دين وحياة

القوامة، حق للمرأة وليست تفضيلا للرجل

دين وحياة

القوامة في الإسلام، ليست مجرد مصطلح، نمر عليه مرور الكرام. ولكنه من الأحكام الشرعية والضوابط الهامة والأساسية بين الجنسين، قانونيا وأسريا.

وماهو ملاحظ في مجتمعاتنا العربية، ومنها المجتمع التونسي، أن قوامة الرجل على المرأة، رسمت أولى ملامحها، طبقا للأعراف والتقاليد السائدة، التي تعلي من قيمة الذكر وتفضله على الأنثى، دون العمل بما تقتضيه الشريعة الإسلامية.

وقد تعيش الزوجة، لسنين وسنين، تحت حكم زوج لا ينفق عليها ولا على عيالها ويتجبر ويتمادى في إذلالها بعذر حقه في الولاية والقوامة عليها، متناسيا أن القوامة الشرعية لا تتحقق إلا بالإنفاق.

 

وسعينا اليوم للتعريف بمثل هذه القوانين الإلهية، السامية، ليس بحثا عن الإلهاء، بل هو بغية التوعية والإصلاح وحتى الإرشاد،  من أجل أسر إسلامية، متماسكة، تساوي بين الذكر والأنثى وتسعى لغرس مبدأ يقوم على توضيح الدور المكلف لكل فرد إنساني في هذه الحياة، قائم على العمل الصالح، “من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون” ( النحل 97)

 

مفهوم القوامة، لغة واصطلاحا

القوامة في اللغة من قام على الشيء يقوم قياماً: أي حافظ عليه وراعى مصالحه، ومن ذلك القيِّم وهو الذي يقوم على شأن شيء ويليه، ويصلحه، والقيم هو السيد، وسائس الأمر، وقيم القوم: هو الذي يقوّمهم ويسوس أمورهم، وقيم المرأة هو زوجها أو وليها لأنه يقوم بأمرها وما تحتاج.

والقوّام على وزن فعال للمبالغة من القيام على الشيء، والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد. قال البغوي – رحمه الله -: “القوام والقيم بمعنى واحد، والقوّام أبلغ، وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب”.

أما اصطلاحا، فهي ولاية الأمر، التي حددها الفقهاء، بالولاية على القاصر والوقف والزوجة.

وبذلك، نستخلص، أن القوامة، ليست بمعنى التفضيل ولكنها لبيان الدور والوظيفة والواجب.

 

القوامة في القرآن الكريم

وردت لفظ القوامة، في الآية 34 من سورة النساء، “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ..” ليبين المولى سبحانه وتعالى، دور الرجل، الذي يجب أن يكون قائما على شؤون بيته، من الرعاية وحسن المتابعة وحتى واجب الإنفاق.

ولكن بعض العلماء والمفسرين، كان لهم تفسير ظاهري و قراءة سطحية للآية الكريمة،  بهدف التقليص من دور المرأة وإنكار مكانتها التي حباها بها المولى سبحانه ولتمييز الرجل عليها.

 

يفسرون الآية 34، من سورة النساء لصالح الرجال

ما لاحظته، خلال بحثي في مفهوم القوامة، أن  الكثير من المفسرين للآية 34، من سورة النساء، يأخذ بظاهر الآية وسرعان ما يبرزون تفوق الرجل على المرأة وأن المولى سبحانه وتعالى قد ميز الذكر على الأنثى وجعل فيه من محاسن الصفات مالم يجعله في الأنثى.

لا بل ويتوقفون كثيرا، عند قوله تعالى “بما فضل بعضهم على بعضهم”،  قائلين بأنه تفضيل وهبي، أي أن الله قد وهب الرجال من المميزات في الدنيا، بأن جعلهم من الأنبياء والرسل ومن السلاطين والحكام وأصحاب القرار في الطلاق والجهاد والغزو، ما فضلهم على النساء.

 

المجتمع العربي، الرجال قوامون على النساء

في فكر المجتمع العربي وحتى لو صادف وتطرقت إلى نقاش، حول الثنائي، المرأة والرجل، ومفهوم القوامة، داخل الأسرة أو مع الأصدقاء، فلا تعجب إذا أجمع الكل على أن الرجال أفضل من النساء وأنهم ليسوا هم من قالوا بذلك، بل الله، سبحانه، يقول أن الرجال قوامون على النساء.

هذه القراءة السطحية، للآية الكريمة، أصبحت متجذرة ومتوارثة، لذلك تجد للولد، مكانة عظيمة عند الأسرة، على غير البنت وقد تجد الكثير من الآباء يفرحون إذا بشروا بالذكر ولا يفرحون بالأنثى وقد تجد بعض الحموات أو حتى الأمهات، حريصات ، على أن يكون الحفيد ذكرا. وهي ليست ظواهر مصطنعة أو مقتبسة ولكنها، عادات وتقاليد وأفكار بائسة، في المجتمعات العربية.

 هذه القوامة، أفقدت المرأة العربية المسلمة، حقوقها وضربت بها عرض الحائط، فصارت جارية عند أخيها وأبيها وزوجها وحتى أبنائها في بعض الأحيان، بدعوى أن الرجل هو ولي أمرها وعليها خدمته وخدمة كل الأسرة، فحين قد ترى في بعض الأسر، الذكر، ينام ويصحو ويقضي كامل يومه في التشات وتقوم أخته بجميع الأعمال، داخل المنزل وخارجه، علاوة على خدمته، فهو قوام عليها، هذا ما تعلمه من الأسرة والمجتمع.

وعموما، لا يجب، علينا، التوقف، عند هذه الأعراف، التي عملت على بث ظواهر غريبة، عن الدين الإسلامي وأفرزت أجيال، لا تقر بمكانة المرأة وأفضليتها ومساواتها، بالرجل. وتصر كل الإصرار، على أن جنس الرجل أفضل من جنس المرأة في حين أن الله، لم يفرق بينهما إلا بالتقوى وقد ساوى الحبيب صلى الله عليه وسلم بينهما، “النساء شقائق الرجال”.

 

القوامة، حق للمرأة وليس تفضيل للرجل

بعض المفكرين الإسلاميين، منهم الدكتور والمفكر الإسلامي الفلسطيني، بسام جرار، كان له، تفسير آخر، لهذه الآية الكريمة، التي أقرت أن القوامة هي حق للمرأة وتشريفا لها وليس تفضيلا للذكر عليها. “الكثير من أهل التفسير يذهبون إلى أنّ المعنى هنا يرادف قولَنا: بما فضلهُم عليهنّ.

وهذا مذهب تدعو إليه الأفكار المُسبقة لدى الكثيرين والمتعلقة بنظرتهم الخاصّة إلى المرأة. أمّا النّص القرآني فهو في غاية الوضوح، حيث يقول سبحانه وتعالى: بما فَضّل اللهُ بَعضَهُم على بعض؛ فالرجل مُفضّل على المرأة، والمرأة مفضّلة على الرجل. ومعلوم أنّ الفضل في اللغة هو الزيادة.

ولا شك أنّ لدى الرجل زيادة شاءها الخالق الحكيم لتتناسب مع وظيفته، ولدى المرأة زيادة تتناسب مع وظيفتها. وعليه لا نستطيع أن نُفاضل بين الرجل والمرأة حتى نُحدّد الوظيفة…. ففضل الرجل أنتج واجباً، وفضل المرأة أنتج حقاً…وإذا كان الرجل قوّاماً يؤدّي واجباته ويمارس وظيفته، فلا بد أن يقابل ذلك ما يُكافئه من الحقوق.

والعجيب أنّ معنى القِوامة عند الكثيرين يُرادف معنى الحق الذي هو للرجل على المرأة، في حين أنّ معنى القِوامة في اللغة يشير بوضوح إلى الواجب الذي هو على الرجل تجاه المرأة، أي أنه حقّ المرأة وليس حقّ الرجل. أمّا حق الرجل فهو الأثر المترتب على قيامه بواجبه، وهو المردود المتوقّع نتيجة القيام بالوظيفة.”

وبذلك نستنتج، أن القوامة هي حق شرعي للمرأة وليس تفضيلا للرجل عليها وبالتالي هو تشريف لها، يعلي من مكانتها الأسرية والاجتماعية ولا يقلل من قيمتها ولا حجمها ولا صورتها. فالدين الإسلامي، الحنيف، قد كرم المرأة ورفع من شأنها وهي خليفة لله في الأرض وليست مجرد أمة، تخدم وتشبع غرور الجنس البشري.

 

القوامة لا تتحقق إلا بالإنفاق

قوامة الرجل على المرأة، هي قاعدة، لا يمكن أن تكتمل وتتحقق الا باكتمال شروطها، منها شرط الإنفاق.

فالرجل قوام على المرأة بما ينفقه، على أهل بيته وعياله. والكثير من الأسر المسلمة، للأسف، تشهد جبروت الأب وتسلطه، دون أن ينفق عليهم ولو مليما واحدا. ويعتبر أن ذلك التسلط حق شرعي، في حين أن هذا الحق يسقط إذا لم تكتمل شروطه.

 

في الحقيقة، كنت أحاول البحث، في هذا الباب الذي يشترط أن تكون القوامة على المرأة، الإنفاق، وأن ولاية الذكر على الأنثى، لا تستكمل إلا إذا توفرت فيها، شرط التفوق المالي.  ولكن ما استنتجته، أن القوامة، في القرآن الكريم،  أشمل بكثير من فكرة الانفاق، هي تعظيم وتكريم لمكانة المرأة المسلمة، بأن جعل الله سبحانه وتعالى، القوامة حقا لها، لا عليها، وميزة لها، وليس تقليلا من شأنها.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.