مدونات

الأمل الكاذب

بقلم : زينب بسّام

تعرضت لحادث أليم أفقدها الذاكرة والقدرة على  الحركة، أجمع الأطباء أن نسبة تحسن حالتها ضئيلة جدا؛ لدرجة أن أمها دعت الله إن لم يكتب لها النجاة  أن يسترد أمانته !

ولكن الله قد لطف بها وتحسنت حالتها كثيرًا على غير المتوقع، مما زادها أملاً وإصراراً أن تستعيد عافيتها من جديد؛ حتى جاء أحدهم وأكد لها أنها ستعود كما كانت تماماً في فترة قصيرة لن تتجاوز نصف عام. استمرت على العلاج وكل أملها أن تمر هذه الفترة سريعا حتى تعود كما كانت؛ ومرَّ النصف عام وتحسنت حالتها فعلياً لكن لم ترجع كما كانت، ومر العام ولم تعد لكامل عافيتها، وللأسف، ولا حتى كحالتها من نصف عام …  نعم فقد انتكست الحالة !

لو حللنا الموقف لوجدنا أن البداية كانت إحباطا ويأسا شديدا، ثم لطف من الله ترتب عليه أمل محمود، ثم وهم زائف نتجت عنه انتكاسة، يأس وإحباط من جديد.

طبيعة النفس البشرية عند وقوع حدث صعب عليها تحتاج لشيء يخفف هذا الألم، فتبدأ بنسج بعض الأوهام في صورة أمل، ومن ثم تمارس بعض الحيل اللاشعورية لإقناعها بمنطقية آمالها.

 

الأمل من أهمّ عناصر السعادة في الحياة، فهو يبعث الفرح والطمأنينة، يُحفّزنا على الصمود والمثابرة وعدم الاستسلام. فليس هناك أجمل من كلمات تبعث الأمل في نفوسنا، وتزيد حياتنا روعةً وجمالاً. لذا، فالأمل يعتبر القوة الأساسية في حياة الإنسان التي يصعب العيش بدونها، وهو حقٌ مشروع لا حياة ولا سعادة لمخلوق من دونها… لكن حينما نمارسه بتمادٍ دون استبصار ورفع للواقع، يصبح ذنبا للنفس لا حقا لها، يضرها بدلاً من أن ينفعها.

طبيعة النفس البشرية عند وقوع حدث صعب عليها تحتاج لشيء يخفف هذا الألم، فتبدأ بنسج بعض الأوهام في صورة أمل، ومن ثم تمارس بعض الحيل اللاشعورية لإقناعها بمنطقية آمالها، وتنتظر أن يتحقق الحلم لكن دون جدوى، وكلما أخفقت وتكررت خيبات الأمل كلما كان وقعها على النفس أشد، حتى تتبين الحقيقة أمامها لكن بعد فوات الآوان.

من  أكبر الأخطاء التي يرتكبها إنسان في حق نفسه أن يضع لنفسه أحلاما وآمالا صعبة المنال، سواء كان السبب أنها غير متوافقة معه، أو أنها بعيدة جدا عنه مما يجعل حدوثها مستحيلا عقلًا ومنطقًا.

لو نظرنا لموقف سيدنا مُحمَّد “صلوات الله وسلامه عليه”مع “آل ياسر رضوان الله عليهم” وقت تعذيبهم من كفار قريش، عندما قال لهم : “صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة “، وموقفه صلى الله عليه وسلم وقت غزوة الأحزاب عندما بَشَّر أصحابه بالفتح والنصر المبين؛ لوجدنا أنه في الموقفين أعطاهم الأمل، لكن كل موقف حسب واقعه وظروفه،  ففي الموقف الأول لم يبشرهم بالفتح والنصر -رغم نبوءته “صلى الله عليه وسلم”- لأنه كان وقت استضعاف المسلمين، عكس وقت غزوة الأحزاب التي تلتها انتصارات المسلمين في غزوات عدة.

فتطلعك الدائم للأفضل، وحسن ظنك بالله، ومقاومتك لليأس؛ لا تعني أبداً أن تُعلق نفسك بأمل زائف، وأحلام واهية.

وتذكر أن الحقيقة والواقع مهما كانا قاسيين، فهما أهون بكثير من أمل تُعلق به نفسك أو غيرك، ثم تكتشف بعد ذلك أنه أمل زائف مستحيل أن يتحقق بأي شكل من الأشكال.

زينب بسّام

مدونة مصرية وباحثة ماجستير صحة نفسية بكلية التربية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.