رأي التحرير

عن الأمن القومي العربي المزعوم

رأي التحرير

قبل أيام قليلة فقط في القاهرة، انعقد اجتماع وزراء الخارجية العرب الذين دعوا، على عجل هذه المرة، للنظر في ملف الخطر الإيراني على المنطقة، وهي النقطة الرئيسيّة والوحيدة التي أدرجت  في جدول الاعمال.

 كان من الممكن قبول هذه الاستفاقة الفجئية، بل الترحيب بها، لو أن القادة العرب استعادوا قدرا من الوعي المفقود  وأخذوا أمورهم بالجدية المطلوبة، للدفاع عن أمنهم ومصالحهم العامة في وجه التدخلات الأجنبية، أيا كان مأتاها..

لكن أن تكون هذه الهبة  في وجه إيران فقط، فهناك ما يدعو الى الريبة والشك.. 

 طبعا، ايران ليست بريئة من الرغبة في اكتساب مناطق نفوذ والتمدد في العالم العربي، وهي دولة قومية تبتغي تثبيت مصالحها والدفاع عن وجودها إزاء ما تراه مهددات لأمنها القومي، ولكن ثمة مجموعة من المعطيات ينبغي التوقف عندها هنا:

 أولا: مهما كانت الإعتراضات والتحفظات على سياسات إيران، لا يمكن القفز على حقائق التاريخ والجغرافيا، فهي تظل في نهاية المطاف دولة جارة ومسلمة، ومن أراد ان يحد من النفوذ الإيراني ما عليه إلا ان يشمر على ساعديه ويثبت نفسه في الساحة الإقليمية، في إطار التدافع المعروف بين الدول والأمم

ثانيا: إن  إيران تتمدد في المنطقة بسبب الأخطاء القاتلة التي اقترفتها، ولا تزال، الدول العربيةلم يسلم المنطقة لإيران على طبق من ذهب غير السياسات العربية الرعناء في أكثر من موقع..

ضخت دول الخليج أموالا هائلة في الحرب العراقية الإيرانية، ثم انقلبت على العراق، بعد اقترافه حماقة غزو الكويت،  وأسلمته للامريكان..

 وحينما حدث الفراغ في العراق، بعد الإنسحاب الأمريكي، إثر هزيمة قاسية، دسّت الدول العربية وجوهها في التراب، وتركت الميدان واسعا لإيران كي تتمدد بكل أريحية في الساحة العراقية وتعيد بناء التركيبة الديمغرافية والمذهبية كما يحلو لها..

 وفِي اليمن، تجندت دول الخليج ضد الثورة اليمنية ومدت حبل النجاة لعلي عبد الله صالح قبل أن ينقلب هو عليها وينشئ تحالفات جديدة.. وها هي إلى اليوم تتخبط في حرب دامية لا أفق لها..

 السؤال المطروح هو: من أعطى فرصة للإيرانيين كي يبسطوا نفوذهم على اليمن؟ أليست الرغبة في الانتقام من ثورة اليمنيين على الحكم الفردي لعلي عبد الله صالح، حليف الأمس، عدو اليوم؟

 ثالثا: من الواضح اليوم أن مناهضة إيران ترمي لاكتساب بطولة مزيفة، بغية التستر على سياسات مدمرة، من خلال نسج تحالفات مع اسرائيل باتت معالمها جلية للجميع، والضغط على الفلسطينيين للقبول بالشروط الأمريكيةالإسرائيلية في ما صار يعرف بصفقة القرن، ومواراة أزمات الحكم والصراعات الداخلية المستشرية..

 كل هذا يُغطَّى زورا وبهتانا بالدفاع عن الأمن القومي العربي.. وليس في الواقع  إلا نقيضَه: تدميرٌ منهجي للأمن القومي العربي،إن استبقى جيل الحكام الجدد ومعاونوهم شيئا منه أصلا..  

الوسوم

سمية الغنوشي

رئيس تحرير مجلة ميم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “عن الأمن القومي العربي المزعوم”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.