مجتمع

حكايات عن التصفيح في شمال أفريقيا

قراءة في الانفتاح والانغلاق

انتشرت ظاهرة “التصفيح” في دول شمال أفريقيا ” تونس والمغرب”، وفي غرب الجزائر يسمى (التغوار)، فيما انعدمت في دول المشرق العربي التي اكتفت بختان الفتيات الصغيرات، ويُشير بعض المختصين إلى أنّ هذه الظاهرة، وليدة العادات البربرية المتوارثة التي لم تنقطع حتى بعد دخول الإسلام، ويعرّف “التصفيح”، بأنّه شكلٌ من أشكال السحر الشائع لحماية عذرية الفتاة من الرجال، وخوفاً من العلاقات خارج إطار الزواج أو حوادث الاغتصاب التي قد تتعرّض لها البنت، فيُصبح جسدها بفعل “التصفيح” منغلقاً أمام كلّ محاولات فض البكارة.

التصفيح في تونس

تبدأ عملية “التصفيح” قبل سنّ البلوغ، إذ تعمد الأمّ إلى تسليم ابنتها إلى إحدى ثقاة العائلة أو الحيّ لتصفيحها، سواء بالزبيب أو بالقفل والمفتاح، وفي العملية الأولى تُجرح الفتاة سبع جروح صغيرة، تُمرّغ في دمها سبعُ زبيبات تبتلعها وهي تهمس : “أنا حائط وابن الناس خيط” وفي طريقة القفل والمفتاح، يُفتح القفل تجتازه الطفلة سبع مرّات، هامسةً بنفس المقولة السابقة”، أنا حائط وابن الناس خيط” ، ثمّ تُخفي الأمّ القفل والمفتاح، ولا تفتحه إلاّ ليلة الدخلة لتهمس الفتاة العروس، بعكس المقولة السابقة، ” أنا خيط وابن الناس حائط “، وكذلك لا يُفك سحر الطريقة الأولى، إلاّ ليلة الدخلة بزبيبات سبع أخريات، هامسة العكس بما قالته في المرّة الأولى.

التصفيح في المغرب

يُعرف التصفيح في المغرب الأقصى، بعملية “الثقاف” وتنتشر هذه العادة في أرياف المغرب، ويُطلق على الفتاة المصفحة ” المثقفة “، وهناك طرقٌ مختلفةٌ للتصفيح، منها طريقة الرحى، إذ تُغمض الفتاة عينيها وتقلب الرحى، ويُسكب فيها ثلاث مرّات ملء فم الفتاة ماء ويحل هذا الوثاق بالعكس، إذ يسكب في فم الفتاة ثلاث جرعات من الماء، وفي وضع لا تكون الرحى مقلوبة تتخلّص من الثقاف.

وتُصفح الفتاة أيضاً بعلب الثقاب، إذ تُوضع العلبة على الأرض، وتمرّ فوقها الفتاة مغمضة العينين ليتمّ التصفيح ولا يفكّ، إلاّ حين تفرط العيدان على الأرض، وتمرّ فوقها الفتاة مفتوحة العينين.

وتمرّ الفتاة فوق حبّة ملحٍ مغمضة العينين، تخفى فيما بعد في مكان أمين ولا تخرج إلا لحظة زفافها، لتكسر وتمرّ فوقها الفتاة مفتوحة العينين، ليُفكّ أثر السحر الخفي.

’’ نتأمل من خلال طقس “الثقاف” في المغرب، أنّ الفتاة في لحظة التصفيح تُغمض عينيها ولا تفتحهما إلاّ في لحظة الزفاف، في رمزية بالغة على أنّ فعل إغماض العين، هو غض الطرف عن الجسد، وفعل فتحها هو لحظة الوعي بالجسد وشهواته’’.  

فتياتٌ كثيراتٌ أثر التصفيح على صحتهن النفسية، وعلى مشاعرهن المشوبة بالخوف تجاه الذكر، مشاعر منكمشة كما أجسامهن المنغلقة بفعل الطقس السحري، لا تنفتح مشاعرهن إلاّ بعد عملية فكّ الوثاق، ليقبلن على الرجل الحلال الذي يستحق من أجله أن تفك عقدتهن تجاه الجسد والجنس.  

حكايات سرّية عن تجارب التصفيح

“كلّما دخلت الحمّام صحبة صديقاتي، أخجل من خدوشي السبع الصغيرة على ركبتي وأهرب من أسئلة صديقاتي الساخرة أو البريئة عن سرّ الخدوش السبع”، “لم أكن أعي لحظتها، أي لحظة التصفيح، أنّني سأصبح امرأة بالغة تثير شهوات الرجال، لم أفكر سوى في دميتي الصغيرة حينها، لم أعرف أنّ جسدي نقمة هنا في مجتمعنا”.

 هكذا تحدّثت إحدى الفتيات المصفحات عن ذكرياتها مع التصفيح، عاجزةً عن تفسير أسباب ما فعلته أمها بها، لقد عاشت حياتها خائفة من الرجل، زميلها في الدراسة والعمل ، انقلبت صورتها عن الرجل ومشاعرها تجاهه، لتجده عدوّاً يترصد بها شرّا، مازالت إلى اليوم، تحلم بتجاوز هذه الأزمة رغم أنّها تجاوزت واقعها المتخلّف أشواطاً كثيرة .

“لم أكن أعلم أنّ التصفيح ذو مفعول ولا أرغب في تصديق هذا،  لقد درست وآمنت بالعلم وقاطعت كلّ أشكال الشعوذة ولم يفض زوجي بكارتي، إلاّ بعد شهر من الزواج وبمفعول أدوية، عندما رويت هذا لأختي لامت صنيعي، وقالت لي، لو رويت لنا ما مرّ بك منذ الليلة الأولى، لفككنا الرباط دون الالتجاء إلى طبيب نفسي والأدوية”، حكايةٌ أخرى من حكايات النساء المصفحات اللواتي قصصن تجاربهن الخاصة عن التصفيح.

“سأصفح ابنتي، ما نشاهده اليوم مخيف جدّا، زنا المحارم واغتصاب القاصرات، وغيرها من الجرائم التي أصبحت جزءً من يومياتنا، لعلك تتابعين برامج تلفزيون الواقع، أو تتابعين صفحات الجرائم على صحفنا لا أخفيك أنّ التصفيح سيريحني نفسياً تجاه ابنتي التي تبلغ تسع سنوات، سأتركها بأمان وأنا خارج البيت للعمل”، شهادة أم متحصلة على شهادة عليا، وليست امرأة محدودة المستوى التعليمي، بل لم يمنعها التحصيل الجامعي في التفكير في التصفيح، لحماية ابنتها من جرائم الاغتصاب أو زنا المحارم.

حكاياتٌ قصيرة تلقيتها وأنا أستمع لتجاربهن عن التصفيح، لماذا لم تختفي هذه الظاهرة حتى اليوم علماً وأنّ الدين الإسلامي يحرّم هذه الممارسات، ويعتبرها ضمن أعمال السحر الممنوعة، فهل أنّ الثقافي دائما ما ينتصر على الديني، خاصة إذا تعلّق الأمر بالمرأة لا سيما بجسدها؟

تعتبر عملية التصفيح بمثابة كتابة اجتماعية على جسد المرأة، اخترعها المجتمع التقليدي ليعلن بطريقة مباشرة أنّ لا حقّ لها في التصرّف فيه فهو محلّ مراقبة من العائلة والقبيلة، يُغلق ويُفتح إلاّ في لحظة معينة لحظة الزفاف.

يُحرس الجسد المغلق من طرف المجتمع ومن طرف الفتاة ذاتها، وبذلك يكون لهذه العملية أثرٌ نفسي بالغ على نفسية الفتاة التي تؤمن أنّ جسدها منغلق على ذاته لا يقبل الآخر ولا ينجرف وراء شهوات ولحظات عابرة وليس له حرية التصرّف، إلاّ في لحظة الانفتاح، أيّ لحظة فكّ التصفيح ليصبح وقتها جسد له الأهلية الكاملة في التصرّف فيه، ونعني به هنا، هو لحظة الزفاف التي تعتبر الإطار الشرعي الوحيد لممارسة الفتاة الجنس.

رغم ما توصل إليه المشرّع في بعض دول شمال أفريقيا من أجل ضمان حقوق المرأة، إلاّ أنّ هذه الممارسات مازالت تجد صدى، لا سيما في المناطق الريفية، في إشارة تعكس إحدى المحاذير الجمعية في ثقافتنا لا يجب الاقتراب منها، إلاّ في أطر شرعية حتى وإن استخدم السحر من أجل حمايتها.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.