مدوناتالرئيسي

“ثلاثية غرناطة”: قصة مقاومة، لا قصة رثاء

سلسلة: رضوى عاشور (الحلقة 2)

“تتعدد النصوص والأصل غرناطة .. يمسك الكاتب بالقلم لكي يكتبها فتطل عليه من حكايتها حكايته، ويرى في نقش صورتها صورة زمانه، ومنها صورته”

(صيادو الذاكرة، رضوى عاشور) 

لكلّ غرناطته، تقول رضوى عاشور في إحدى مقالاتها، وتسترسل في الحديث عن نصوص سبقتها في التعامل مع غرناطة، وكل منهم يراها بعينيه، فهناك “ليون الإفريقي” لأمين معلوف، وهناك قصيدة محمود درويش “أحد عشر كوكباً على آخر المشهد الأندلسي” وغيرها من نصوص أجنبية لا عربية فقط.

فلماذا تقبع غرناطة هكذا في مكان مظلم في الذاكرة، يسطع عليه ضوء ما من حين لآخر، يصعد به إلى مركز الصورة ويستجلب معه تاريخ الهزيمة والفقد؟

لم تكتب عاشور الثلاثية مع سبق الإصرار والترصد، لم تخطط لهذا العمل قبل البدء به، لقد جاءتها صورة المرأة العارية التي رآها أبو جعفر ذات يوم وهي تتابع قصف بغداد سنة 1991، تلك المرأة النذير، تلك الصورة التي حملت معها لأبي جعفر مستقبلا خشي أن يكون حقيقة لا رؤيا عابرة.

لقد استجلبت تلك الصورة معها عند أبي جعفر الموت والخراب، واستحضرت عند رضوى ذكريات من تواريخ سبقت التقت كلها في ساحة الرملة، حيث التهمتها النار كما التهمت تواريخ وكتب وحياة آخرين. لقد رأت رضوى شريطاً من الأحداث يسترسل أمامها، قصف طائرات إسرائيلية لسيناء سنة 1956 و1967، وقصف لبنان عام 1978 و1982، وقصف فلسطين ومدن الجنوب على مدى أعوام. داهمتها الصورة وملأتها بالخوف، فتساءلت: “هل أن الموت وشيك؟” ومنه عادت رضوى إلى غرناطة لا بنية الكتابة، ولكن بنية أن تعرف، أن تفهم، وربما أن تبحث عن مخرج، في تاريخ مضى.

 

 “وفي تقديري أن كتابة غرناطة بأجزائها الثلاثة: غرناطة ومريمة والرحيل كانت ضرباً من ضروب الدفاع عن النفس الذي تلجأ إليه المخلوقات بشكل غريزي حين يداهمها الخطر. الكتابة هنا بدأت احتياجاً نفسياً صرفاً، لا التزاماً بدور ولا طموحات لإنجاز مشروع ثقافي يعتمد على إعادة إنتاج مرحلة من مراحل التاريخ العربي في شكل روائي”

(صيادو الذاكرة، رضوى عاشور) 

 

إن من ينظر في الثلاثية، لا يرى قصة هزيمة وفقد في المركز كما تُروى الحكاية في كتب التاريخ المدرسي أو كما يتصدر الرثاء

في نصوصنا شعراً ونثراً، إن ما أرادته رضوى هو أن نرى في الحكاية “الحياة” الغائبة، فقد انشغلت بالناس العاديين من الرجال والنساء، ورّاقون ونساجون ومعالجون بالأعشاب وأصحاب الحمامات والأسواق..

البشر الذين لم تكتب أسماؤهم في المعاهدات ولم يتخذوا قرارات التخلي عن الأرض ولا السلطان، علاقتهم ببعضهم وبظالميهم وبتاريخهم هم، وبالسماء والأرض، ينتظرون الفرج ويتلقفون الخيبات واحدة بعد أخرى.

ومن بين كل ذلك، تصدرت المرأة في أدوارها التي عرفناها والتي لم نألفها، أو لم يألفها النص الأدبي، فكان أم جعفر، وكانت سليمة وكانت مريمة.

 

 

 

“باختصار سعيت إلى قلب الهامش إلى متن ودفع المتسلط إلى الزاوية، وحاولت استنقاذ حكاية بشر لم يلتفت لهم التاريخ العربي والكتابة الأدبية. وفي ذلك المسعى، كنت أعبر عن نفسي وأكتب بعض حكاياتها من موقعي كامرأة ومواطنة عربية تعارض الثقافة المهيمنة، وكواحدة من بنات العالم الثالث المهمّش والمقموع في المعادلة الكونية”.

(صيادو الذاكرة، رضوى عاشور)

 

عندما قرأت الثلاثية أول مرة، لا بصفتي دارسة ولا بصفتي كاتبة ولكن كقارئة، وكان ذلك منذ سنوات مضت، رأيت فيها نوعاً من البكاء على الذات، نوعا من رثاء اليوم والأمس وربما الغد. وعندما عدت إليها بعد أن قرأت أكثر حول الذاكرة وأفعالها، رأيت فيها طريقة أخرى لنقول: لقد أصاب القوم ما يصيبنا، ولم تتوقف الأرض عن الدوران.

إن تفاصيل الحكاية التي تحكيها الرواية ليست مجرد رسم صورة تنهار أمامنا حتى نبكي عليها، ونردد: “كم كانت جميلة، لقد خسرناها، ليتها تعود”. إنها صورة تقف أمامنا انعاكسا لأنفسنا، رأيت نفسي في مريمة التي أمضت جلّ حياتها تحاول التوفيق، التوفيق بين ما تحب وما تريد وما هو مطلوب منها ومرغوب، التوفيق بين قومها ووجود الغريب الجديد، التوفيق بين رجال شاخوا وخرفوا، وبين أجيال فرقتهم غربة الزمن. ورأيتها في سليمة التي اختارت أن تعيش في عالم آخر بعيدا عن كل الفقد والألم الذي يدور خارجها، أرادت أن تبحث عن طريقة لإيقافه ربما بدلا من الانغماس في أوجاعه. رأيت نفسي في أبي جعفر الذي رفض أن يقر بحقيقة ما عرف أنه وقع لا محالة، وقرر أنه لن يخسر القليل الذي بقي، ولن يحرق الحياة الطويلة من أجل بضع سفهاء يريدون أن يخربوا عليه السنوات القليلة الباقية من عمره.

لقد قاوم كل منهم وتعايش وتآلف بالصورة التي عرف، ليست المقاومة في النص مقاومة عسكرية، وليست بحمل السكين وامتلاك المدفع، كانت المقاومة في أفعال الحياة اليومية، في اتخاذ قرار بأن لا نستسلم للانسحاب منها، وبأن ننظر دائماً إلى القادم لعله يأتي بمصير مختلف.

كنت أقول يا لها من غبية مريمة، مازالت تنتظر العون والمدد حتى وحفيدها يحملها إلى المنفى، كانت تنتظر الفرج وتعيش على رائحته، فلما انقطع الأمل انقطع النفس. ولكن لولا هذا الأمل الغبي لما استطاعت أن تصل إلى تلك اللحظة، ولولا الانكسار لما تحررت أيضاً في تلك اللحظة، لقد كان في موت مريمة تحرر من مصير النفي، موت جاء مكللاً بجبر الكسر، لا مبتسراً ناقصاً، ولأجل هذا فإنه لا وحشة في قبر مريمة.

 

“قرأت كتباً في التاريخ، فإذا بمساحات غائبة مغلقة تنفتح أمامي من حياة المورسكيين: عرب مهزومون صاروا أقلية عرقية وثقافية بعد أن دفع بهم إلى قاع السلم الاقتصادي والاجتماعي، فعاشوا مغتربين في أرضهم يواجهون زمانهم برفع السلاح حيناً وبالتقية حيناً، بالغضب حيناً وبالمراوغة والممالأة حيناً.  كان أجدادهم قد استبقوا النهاية فأعلونها نقشاً على الجدران: “لا غالب إلا الله” ولكنهم، رغم ذلك ظلوا يغالبون زمانهم ويقاومون”

 (صيادو الذاكرة، رضوى عاشور)

 

إن وجوه المقاومة في تاريخ الأندلس لا تنحصر في مواجهة المعتدي ومحاولة تأخير الهزيمة، ولكنها أيضاً مقاومة لهزيمة داخلية، ولاستسلام فرض على أهله فرضا، إنها مقاومة التخلي عن الذات، عن الهوية، اللغة، الدين، العادات، إنها مقاومة النفس التي قد تستسهل الذوبان والاختفاء خلف الأزياء المحايدة والألسنة التي تخفي أكثر مما تظهر.

أقرأ عن غرناطة والأندلس وأرى حالا يقف أمامنا، فمازالت الأقلية تعامل كأقلية، ومازالت في آخر السلم على كل النواحي، مازالت تحاول أن تقاوم الانمحاء وتحاول أن تكسر في نفسها سطوة السيد الذي يريد أن يثبت بكل الطرق أنه الأرقى وأنك الهمجي المحتاج إلى أن تتخلص من خطاياك القديمة بالانضمام إلى أفواج “المتطهرين”.

ولعله من اللائق أن ننهي هذا الحديث باقتباس رضوى لجزء من قصيدة درويش، يعبر عن دافعها لكتابة غرناطة، ذلك الخوف الذي يهددنا، خوف من أن نفقد ما عرفنا، وخوف من قادم نعرفه ونحاول الهرب منه، وأمل مؤلم يبقينا على حافة الحياة ..

 

من أنا بعد ليل الغريبة؟ أنهض من حلمي
خائفاً من غموض النهار على مرمر الدار،

من عتمة الشمس في الورد، من ماء نافورتي
خائفاً من حليبٍ على شفة التين، من لغتي
خائفاً، من هواءٍ يمشّطُ صفصافةً خائفاً،

خائفاً من وضوح الزمان الكثيف،

ومن حاضر لم يعدْ حاضراً،

خائفاً من مروري على عالمٍ لم يعدْ عالمي

أيها اليأسُ كنْ رحمةً. أيها الموتُ كنْ
نعمةً للغريب الذي يُبصرُ الغيبَ

أوضحَ من واقعٍ لم يعدْ واقعاً..

الوسوم

أحلام مصطفى

مُدونة وطالبة فلسطينية تحضّر لدرجة الدكتوراه بجامعة سيدني الأسترالية في مجال اللغة العربية وثقافاتها يركز عملها البحثي على كتابات الذاكرة والفاجعة في السياق مابعد الاستعماري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.