مجتمع

حين يتحول تزويج القاصرات السوريات إلى تجارة

مجتمع: حكايا اللجوء السوري

مجلة ميم/ أسامة مكية 

في منطقة “الفاتح” في مدينة اسطنبول التركية، تجتمع مئات العائلات السورية التي اتخذت من المكان مركزاً لها، فبتجولك في المنطقة، قد يخيل لك أنك تمشي في إحدى شوارع مدينة دمشق القديمة، فالأسر السورية تنتشر هناك بكثرة، وكذلك المحلات إضافة إلى الجمعيات الخيرية والإغاثية والمكاتب التي تعنى بشؤون اللاجئين السوريين، هذا ما يبدو ظاهراً، لكن هذا المشهد قد لايبدو وردياً حينما تجد مكاتب وجمعيات تتخصص في تزويج الفتيات السوريات بشكل سري، ومنهن قاصرات إلى رجال مسنين من دول عربية أخرى وخصوصاً “الخليجية” مقابل عمولات معينة لأصحاب تلك المكاتب والجمعيات، حيث يعتبر حقوقيون أن حالة الفقر الشديد لدى كثير من الأسر، هي الدافع وراء حالات الزواج في تركيا، لاسيما في ظل الرواتب المتدنية غالباً، وارتفاع تكاليف المعيشة.

 

وعلى الرغم من عدم إمكانية إحصاء جميع زيجات القاصرات في تركيا، لأنّ جزءاً كبيراً منها لا يسجّل رسمياً، إلا أنه، وخلال بحثنا عن الموضوع، وجدنا تصريحا للنائبة التركية زينب ألتي أوك عن ولاية أزمير، تقول فيه أن هناك حالات زواج لفتيات قاصرات سوريات بعمر 13، 14 و15 عاماً مقابل مبلغ مالي يصل إلى 5 آلاف ليرة أو أكثر، مشيرة إلى وجود نحو 300 حالة زواج مكتشفة، وفي بعض الأحيان تعمل عائلة الفتاة على “تكبير عمرها” بشكل غير قانوني ثم تزويجها مقابل الحصول على مقابل مادي.

 

هبة ونادين فتاتان سوريتان، الأولى تبلغ من العمر 15 عاماً والثانية تبلغ 23 عاماً، وقعتا في مصيدة هذه الأنواع من الزيجات، وسنحاول في هذا التحقيق من خلالهن تسليط الضوء على هذه الظاهرة.

 

جمعيات خيرية لتزويج الفتيات 

تكثر في مدينة اسطنبول التركية الجمعيات التركية والإغاثية التي تقدم خدماتها للاجئين السورين بشكل عام، إلا أن بعضاً منها استغل الاسم وجعله مصيدة للإيقاع بفتيات سوريات وتزويجهن مقابل الحصول على عمولات.

وقعت هذه الحادثة مع هبة ذات الـ15 ربيعاً من مدينة حلب شمالي سوريا، حيث انتقلت للعيش في تركيا مع والدتها، ولضيق الحال، ولعدم امتلاكهن ثمن إيجار الشقة، تم إرشادهن إلى سيدة سورية تؤمن مسكنا للفتيات فقط بدون أي مقابل مادي، ومن هنا بدأت الحكاية.

هبة

تقول هبة “استقبلتنا سيدة، وتدعى أم محمود، وهي أربعينية تقول أنها من مدينة إدلب ومسؤولة في جمعية تقدم خدمات للسوريين في مدينة اسطنبول، وقالت لنا إنها ستقدم المسكن والغذاء بدون أي مقابل، لكن، سيتم وبشكل متكرر خلال الشهر دخول أشخاص من جنسيات مختلفة إلى المنزل ليتفقدوا حاجياتنا وهم متبرعون فقط، وأنه من الضروري وجودنا داخل المنزل خلال زيارتهم”.

تتابع الفتاة السورية حديثها “لم يحصل أي شيئ غريب أو يثير الشك خلال أول شهرين من مكوثنا في هذا المنزل، إلا أنه كل فترة، وبعد مجيئ أحد المتبرعين تأتي المسؤولة على المنزل وتقنع فتاة من الفتيات المتواجدات معنا بأن تتزوج من رجل يكبرها بالعمر، وأنه سيؤمن لها حياة كريمة”.

وتضيف “بعد شهرين من مكوثنا في المنزل، أخبرت المسؤولة عن المنزل والدتي ان هناك شخصا يرغب في الزواج بي، رفضت والدتي الفكرة في البداية، لكن إصرار المسؤولة أم محمود على الموضوع بكونه سيحسن من أوضاعنا ويستأجر لنا شقة منفصلة ويتكفل بمصروفنا جعلها توافق. وقد كان أحد الأشخاص الذين يترددون على المنزل ويبلغ من العمر 55 عاماً وهو سعودي الجنسية، قمنا بإجراء ترتيبات الزاوج وقال إنه لا يستطيع تسجيل الزواج في المحكمة حالياً كوني قاصر، واقتصر الموضوع على عقد قران عند أحد الشيوخ”.

وتسترسل هبة في حديثها “بعد عقد القران، اصطحبني معه لإحدى الشقق المستأجرة، وطلب من والدتي عدم المجيئ خلال الفترة الأولى كوننا متزوجان حديثا، وطالت الحكاية وتغيرت تصرفاته، بعد إصراري بعد شهرين على مجيئ والدتي للعيش معي، فقام بتطليقي وقال إنه سيسافر وليست لي أية حقوق، وعند ذهابي لمنزل الجمعية الذي تسكن فيه والدتي طلبت منا المسؤولة الخروج من المنزل في اليوم التالي بدون أي سبب”.

 

بحث معد التحقيق عن اسم الجمعية والجهة التي تقف وراءها، فتفاجأ بأن ليس لها وجودا من الأساس، وأن الموضوع عبارة عن عملية سمسرة لزواج الفتيات، وعند اتصالنا برقم مسؤولة المنزل أم محمود، قالت إنها ليست أم محمود ولا تعرف أي شيء عن هذه القصص وأنها متواجدة في مدينة إزمير التركية وليس في اسطنبول. 

 

مكاتب عمل لجذب الفتيات 

نادين، فتاة تبلغ من العمر 23 عاماً، تعرضت لحالة مشابهة بتزويجها من رجل مسن، لكن جاءت هذه المرة من أحد مكاتب تشغيل السوريين، تروي نادين قصتها لمجلة ميم فتقول “سافرت إلى تركيا في العام 2015، وبطبيعة الحال فإنه لا مجال للجلوس في بلد تكلفة العيش فيها باهظة، فكان لابد من البحث عن فرصة عمل،

نادين

إلى ان صادفت إعلانا على مواقع التواصل الاجتماعي تطلب فيه عاملات بدون خبرة وبأجر مغر، تواصلت مع الرقم المرفق في الإعلان، وتم سؤالي مجموعة من الأسئلة، البلد والعمر والحالة الاجتماعية ومكان السكن، وهل أعيش وحيدة أم مع عائلتي، ثم طلب مني صورة لجواز سفري وصورة شخصية، بعد يومين عاود الاتصال بي مرة أخرى، وطلب مني القدوم إلى عنوان مكتب في منطقة “اكسراي” في مدينة اسطنبول”.

تتابع نادين “عندما دخلت إلى المكتب شاهدت 5 فتيات جالسات في المكتب، وهو مكتب لبيع وتأجير العقارات للعرب، لكن تبين أنه واجهة فقط لعرض الفتيات العاملات فيه. بعد حوالي أسبوعين أخبرني صاحب المكتب أن رجلاً من الزبائن يرغب في الزواج بي، وحاول إقناعي بالموضوع، إلى أن وافقت، وكان رجلا يبلغ 50 عاماً وهو من الكويت، قمنا بعقد القران عند شيخ، على أن تثبيت عقد الزواج سيتم بعد أسبوع، لكن تفاجأت أنه سافر إلى بلده بعد انقضاء الأسبوع، وإلى حد الآن لا أعرف عنه أية معلومة، وعندما سألت صاحب المكتب العقاري كان جوابه بأنه لايعرفني ولايعرف عن ماذا أتكلم”، وتضيف نادين “بعد أشهر قام الأمن التركي بإغلاق المكتب العقاري كونه يعمل في الهجرة غير الشرعية، وتأجير شقق الدعارة”.

 

حملات للتصدي 

كثيرة هي الحملات التي أطلقت للحد من هذه الظاهرة التي لم تتوقف ولا تزال مستمرة، وأشهرها حملة “طفلة لا زوجة” وهي حملة ضد تزويج القاصرات، أطلقت بهدف حشد الدعم والمناصرة ورفع الوعي للحد من هذا الانتهاك بحق الطفولة والمجتمع، إضافة إلى حملة ”لاجئات لا سبايا” التي أطلقت للحد من تزويج الفتيات في مخيمات اللجوء وغيرها من الحملات الهادفة للحد من تزويج الفتيات بهذه الطرق سواء عن طريق مكاتب أو صفحات الفيسبوك أو مواقع الكترونية، بغض النظر عن حالة الفتاة المراد تزويجها (قاصر – أرملة – مطلقة.. الخ).

ويأتي ارتفاع نسبة الزواج من أجانب لفتيات قاصرات بحسب خبراء اجتماعيين، نتيجة عدة عقبات واجهت السوريين منها المصاعب الاقتصادية مثل صعوبة تأمين متطلبات الحياة الأساسية، ونقص المساعدات الإنسانية المقدمة من قبل المنظمات الدولية، مما يجعل الوقوع فريسة هذه الأنواع من الزيجات في زيادة، في حين  يدفع الأهل لتزويج  بناتهن في سن الطفولة، بحجة “الخوف عليهن وحمايتهن”، وأغلب هذه العائلات أقدمت علي تزويج بناتهن في سن مبكرة للتخلص من العبء الاقتصادي وعدم توفر فرص تعليم آمن للفتيات، لكن تبقى العملية الأخطر في الموضوع هو أنه لايتم توثيق أغلب الزيجات بشكل قانوني.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد