مدونات

على شواطئ دجلة.. مُر

بقلم: رحمة الراوي

ينطلق صوت “دودو شلومو” من على المسرح وهو يغني بلهجة عراقية ولحنٍ غربي: “على شواطئ دجلة.. مُر، يا منيتي وكت الفجر”، أشعر بأن هناك شعوراً خفياً يتحرّك بغرابة داخل قلبي، أهو الميل للأغنية التي تملأ الرأس بأيام بعيدة؟ أم هو المغني.. وعراقيّته التي توارت! ما الذي يربطني بالمغني؟

المغني “دودو شلومو” المواطن في إسرائيل حالياً، هو حفيد لملحّن عراقي قديم هو “صالح الكويتي”

عُرف الكويتي بتلحينه لأغانٍ عراقية كثيرة، ما تزال تغنّى حتى الوقت الحاضر، بموسيقى عراقية مميزة كُتب عنها الكثير، ألّف صالح الكويتي مع شقيقه داود كثيراً من ألحان أغاني بداية القرن العشرين، وغنّت بألحانهم سليمة مراد باشا وغيرها..

أُسقطت الجنسية العراقية عن الكويتي وعائلته كحال يهود العراق كلّهم مع بداية نشوء كيان إسرائيل، وتم ترحيلهم، غادر الكويتي بغداد وترك فيها ماضيه وإرثه وموسيقاه وحنينه اللا نهائي لدجلة ومياهها، لكنه لم ينس منها شيئاً، فقد ربّى أبناءه على حب العراق وتراثه الغنائي وموسيقاه، حتى ظهر فجأة حفيده “دودو شلومو” يقف ويغني لدجلة!

رغم أن مشاعري كانت مرتبكة وأنا أشاهده يغني، لكنني لم أتوقف أبداً ومنذ عدة سنوات عن توجيه نفس السؤال لنفسي ولكثير من الأصدقاء: ما الموقف الذي عليّ/ علينا اتخاذه من هذه الأمور وهؤلاء الأشخاص؟

 

 

مواطن إسرائيلي ما يزال يقيم فيها حتى اليوم، يغنّي بلهجة عراقية حنيناً لدجلة، هل أشفق على عراقيّته التي سلبت منه؟ أم أتراجع عن ذلك وأتخذ موقفاً معادياً منه كونه ما يزال مواطناً في دولة محتلة؟ لماذا لم يغادرها مثلا؟ ما موقفه منها؟ كيف يرى ما تفعله الحكومة الإسرائيلية بالفلسطينيين وأراضهم؟ وسيل لا يتوقّف من الأسئلة، لا أدري إن كنت أفتقد إجابته، أم إنني أتهرّب منها وحسب..

يشبهه الندم الذي ينتابني بين وقت وآخر وأنا أتابع عدداً كبيراً من الكتاب والمفكرين والأدباء والمترجمين على مواقع التواصل الاجتماعي، وأقرأ، بذهول غالباً، آراءهم فيما يخص الأوضاع دائمة الاضطراب في بلداننا، فأرى أحدهم يتزلّف لمجرم وينعته بـ “المقاوم”، وآخر كل ما لديه مديح سلطة دولة ما، وهكذا بلا نهاية، الندم يتشكّل بصورة: لماذا أتابعهم؟

لكن هذا ليس ذنباً قطعا، لقد وجدنا أنفسنا فجأة نرى بشكل مباشر ومرئي عدداً ممّن كنا نقرأ لهم ونصنع لهم صوراً متخيّلة، رائعة ومثالية، مناسبة لما نراه نحن ونريده، لكن هذا ليس الحقيقة، أين يكمن الخلل؟ فينا نحن الذين رسمنا صورة ورأينا أخرى؟

ربما كان علينا أن نكون أكثر واقعية! وربما الخلل فيهم، هم الذين كانوا مثاليين وأخلاقيين في كتبهم، بينما ظهر العكس في لحظات الكتابة السريعة والانفعالية على مواقع التواصل..

والتساؤل يستمر، هل أستمر بمتابعتهم؟ وماذا عن كتبهم، هل أتوقف عن قراءتها؟ واتخذ منهم موقفاً أخلاقيا في مواجهة مواقفهم المخيّبة والمحبطة واللا أخلاقية؟

وفي لحظة ما، أجد نفسي أعودلأفتح فيديو الأغنية وأسمعها، أقول: هذا هو العراق في النهاية، سيّد التناقضات، أستمع لقاتلي يغنّي بصوته الشجيّ، مثلما أستمع لمغنٍ إيراني يغني بصوته العذب، دون أن أسأل نفسي: كيف يراني؟ هل يؤيد قتلي؟ ما موقفه من ميليشيات بلاده المتواجدة في الأنحاء؟

ومثل أن أمدّ يدي لأساعد امرأة مسنّة أشفق عليها وتبدأ تحدثني عن ابنها الذي كان قاتلاً، وبفخر..وهو شبيهبالموقف الذي حدث معي قبل سنوات قليلة، حين جلست جواري امرأة مريضة تنتظر دورها للدخول إلى الطبيب، وتبادلنا الحديث، كان ودودة وعطوفة، وحزنت لمرضها، حتى جاء زوجها وبدأ يحدّث كل من كان في غرفة الانتظار عن بطولاته الكثيرة في عمله السابق كقاتل ضمن مجموعة مقاتلة، وعمله السابق في ميليشا داخل العراق، وكان يتباهى وهو ينظر من خلال النافذة إلى سيارته وبأنه استطاع شراءها برواتب عمله..

لقد ظلّ هذا الموقف يخنقني لفترة طويلة: ماذا أفعل بتعاطفي مع زوجته؟ ما ذنبها أصلا؟ وكثير من الشتائم التي كنت ألوم بها نفسي وتلك المشاعر المتسرّعة، لكن، ما هي المشاعر إن لم تكن هكذا؟

يتكرّر السؤال وتتعدّد صيغه، والجواب يظلّ محيّراً، عالقا في مكان ما، ما هو موقفي من شاعر لديه شعر رائع لكنه يقف مع مجموعة قاتلة تحمل سلاحها ضدي وضد ما أؤمن به؟  الإنسان كما يُقال موقف، لكن أي موقف هذا الذي عليّ اتخاذه؟ ولأي طريق أتوجّه؟

ربما هو مأزق من يبحث عن الأخلاق في قذارة هذا العالم، والموقف أمام من لا يملك موقفاً سوى جيبه، من يبحث عن الشعر فقط، والأغنية، والكتاب.. ولأن هذا غير ممكن في أي زمان ومكان، نجد أنفسنا محاصرين، لا نستمتع بالأغنية ولا القصيدة ونغمض أعيننا عن الكاتب حين نقرأ كتابه.. لكن دجلة وحده هو الذي يستمر بالسير، بهدوء وتأمل، ينتظر دائماً من يغني أمام شواطئه منتظراً محبوبه البعيد: على شواطئ دجلة.. مُر، دون ان ينتظر إجابة من أحد.

رحمة الراوي

كاتبة عراقية

مقالات ذات صلة

اترك رد