مجتمع

المرأة الفلسطينية إذ تصنع التاريخ

بقلم: زياد العالول

الاحتلال محنة لا يعرف طبيعتها إلا من عايشها عن قرب واكتوى بنارها. وعلى الرغم من التضامن الذي يلقاه الفلسطينيون، وهم يواجهون أعتى أنواع الاحتلال، إلا أن ذلك لم يكن له أي أثر على المعاناة اليومية للمواطن الفلسطيني.

وإذا كانت المعاناة البشرية في ظل الاحتلال واحدة، إلا أنها لدى النساء أشد مرارة، بالنظر إلى طبيعة

زياد العالول

المرأة ذاتها.

فقد خلق الله المرأة لتكون ذات كيان أضعف جسديا من الرجل، لكن بحواس أكثر تأثرا منه، وهي بين هتين الصفتين تكتسب جمالها ودورها في المجتمع.

وبالرغم من هتين الصفتين الربانيتين، فقد سجل التاريخ للمرأة الفلسطينية حالات من البسالة والشجاعة والقوة والصمود والصبر تجاوزت في مدلولاتها وتأثيرها المتوقع.

 

قد تولد البنت الفلسطينية لتكون بنت أسير، ثم تكبر قليلا لتصبح أخت أسير ثم زوجة أسير، ثم تتعدى ذلك كله لتصبح “الأسير” ذاته في ظل قوانين دولية ومواثيق عالمية تتوقف عن التطبيق عند سماع كلمة “دولة اسرائيل”.

تشير آخر الإحصائيات الصادرة عن المؤسسات المختصة بالأسرى في سجون الاحتلال، وآخرها صدر في ذكرى يوم الأسير الذي يصادف السابع عشر من نيسان (أبريل) من كل عام،  أن عدد الأسرى الذين يقبعون حاليا في سجون الاحتلال الإسرائيلي، يبلغ 6500 أسيرا، بينهم 57 امرأة و30  طفلا.

ولا يغيب عن الأذهان أن الأسرى في سجون الاحتلال يتمتعون “بمعاملة خاصة” لم يسبق لها نظير، حيث أنه يحكم على العديد منهم ليس فقط بالسجن مدى الحياة، إنما بما يعرف بـ “الثلاث مؤبدات” ناهيك عن غيرها من “المعاملات الخاصة”، التي يصعب ذكرها.

وقد كفلت اتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بمعاملة الأسرى، حقوقا كثيرة للأسرى، أبرزها: الحق في المعاملة الإنسانية اللائقة وحفظ إنسانيتهم وكرامتهم، الحق في تلقي الرسائل والزيارات من أهلهم وذويهم، واحترام معتقداتهم الدينية، الحق في احتفاظهم بنقودهم وملابسهم وأوانيهم والأطعمة المقدمة لهم من ذويهم، والحق في تزويدهم بكميات الطعام والثياب والعناية الطبية اللازمة.

كما حددت وثيقة الأمم المتحدة معايير تشكل الحدود الدنيا لمعاملة الأسرى، والتي تتضمن أن تكون أماكن الاحتجاز “صالحة للإقامة البشرية” من حيث وجود كمية هواء ومساحة أرضية وإضاءة وتدفئة وتهوئة، وشروط صحية متعلقة بدورات المياه وتوفرها والسماح باستخدامها، ونوعية وكمية الطعام المقدم للأسرى.

وشملت الوثيقة قوانين العقوبات داخل السجن وحق المعتقلين في متابعة دراستهم والاطلاع على الكتب والأخبار ونقل المرضى منهم للمستشفيات وتوفير مستلزمات ما قبل الولادة وما بعدها للحوامل من النساء.

 

 

وعلى الرغم من أن دولة الاحتلال الاسرائيلي كانت طرفا في الاتفاقية المذكورة أعلاه، إلا أن ما تمارسه سلطاتها من اعتقالات ومن انتهاك لحقوق الأسرى يصعب وصفه ويمس أبسط حقوق الإنسان. وهذا ما حمل بعض الأسرى إلى إعلان الإضراب المفتوح عن الطعام وذلك لوضع سلطة الاحتلال تحت ضغط للاستجابة لمطالبهم.

