الرئيسي

أدب المقاومة والتحرّر الإفريقي.. نقض أسطورة “الرجل الأبيض الطيّب”

بقلم: الصغير شامخ

 

كانت “هند” تدرك خطورة اللغة وهي تنادي “بلال” وتأمره ليعاقب “عمّار بن ياسر” قائلة: “اجلده تقديرا لفصاحته”. فقد أسقط أعمدة خيمة أسطورة قبيلتها باللّسان.

 

الصغير شامخ

تطوّر الأمر من الشفوي إلى التدوين لتصبح الكتابة فعلا مقاوما بامتياز، ذلك ما كشفته تجارب كتابات ما بعد النكبة في فلسطين، وما تكتنزه روايات أمريكا اللاتينيّة الخالدة.

فهاهو السيناريست الفلسطيني حسن سامي يوسف يطرح على لسان “أحمد” في رواية “الزورق” السؤال الجوهري حول مدى الظلم والاضطهاد الذي حل بالشعب الفلسطيني، فيقول:

“… وفي الجغرافيا أيضًا، شيء لم يقع من قبل ولا يبدو أنه واقع من بعد، متى وأين حدث أن تم إجلاء شعب من أرضه بقوة السلاح من أجل أن يقيم في تلك الأرض شعب آخر جاؤوا به من مشرق الأرض ومغربها”.

 

 

وهاهو الروائي الغواتيمالي خوسيه ماريا أراجيدس يسطّر رائعته “السيد الرئيس”، ليطرق من بؤرة سرديّة مقعّرة جحيم ما كان يمارسه في إفريقيا أيضا أدب مقاوم على جبهتين داخلية وخارجيّة لا يراه كثيرون.

يقول هيغل “ما تمثله إفريقيا لنا هو الروح اللاتاريخية الغير متطورة، التي تشكل الظروف الطبيعية كل حياتها والتي كان علينا تمثيلها هنا فقط كعتبة لتاريخ العالم”.

لكن الفيلسوف الألماني ليس الأوّل أو الوحيد الذي ينظر إلى القارّة السمراء باعتبارها بؤرة للموت، انطلاقا من”قانون سائد” مفاده أنّ إفريقيا تقف على تخوم الوعي والتاريخ، بل إن كثيرا من فلاسفة وأدباء أوروبا في القرن التاسع عشر قد مارسوا أبشع أنواع العنصريّة ضدّ المستعمرات القديمة التي مارس “الرجل الأبيض” ضدّ شعوبها وتاريخها أبشع جرائم الاستعباد في التاريخ.

“يبدأ التاريخ عند مغادرة إفريقيا”، هكذا حكمت عنصريّة الفلسفة والأدب، فهذه القارة مثّلت ذلك المكان السابق على الوعي والواقع خارج التاريخ.

أسطورة “الرجل الأبيض” العنصريّة بدأت وانتشرت وهيمنت، لا فقط عبر الاستعمار العسكري المباشر أو عبر الاستتباع الاقتصادي، بل عبر “سرديّة” عنصريّة نشأت من عقدة اللاّتاريخ الأوروبي التي طمست كلّ مقوّمات إمبراطوريات حكمت العالم وسطّرت حدود الجغرافيا ومعالم التاريخ بثقافات محليّة صنعت “ثقافة الرجل الأبيض الأوروبي” على ظهرها.

 

لطالما كانت إفريقيا قارة الاقتتال والانقلابات والاستعباد في السينما والمسرح والفلسفة وحتى الأدب والوثائقيّات، كأنّ السفر إليها سفر في التاريخ والزمن لا سفر في الجغرافيا فحسب.

فكان أن ولد داخل اللاّتاريخ واللاّوعي وعي وتاريخ تجاهلته السرديّة الرسميّة للإنسان وصرحت به الروايات والكتابات الصاعدة على محامل مختلفة معلنة نهاية “إمبراطوريّة” متخفّية بمقولات “الدولة الأمّة” التي طمست التنوّع والثقافات المحليّة خارج الجغرافيا المهيمنة المدجّجة بأسلحة الهيمنة الثقافيّة الفتّاكة.

هكذا صرح إدوارد سعيد وحميد دبّاشي وقبلهم دبّيش شاكرابارتي وشاكرافورتي سبيفاك، وصولا إلى والتر منييلو، معلنين عصيانا إبستيمولوجيّا ينسف جغرافيّة المعرفة وعنصريّة الثقافة معلنين ثورة واضحة المعالم في الأدب والفلسفة والفن خارج أوروبا في مجالات ظلّت منسيّة من بينها إفريقيا.

 

في إحدى أيّام خريف 1974، كان أستاذ التاريخ النيجيري “تشينوا أتشيبي” يقطع طريقه نحو صفّه في جامعة ماساتشوستس الأمريكيّة، عندما استوقفه أحد الأساتذة ليسأله ما إذا كان طالبا بالجامعة، فأجابه بأنّه ليس كذلك وأنّه يدرّس الأدب الإفريقي. وجد السائل الإجابة مضحكة، وأردف أنه لم يتصور يوماً أن لإفريقيا تاريخا أو أدبا، تبدو حادثة “عرضيّة” إلى هذا الحدّ ولكنّها تسبّبت في شعور بالظلم والعنصريّة والتبخيس بشكل أثار وقعا كبيرا في نفس “تشينوا” ليتحف العالم بواحدة من أروع الروايات التي تشعّ بالحياة وترسم حدود “نهاية أسطورة الرجل الأبيض الأوروبي”.

 

رواية أشياء تتداعى

كتب “تشينوا أتشيبي” روايته الشهيرة “أشياء تتداعى” التي تدور أحداثها في قرية “أوموفيا” الخيالية، بين شعب الإيغبو الحقيقي الذي أتي منه الكاتب، ليرسم حدود الوهم بسردية تحارب لأجل الحفاظ على ثقافة محليّة يأتي المستعمر الأوروبي للقضاء عليها بشتى السبل، وعندما يغادر يرجمها بشتى أنواع العنصريّة توصيفا وتأريخا معلنا “أكونكو” بطل الرواية جامعا بين صفات كلّ أولئك الذي ألهموا الرجل الأبيض في التاريخ باستثناء كونه “سيدا إفريقيّا أسود”.

“كبرت، وبدأت القراءة عن المغامرات. ولم أكن أعرف حينها أنني من المفترض أن أكون في جانب أولئك الهمج الذين واجههم الرجل الأبيض الطيب. انحزت إلى البيض بشكل غريزي. فقد كانوا رائعين! كانوا متميزين، كانوا أذكياء، أما الآخرون فلم يكونوا.. بل كانوا أغبياء، قبيحين. حينها، عرفت خطر عدم امتلاك قصصك الخاصة. هنالك مثل إفريقي يقول “حتى تجد الأسود مؤرخيها، سيظل تاريخ الصيد يمجد دائماً الصياد”. لم يخطر لي ذاك المثل على بال سوى بعدها بكثير. عندما أدركت مغزاه، كان عليّ أن أكون كاتباً، أن أكون أنا ذلك المؤرخ.”، هكذا اختزل “تشينوا” سبب كتابة “أشياء تتداعى” معلنا توظيف قلمه في صناعة سرديّة مقاومة.

 

تشينوا أتشيبي

أدب المقاومة في إفريقيا لم يكن جبهة تفتح صراعا ثقافيا على واجهة واحدة للردّ على سرديّة من وراء البحار فحسب، بل كان على جبهتين ثانيها داخليّة تتمثّل في الآثار التي خلّفتها سيطرة تلك السرديّة العنصريّة المهيمنة في نفوس الإفريقيين أنفسهم، “تشينوا” يعلّق في هذا الموضع بالقول “الرجل الأبيض غاية في الذكاء. جاء بدينه في هدوء وسلام. تعجبنا من حماقته وسمحنا له بالبقاء، حتى تمكن من استمالة إخوتنا إلى جانبه وما عادت في قدرة عشيرتنا الاتحاد”.

 

ثقافة “الإيغبو” المحليّة في مواجهة ثقافة المستعمر الوافدة وقصص شعوب إفريقيا في مواجهة الصورة العنصريّة “الحيوانيّة” التي ترسّخت في الأذهان، وقبل ذلك وأثناءه وبعده، تاريخ يرسم بالسرد ما سقط من التاريخ الرسمي من روايات وملاحم وخصوصيات تحارب جهلا عرقيّا مهيمنا بأسطورة أنشأت على أطرافها أدبا مقاوما للتأورب الثقافي والاستعمار بأوجهه المتعدّدة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد