَقِع فيه، لا يتعرض وفقا للقانون للمساءلة حول الوثائق الرسمية، فتلك إحدى البنود بناء على اتفاقية جنيف التي وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة عليها عام 1951م والمتعلقة بحقوق اللاجئين، كما لا بد من التذكير بمعاهدة دبلن الداخلة حيز التنفيذ في 1997م والتي تم تعديلها ومن ثم شبه إلغائها.

ومن رؤية أعم وأوسع، لوحظ تمييع القانون في التعامل مع اللاجئين بما يخدم مصالح الدول المضيفة للاجئين، فتارة تستغل قضيتهم في مصالح بلادهم ليصبح اللاجئ ضيفاً عزيزاً، وتارة أخرى يصبح هو ذاته الإرهابي الأكبر، وجواز السفر السوري يتطاير فوق جثث القتلى فيصور في الجو من بين اللهب.

ولا يزال قهر اللاجئين مستمرا، فَجَرُّ قضيتهم إلى وحول السياسة عبر فتح الحدود وإغلاقها عليهم تِبعا وتناسباً مع العلاقات السياسية الدولية لم تكن آخر أدوات القهر، بل امتدادا للاعتقالات سواء في السجون أو في الغرف التي يطلق عليها (كامباوند)، أو غيرها من الملاحقات غير القانونية بحجة عدم امتلاك الوثائق الرسمية، والابتزازات المتعددة.

وهنا لا بد من الإشارة إلى المسؤولية التي تتحملها الجهات الفاعلة في هذه القضايا من الملاحقة القانونية لمخالفة القانون الدولي، في ظل عجز المعارضة السياسية السورية عن هذا الموضوع الكبير، وتخلي المجتمع الدولي عن مناقشته فضلا عن متابعته، ليترك المجال للفوضى تسود الحالة.

بينما في سياق جر القضية الإنسانية إلى وحول السياسة، فتزداد في الآونة الأخيرة موجة الدعوات في ألمانيا لترحيل اللاجئين السوريين. حيث أطلقت جماعة معادية للهجرة حملةً منظّمة للضغط على الحكومة الألمانية واستخدم منظمو الحملة خطاباً متناغماً مع سياسات الأحزاب اليمينية الصاعدة بقوة، بحجة انتهاء الحرب على الإرهاب المتمثل بداعش، وتغاضي النظر عن أدوات الإرهاب الأخرى.

 

وبعد أن قذفت أم موسى أبناءها في اليم، ودفعت بهم لأن يخرجوا من أرض حكمها فرعون بالنار، اشتاقت على ما يبدو لهم، أو لم يستطع بعضهم البقاء دونها، فبدأنا نسمع بموجات عودة إلى البلد الذي لا زالت الحرب مستمرة فيه، سواء باختيارهم أو هربا من جور الغريب، أو أملا في أن تسترد حقوق أصحاب الأرض بعد أن استوطن فيها الأغراب، احتلالاً وبغيا، ضمن مؤامرة، ممثلوها كُثر، ومخرجها واحد، وضحيتها شعب بأكمله.

فاتح حبابه

إعلامي سوري

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد