مدونات

ألبوم ذكريات

بقلم: ولاء رزق

كنت أتخيل أن الذكريات التي نلقاها بعد طول غياب تسعدنا وتثلج صدورنا ببعض ممن رحلوا تاركين أماكنهم في القلب موحشة وفارغة، لكن الذكريات تلك المرة كانت أشبه بخنجر.

ولاء رزق

لقد وجدت ألبوم صور به صورة له، ذاك الرجل الذي جعلني أنثى قويه مدللة تعرف كيف تواجه نفسها جيدا وتقتحم تحديات أكبر من عمرها.

ذاك الرجل الذي غمرني بالحب حتى امتلأت وارتويت، وكانت ابتسامتي سر سعادته وفرحه. هذا الذي كنت أتمنى لو أهدتنا الحياة مزيدا من الوقت كي نشعر بدفء علاقة فتاة بأبيها وهي شابة تمد يدها ليده وتمسكها بقوة وهي تقتحم كل جديد، إلا أن الوقت داهمنا سريعا فكان رحيله بعد رحلة مرض.

 

وجدت في ألبوم ذكرياتي هذا القليل من الصور، فكانت صورته تلك وهو صحيح البدن لم يمسه وجع، يبدو جسده متوسط الامتلاء وشعره الفضي اللون الحريري الملمس ينير وجهه في شرفة بيت جدي الذي كان يحبه مثل ابنه، وكان أبي يحبه كأغلى الغوالي، كانت تلك الصورة له وهو يبتسم ابتسامته الهادئة التي أشتاقها كأشد ما يكون، كاشتياق محبين فرقتهما الأماكن وحين التقيا ذابت كل لوعة الفراق.

وجدت الصورة بعدما بحثت عنها كثيرا في كل مكان، وجدتها وأنا أعيد ترتيب حاجياتي دون تخطيط، ورغم فرحتي بتلك الصورة إلا أنني تذكرت كل يوم مر منذ ذاك اليوم الذي كشف ظهري للعراء، منذ لحظة الوداع الأخير على عتبات المنزل، منذ آخر كلمة قالها لي، القبلة الأخيرة التي لم يعطوني مزيدا من الوقت كي أكملها للنهاية، مر شريط عمرٍ كاملٍ أمامي، لا شيء فيه سيء كأسوء ما يكون، لكن لا شيء فيه أيضا إلا ويكمله الغياب.

 

تركتني طفلة لكني صرت امرأة أحمل من العمر ضعف ماتركتني عليه، وأحمل من التجارب ما أثقلني، وبداخلى روح من روحك تطبب نفسي حين أرتبك وتتعثر خطاي

 

كل شيء مهم نعيشه في الغياب يبدو كاملا للغاية لكن يتوارى نقصانه في قلبى،لا أحد يراه، أعيشه أنا وأتمنى أن أشفى من ذاك الشعور. مرات نادرة للغايه تلك التي اكتمل فيها الشعور بالراحه، ذاك اليوم الذي دق قلبي فيه لرفيق العمر وارتبط اسمي باسمه وأعلن ذلك للجميع، كان طيف أبي حينها كاملا وليس غائبا، كنت أشعر أننى مطمئنة وروحه تطوف حول المكان وتحضنني بقوة.

لكن لا شيء يقف، فالحياة تسير بوتيرتها دون توقف، حتى إنني دائما ما أتساءل لم لا تقف الحياة حدادا على روح قريب رحل، لماذا لا تحترم أحزاننا وتعطينا مهلة كي نهدأ ونعيد حساباتنا وأقواسنا المفتوحة بعد كل أزمة، لكنها لا تمنحنا تلك الرفاهية سنتها وأقدار الله التي نتمني أن نكون ممن يرضون بها ولا يسخطون عليها.

 

رغم كل قوتنا التي نصارع بها تلك الحياة، تُوقفنا صورة وتجعل كل ذكرياتنا السابقه شريطا يمر أمام أعيننا، تجعلنا نبكي ونضحك، نبتسم ونندهش كيف مرت كل تلك السنوات، كيف كبرت هكذا وياللهول يا أبي صرت أٌمّا. صغيرتك أصبح لديها صغيران يملآن حياتي بالصخب مثلما كنت أملؤها أنا، يقفز مالك على ظهري ويضحك فأتذكر حين كنت أفعل مثله تماما وأضحك وتضحك أنت.

تصرخ مريم الصغيرة معترضة تريد هي أن تأخذ مكانا خاصا، وأتذكر حين كنت تخبرني أن هذا دور إخوتي وأخبرك أنني الصغرى أتدلل كما شئت، ويكأن قلبي كان يريد أن يتشبع بك وبكل روحك حتى إذا رحلت صرت مشبعة بالحب والدلال م تكن عاديا أبدا، كنت طيفا جميلا مر سريعا بي ورحل عني.

بقلبى انت معلّق كأيقونة لاتغيب أبدا عن ناظري، متشبثة أنا بكل الذكريات التي جمعتني بك أجددها بعقلي وذاكرتي كل يوم كي أستطيع تخيل كل تفاصيل الحياة دون سندك وحمايتك. قوية أنا يا أبي لاتخف!

تركتني طفلة لكني صرت امرأة أحمل من العمر ضعف ماتركتني عليه، وأحمل من التجارب ما أثقلني، وبداخلى روح من روحك تطبب نفسي حين أرتبك وتتعثر خطاي، لكن بداخلي وجع من شدة الشوق سيسكن فقط حين اللقاء لقاء حقيقيا وليس لقاء بصورة داخل ألبوم ذكريات.

ولاء رزق

كاتبة مصرية مهتمه بمجال التربية والأمومة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.