ثقافة

أدب المقاومة والتحرر الجزائري: القلم في مواجهة الاستعمار

ثقافة

الجزائر/حسام الدين ربيع/ميم

كما الفن السابع والمسرح والغناء، احتضن الأدب، سواء الرواية أو القصة أو الشعر ثورة التحرير الجزائرية، فبرزت أسماء كبيرة خلّدت واحدة من أعظم الثورات في القرن العشرين، في مئات الأعمال التي لم تتوقف وما زالت تنتج في وقتنا الراهن بوتيرة مختلفة ورؤية مغايرة.

سعت المقاومة الجزائرية إلى تحرير الجزائر من قيد الاستعمار الفرنسي الغاشم، فبعد ثورات عديدة في سنوات السبعينيات والثمانينات وقبلهما من القرن الـ 19 كبدّت المستعمر خسائر جمّة في الأرواح والعتاد، جاءت ثورة التحرير التي قادها أبطال منهم من لقي ربه ومنهم من ينتظر. تمكنوا من افتكاك الاستقلال سنة 1962.

أدباء الجزائر يفضحون الاحتلال

المقاومة والثورة الجزائرية عالجها الفن الرابع بأعمال خالدة  ووثقتها السينما بالصورة والصوت والمؤثرات في أفلام مميزة أبرزها “دورية نحو الشرق” لعمار العسكري و”الأفيون والعصا” لأحمد راشدي و “وقائع سنين الجمر” للمخرج محمد لخضر حمينة الحائز به على السعفة الذهبية الوحيدة للعرب في مهرجان “كان” سنة 1975 وأعمال أخرى حديثة منها “غروب الظلال” لمحمد لخضر حمينة وفيلم قصير “ما قبل الأيام” لكريم موساوي وغيرها، في حين يشهد الأدب الجزائري ويشهد كتابه أنّ الثورة التحريرية والمقاومة والتحرر أخذت حيزا مهما، سواء عند كبار الكتاب أو الكتاب الشباب الذين يلتفتون إلى الماضي كمنطلق لمشاريعهم ومستقبلهم.

ما يصطلح عليه أدب المقاومة والتحرر برز في كتابات كثيرة ما يعكس أنّ الأدب باللغات المقدم بها سواء العربية أو الفرنسية أو الأمازغية في وقتنا الراهن أدى دورا هاما في مقاومة الاحتلال الفرنسي منذ 1830 إلى غاية 1962، كما يعكس كونه دعامة أساسية للوحدة والدفاع عن الأمة والبلاد، وهوية وتاريخ وثقافة وتقاليد وعادات وطقوس المجتمع الجزائري التي حاولت فرنسا طمسها بشتى الأساليب ولكن لم تفلح بفضل أصحاب القلم في مختلف المجالات المعرفية والذين ناضلوا حتى نيل الاستقلال وتحدوا فرنسا بكتاباتهم الشعرية والروائية والقصصية الرافضة والناقمة عليها.

 

مفدي زكريا، شاعر الثورة الجزائرية ومؤلف النشيد الوطني الجزائري “قسما”

 

ولعل قامات أدبية كبيرة مثل شاعر الثورة مفدي زكريا والراحل كاتب ياسين وصاحب الثلاثية محمد ديب ورشيد بوجدرة ومحمد العيد آل خليفة وعبد الحميد ابن هدوقة وغيرهم قد كانت كتاباتهم مثل السم بالنسبة لفرنسا، فيبقى مثلا النشيد الوطني الجزائري “قسما…بالنازلات الماحقات والدماء الزاكيات الطاهرات…” الذي يتغنى به الجزائريون يوميا داخل المدارس والثانويات والمؤسسات الأمنية خير دليل على أنّ الشعر والرواية والأدب بصفة عامة كان قوة ثقافية ساعدت الجزائر في كسب حريتها وهزم المستعمر.

 

الثورة والتحرر في قلب الرواية والقصة

 

الأديب الجزائري كاتب ياسين 

 

كاتب ياسين  في “الجثة المطوقة” و”الأجداد يزدادون ضراوة”  يتناول الثورة التحريرية ويكشف فيها المجازر التي ارتكتبها فرنسا، ويرصد عبرها وطنية الفرد الجزائري.أمّا محمد ديب فيعود في روايات خالدة منها الثلاثية “الدار الكبيرة” (1952)، “النول ” (1957) و”الحريق” (1954) التي تنبأ فيها بقيام الثورة الجزائرية، حيث اندلعت بعد صدورها بـ3 أشهر، فكان ديب يبحث عن سبل الخلاص من الاستعمار في رواياته، فبقدر ما يتحدث عن الوضع يحاول تنوير الراي العام الجزائري بما يحصل وبما يجب فعله، ومثله فعل عديد الكتاب وكتاب القصة دون أن يقتصر الأمر على الرواية أو المجموعات الشعرية فقط.

 

ومن الأقوال الخالدة التي أدب المقاومة والتحرر قال الكاتب الأمازيغي الراحل مولود فرعون ” أكتب بالفرنسي، وأتكلم بالفرنسية لأقول للفرنسيين، أني لست فرنسياً ). فمولود فرعون كتب “ابن الفقير” في 1939 و”الدروب الوعرة” و”الأرض والدم” ومؤلفات أخرى كلها تتحدث عن ظلم الاستعمار الفرنسي والحياة القاسية التي كان يعيشها أبناء بلده في ظل الاحتلال.

وبالنسبة لمالك حداد فأعماله التي كتبت زمن الحرب تنبض بالحماسة والهموم الوطنية والقومية وكلها عواطف وتأثيرات غير رؤيوية وآرائية فخلد ذلك في “التلميذ والدرس” و”الإنطباع الأخير” التي كتبها تحية للثورة التحريرية..وغيرها.

 

الأديب مولود معمري

عبد الحميد ابن هدوقة من جانبه، ترك بصمته الروائية واضحة عن ثورة التحريري فبغض النظر عن كونه مجاهدا، شارك في الثورة، كتب روائع عن ثورة المليون ونصف المليون شهيد في مؤلفات منها مجموعته القصصية “الأشعة السبعة” التي كتبها والجزائر تحت لهب الاستعمار، وأخرى.

وشارك الروائي الراحل مولود معمري في حرب التحرير من 1956 إلى 1962، وبلغت صدى رواياته أروقة الأمم المتحدة’ ومنها

“الربوة المنسية” و”غفوة العادل “و”الأفيون والعصا’ التي حولها أحمد راشدي إلى فيلم سينمائي لاقى رواجا هائلا في الوطن العربي والعالم.

وإلى جانب الأسماء المذكورة على سبيل المثال لا الحصر سخر كتاب جزائريون أقلامهم للدفاع عن البلاد وتخليد وتمجيد الثورة التحريرية ونقال معاناة الشعب الجزائري عبر روايات مختلفة المضامين والعناوين، لا تزال تقرأ اليوم بعضها تحول إلى لغة الكاميرا وبعضها ينتظر.

القصيدة لم تتخلف عن الثورة

وفي الشعر ألهبت الثورة حناجر الشعراء الجزائريين أمثال محمد العيد آل خليفة الذي قال: “أصـابتنـا الجوائح والرزايا وأعوزت المرافق والرفود، حنت أعناقنا الأغلال ظلمـا وحزت في سواعدنا القيود، فقم يا ابن البلاد اليوم وانهض بلا مهل فقد طال الرقود، وخض يا ابن الجزائر في المنايا تظللك البنود أو اللحود…”.

وقال مفدي زكريا في بعض أبيات “إلياذة الجزائر” الشهيرة بغض النظر عن الدواوين الأخرى التي قدمها ويحث فيها الجزائريين على المقاومة والجهاد: “ويا للبطولات تغزو الدنا/ وتلهمها القيم الخالدات”، ” ويا أسطورة رددتها القرون /فهاجت بأعماقنا الذكريات، “ويا تربة تاه فيها الجلال/فتاهت بها القمم الشامخات”، “وألقى النهاية فيها الجمال/ فهمنا بأسرارها الفاتنات”، “وأهوى على قدميها الزمان/ فاهوى على قدميها الطغاة…..”.

فيلم “وقائع سنين الجمر” للمخرج محمد لخضر حمينة

ويؤكد العلامة عبد الحميد ابن باديس هوية الجزائر وتاريخها ودينها في رائعته: “شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب، من قال حاد بأصله أو قال مات فقد كذب، أو رام إدماجا له رام المحال من الطلب”

وهذه الأبيات وأبيات عديدة لشعراء آخرين تفند ما زعمته فرنسا أنّ الجزائر فرنسية وتقطع الشك باليقين أنّ الجزائر جزائرية وللجزائريين وامازيغية وعربية دينها الإسلام، وبفعل هذه المقولة الخالدة وجه ابن باديس صفعة قوية لفرنسا وزرعت الثقة في المجتمع الجزائري.

حرب التحرير بعيون العرب وشباب الجزائر

وبخصوص الثورة والتحرر في عيون الأخر وبالأخص عند العرب كان حظ الثورة وفير في كتاباتهم وقصائدهم دعما للقضية الجزائرية بهدف استرجاع السيادة، ورفضا للطغيان والاحتلال، فحضرت الثورة وقضية التحرير في الشعر والأدب التونسي والمصري وامتدت إلى الأدب السوداني والعراقي وغيرها من البلدان العربية التي جعلت من حرب التحرير محور اهتمام كتابها وعلى سبيل المثال نذكر نزار قباني،  نازك الملائكة، نور سلمان، خليل حاوي والبياتي والجواهري وأخرين من أعلام الرواية والشعر العربيين.

 

وبقدر ما شكلت الثورة وقضايا التحرر والقضايا الإنسانية العادلة إلهاما كتاب الجزائر من الجيل السابق وحظيت باهتمامهم أو باهتمام الكتاب العرب، لم يتخلف المبدعون الشباب الجزائر عن الثورة عبر كتاباتهم ولو أنّها جاءت بقسط قليل، بحيث بدأت المؤلفات بعد الاستقلال تقل، غير أنّها حاضرة ولم تختف على الإطلاق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد