مدونات

تجارة الوهم وضحايا المرض

بقلم: مريم حسن

لطالما آمنت، كالآخرين، بالجن والأرواح الشريرة التي تؤذي الناس، والعين الحاسدة والسحر والشعوذة لأن الجميع كان يتحدث عنها دائما. وكان هناك الكثيرون من المحسودين وممن تسكنهم الأرواح الشريرة، كان كل من يعاني من مرض لا يفهمه الطبيب يقال له لديك مرض روحي اذهب إلى الشيخ.

مريم حسن

كان جميع الأطفال الذين يواجهون مصاعب في الدراسة وتأخرا في مستواهم الدراسي محسودين ومسحورين، كل الفتيات المشاغبات في المدرسة يسكنهن الجن ويتعرضن لتقمصات مخيفة، ثم ذهبت إلى الجامعة. وفي سنتي الثالثة درست مادة علم النفس المرضي، كانت مجرد مقدمة لبعض الأمراض البسيطة ولكنها كانت كفيلة بتحريري من هوس الجن والحسد!

كانت جميع أعراض تلك الأمراض تتشابه الي حد كبير مع أعراض الجن والحسد، بدأت في تلك السنه أثناء حفظي أعراض تلك الأمراض أستحضر من أعرفهم ويعانون من أعراض مشابهة وساعدني هذا في تجاوز الامتحان.

رجعت بعدها لبلدي وبدأت أنظر للناس بعين أخرى ..

كان الجميع مرضي نفسيين، يزورون الشيخ أسبوعيا لجلسات علاج مكلفة، وتذاكر الشيوخ والرقاة الشرعيين تحجز قبل أشهر، والطابور يبدأ الساعة الثالثة صباحا، ذهبت في زيارات للشيخ عدة مرات ورأيت أهوالا كثيرة، كان هناك مصابون بالانفصام والوسواس والهلوسة والشيخ يشفي جميع الأمراض بما يرضي الله من أعشاب مهدئة وزيوت وبخور!

يشهد البعض أنهم يشعرون بتحسن بعد زيارة الشيخ إلى أن ترجع النوبة الثانية.

بدأ الشيوخ والرقاة بتطوير تجارتهم بعد الإقبال الشديد عليها، بدؤوا باستيراد مهدئات جاهزة وأكثر تأثيرا من باكستان وأفغانستان، وازداد عدد الرقاة أنفسهم لأن الناس وصلوا لمرحلة أنهم إذا أصيبوا بنزلة برد حادة، فهم حتما مسحورون ويحتاجون الذهاب الي الشيخ.

 

أين تكمن المشكلة ؟! 

لنتفق أولا أننا في بلادنا نعاني أكثر من الآخرين من أمراض نفسية وعقلية تعود لأسباب كثيرة، أهمها الحروب الأهلية التي عاشها جزء من المجتمع في الماضي، وما عاشوه من تجارب مخيفة، ولا يزال البعض يواجه هذه الحروب في بعض الأجزاء من بلاده حتى اليوم.

دعك من مشاكل الفقر والظلم والبطالة، عندما يواجه الشخص جميع هذه الأشياء يوميا و لا يستطيع النوم في الليل، يذهب إلى الشيخ الذي يقنعه أنه مصاب بالحسد أو السحر ويعطيه بعض المهدئات المؤقتة !

تكمن المشكلة في عدم تقبل هذه الأمراض والاعتراف بها … قل لشخص أنه مصاب بالاكتئاب وسوف يتم تكفيرك في تلك اللحظة، فحتى المتعلمون لا يزالون يرددون أن هذه الأمراض لا تصيب المؤمنين وأن إيمانك سيساعدك على تخطي جميع العقبات، ولكن ماذا عن الجيل الجديد ؟

 

أثناء تقديمي لدورة تدريبية لحماية الأطفال، طلب مني عدم التحدث مطلقا عن التحرشات الجنسية التي يتعرض لها الأطفال، لأن ثقافتنا محافظة وهذه الأشياء لا تحدث

 

أمهات المستقبل مريضات نفسيات 

تحت هذا العنوان تشاركت فتيات كثيرات تجارب مأساوية حدثت لهن في طفولتهن، ابتداء من التعنيف المنزلي وانتهاء بتحرشات جنسية واغتصاب بعد أن طرح أحدهم سؤالا قال فيه “لماذا يسكن الجن في الفتيات فقط ؟”

حكين عن جميع تلك التجارب والعدد كان كبير جدا، قلن أنهن لم يتكلمن قبلها ولم يخبرن أهاليهن.

وعندما تظهر أعراض مرضية على الابن والبنت، يذهب بها إلى الشيخ، أذكر عندما كنت في المدرسة المتوسطة أنه كانت هناك فتاة جديدة يدخل فيها الجن كل يوم ثم تتعرض للضرب وتذهب إلى جلسات علاجية عند الشيخ، لم تكن في الواقع جميع تلك الحالات نفسية، أذكر أيضا فتاة كانت مصابة بالربو عندما تتعرض لنوبة ربو يجثم الجميع على صدرها لأن فيه جني، ويبدأ المعلمون بقراءة القرآن والتعامل بعشوائية، والمجال لا يتسع لذكر جميع تلك الحالات والمآسي.

 

ماهو الحل؟! 

بعد بحث صغير، وجدت أنه لا يوجد في المدينة كلها طبيب واحد متخصص، هناك طبيب أعصاب يأتي إليه الجميع من أقاصي الجنوب والشرق والغرب فقط بعد تفاقم الحالات وقول الشيخ بأن الأمر لله، هناك أيضا أخصائي نفسي وحيد وهو ليس طبيبا ولا يمكنه وصف الأدوية.

 

الوعي أولا هو الحل إضافة إلى تقبل أن هذه الأمراض تصيب جميع الخلق مؤمنين وغير مؤمنين، وعدم محاربة من يتكلمون عنها، أقصد هنا أنني أثناء تقديمي لدورة تدريبية لحماية الأطفال، طلب مني عدم التحدث مطلقا عن التحرشات الجنسية التي يتعرض لها الأطفال، لأن ثقافتنا محافظة وهذه الأشياء لا تحدث، رغم إحصائيات المستشفيات والمنظمات المتخصصة بهذه المواضيع وتقاريرها المخيفة عنه، طلب مني مستشار حماية الأطفال عدم ذكر هذا الجزء.

ثانيا، أود تشجيع الوالدين على متابعة الأبناء والحرص عليهم والانتباه لهم أثناء نموهم، وعليهم أن يعلموا أنه ربما في المرة القادمة التي يتخلف فيها ابنك أو ابنتك عن المدرسة، وتظهر عليه أعراض غريبة، قد لا يكون محسودا أو سكنه جن عاشق. يطور بعض الأطفال علاجات داخلية للتغلب على تحدياتهم، ولكن البعض لا يستطيع مواجهة هذه التحديات وحده ويحتاج إلى مساعدة فورية.

وختاما، أدعو خريجي الثانوية العامة وأشجعهم على دراسة الطب النفسي والتخصص فيه من استطاع ذلك، إذ تشير بحوث أن حوالي 33% من أفراد المجتمع يعانون من أمراض نفسية/عقلية في مراحل مختلفة. ومن الواضح أن هذه النسبة تزداد كل يوم كما رأينا عندما زارنا الشيخ الذي يرش المرضى بالماء المقري عليه ليتساقط الجميع على الأرض، لنخرج من كرة الظلام التي نعيش بداخلها ونحاول تغييرهذه المآسي التي نراها كل يوم وأصبحت جزءا طبيعيا من حياتنا ولا يثير تعجبنا.

مريم حسن

كاتبة صومالية 

التدوينات المنشورة في مدونات ميم لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.