ويمكن الاشارة إلى إضراب الأسيرة هناء شلبي المنتمية لحركة الجهاد الإسلامي التي اعتقلها الإسرائيليون مجددا بعد أن تم تحريرها خلال صفقة “وفاء الأحرار”.

أعلنت الأسيرة شلبي عن إضراب مفتوح عن الطعام استمر لمدة 44 يوما، قامت السلطات الإسرائيلية بعدها بتحريرها شريطة إبعادها عن قريتها في الضفة الغربية إلى قطاع غزة لمدة ثلاث سنوات، وتم ذلك في 17 نيسان (أبريل) 2012.

وعلى خلاف ما تدعيه دولة الاحتلال وأعوانها من حسن التزامهم بالقوانين الدولية في معاملة الأسرى الفلسطينيين، فإن معاناة الأسيرات مضاعفة، وتتجسد في الاعتداء على شرفهن وكرامتهن من خلال التحرش بأجسادهن والتهديد بالاغتصاب والشتائم البذيئة والتفتيش العاري والحرمان من اللقاء المباشر  بأطفالهن ممن تزيد أعمارهم عن 6 سنوات، والاكتفاء بالتحدث من خلف الحواجز، ومنع زيارة الزوج والأهل.

ويعتبر أسر المرأة الأصعب، حيث أنه يفقدها أعظم إحساس لديها وهو إحساس الأمومة، وذلك بسبب بعدها عن زوجها وأولادها. ولكم أن تتخيلوا وضعها إن كانت حاملا وجرت المقادير أن تضع وليدها في الأسر.

ولكن ما هو الحال إن كانت الأسيرة طفلة؟ فسلطات الاحتلال تعتقل الأطفال كأسلوب ضغط وتهديد للمناضلين والشعب بأسره.

إن تعرض الأطفال لأنماط كثيرة من التعذيب والإهانة ومُنعوا من ممارسة حقهم في التعليم، وتترتب عن ذلك أمراض نفسية وجسدية شتى تصاحبهم طول حياتهم، وهذا من أخطر الجرائم التي ترتكبها سلطات الاحتلال.

ولا تقل معاناة زوجة الأسير مرارة عن الأسير نفسه، حيث تجد الزوجة نفسها فجأة وحدها وعليها الكثير من الأعباء، من تأمين مصروف وتربية وتعليم ومواجهة مشاكل حياتية، وفي بعض الأحيان مواجهة العادات والتقاليد التي تفرض عليها الزواج من أحد إخوان الأسير أو فرض قيود عليها في دخولها أو خروجها من المنزل أو حتى تقاسم راتب الأسير إن كان هو المعيل الوحيد لوالديه.

وقد تمتد يد سلطة الاحتلال لهذه الزوجة لتستخدمها هي وأولادها كوسائل ضغط على الأسير لأخذ بعض المعلومات، فقد تهدد الزوجة بالاغتصاب ويصادر أو يهدم بيتها وقد تتعرض للتعذيب هي وأبناؤها.

وفوق كل هذه المعاناة، يتجسد صمود وإصرار المرأة الفلسطينية على تحرير الأرض، من خلال إنجاب أبناء وبنات لهؤلاء الأبطال القابعين بسجون الاحتلال عبر ما يعرف بمشروع “تهريب النطفة” والذي من خلاله تقوم زوجة الأسير بالحمل خلال الأنابيب.

 

تلك هي بعض صنوف التحديات التي تواجهها المرأة الفلسطينية وهي تحمل على عاتقها حملا وولادة وإعالة وتربية غير آبهة بشدة الظروف وظلم المحتل، مصرة على الاستمرار في مسيرة التحرير مهما طال الزمان أو قست الظروف، لتؤكد بالملموس أنها جزء أصيل من معركة التحرير التي لا تصنع القادة والمقاتلين فقط، وإنما تكتب التاريخ.

 

زياد العالول

كاتب من فلسطين

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد