دين وحياة

ابن حزم: هل يجب على المرأة أن تتجهَّزَ لزوجها؟

سلسلة ابن حزم الأندلسي والمرأة (الحلقة 4)

نحن نشهد في زيجات المجتمعات العربية أن المرأة تُعِدُّ جهازًا لزوجها من مالها الخاص أو من مَهْرها الذي هو حقُّها في عقد الزواج، وهذا أمرٌ بات كأنه من واجبات العروس أو من حقِّ الرجل على زوجته التي سيدخُلُ بها، فتجد المرأة تتحيَّرُ في اقتناء أغراض البيت الجديد وتجهيز غرفتها التي ستسكُنها مع زوجها، وأحيانا يتطلب ذلك مبالغ كبيرة جِدًّا خاصة مع أجواء الفرح حيث لا تُحسب حسابات الإنفاق على الشريك الحياتي، ويدخل ذلك أيضا في باب التفاخر بين “العرائس” أو بين الاُسَر بأن ابنتهم تجهَّزتْ بكذا وكذا.

وفي السرد الشعبي تقول العروس لزوجها: “زِدْني في المهر فكلُّه سيرجع إليك بالجَهاز”، أي: أصبح المَهر الذي هو حقٌّ خالص للمرأة وكأنه وكالة من الرجل لزوجته باقتناء أغراض البيت! وهذا يُثقل كواهل أهل المرأة ويجعلهم في حيرة كبيرة من أمرهم خاصة بين الطبقات المتوسطة والفقيرة، والأغرب من كل ذلك أننا لا نسمع أي موقف من شيوخ الدِّين الذين يجب عليهم توضيح الخطأ من الصواب في مثل هذه القضايا الاجتماعية.

موسوعة المحلى بالآثار

لذا؛ أريد أن أستحضِرَ موقف الإمام ابن حزم الأندلسي من هذه المسألة التي ذكرها في موسوعته “المحلى بالآثار” تحت رقم “1853” فقال: “وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُجْبَرَ الْمَرْأَةُ عَلَى أَنْ تَتَجَهَّزَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ أَصْلًا، لَا مِنْ صَدَاقِهَا الَّذِي أَصْدَقَهَا، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ مَالِهَا، وَالصَّدَاقُ كُلُّهُ لَهَا تَفْعَلُ فِيهِ كُلِّهِ مَا شَاءَتْ، لَا إذْنَ لِلزَّوْجِ فِي ذَلِكَ، وَلَا اعْتِرَاضَ”.

أقول: صدَّر ابن حزم كلامه بمصطلح “لا يجوز” وهو يدلُّ على أنه يرى تحريم أن يُجْبِر الأهلُ عروسَهم على إنفاق مَهرها في تجهيز البيت أو في الجَهاز عمومًا، فلا يحِقُّ لأحدٍ التدخُّل في “المَهر” -وهو الصداق- لأنه حقٌّ خالص للعروس دون مِنَّةٍ من أحد لا من الزوج ولا غيره، وهذا الحقُّ ثابت بالشرع. لذا فالمال الذي يُقدِّمه الخطيب لخطيبته في عقد الزواج إنما يكون حسب التفاهم بينهما، فإن كان لا يُرضيها ذلك فلها أن تصرِّح برفضها، فإن جرى التوافق بينهما على المبلغ فإنه حقٌّ شرعيٌّ لها ومن حقِّها أن تتصرف فيه كما تشاء.

وهنا يضيف ابن حزم عبارة مهمة في نظري وهي قوله: “لا إذْنَ للزوج في ذلك ولا اعتراضَ”، وهو ما يؤكد أن ما تحوزه المرأة من مال فإن لها التصرف المُطلق فيه دون استئذان زوجها في شيء من ذلك، كما لا يحِقُّ له الاعتراض عليها مطلقًا، وهذا إن دلَّ على شيءٍ فإنما يدل على حرص الإمام ابن حزم على تثبيت “حقوق المرأة” استنادًا على النصوص الشرعية التي يرى أنها تعرَّضتْ لفهمٍ خاطئٍ من كثير من شيوخ الفقه والفتوى الذين يُقدِّمون عليها آراءهم وخلفيَّاتهم المذهبية والمجتمعية.

وفي هذا السياق؛ يستعرض ابن حزم موقف المذهب المالكي في هذه المسألة. حيث يرى الإمام مالك بن أنس -ومذهبه هو المنتشر في غالب المناطق بالشمال الإفريقي سواء في الجزائر أو تونس أو ليبيا أو المغرب- أن مهر العروس إذا كان دنانير (ذهبية) أو دراهم (فضِّيَّة)، فإنه يجب عليها أن تشتري منها ثيابًا ووِطاءً وحُلِيًّا تتجمَّل بها لزوجها، ولا يجوز لها قضاء دَيْنها بتلك الدنانير والدراهم إلا في حدود (3 دنانير).

ويرى الإمام مالك أيضًا أن المهر إذا كان مجموعة من الثياب فيجب عليها أن تلبسها بحضرة زوجها، وأيضا لا يكون واجبًا على الزوج أن يشتري لها ثيابا بعد ذلك حتى تصبح ثياب المهر غيرَ قابلةٍ للاستعمال، أي: لا يحِقُّ لها مطالبته بأن يشتري لها ثيابا أخرى حتى تصير ثياب الصداق قديمة ولا يمكنها استعمالها.

ثم يبدأ الإمام ابن حزم في نقد آراء المذهب المالكي الذي يرى أصحابه أن مهر العروس ليس من حقها دومًا التصرُّف فيه، ويستعمل ابن حزم في نقده هذا الطريقة العقلية والنقلية فهو يتساءل: لماذا فرَّق المالكية بين مَهْرٍ ومَهْرٍ؟ وما الفرق بين أن يجوز للعروس قضاءُ دُيونها من صَداقها إذا كانت 3 دنانير وأن يُحَرَّمَ إذا كان الدَّيْن أكثر من ذلك؟

فابن حزم يرى أن هذا التفريق الذي نجده عند المالكية لا يعضُدُه أي “بُرْهَانٍ مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ أَحَدٍ نَعْلَمُهُ قَبْلَهُ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ”، أي: أنه لا يصِحُّ لكونه لا يعتمد على أي دليل شرعي (قرآن أو حديث نبوي)، ولا حتى على مسالك الاستدلال التي يعتمدها الفقهاء التقليديُّون والتي من بينها القياس والاستحسان والأحاديث الضعيفة.

 

يقول الإمام ابن حزم: “فَافْتَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُعْطُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً، وَلَمْ يُبِحْ لِلرِّجَالِ مِنْهَا شَيْئًا إلَّا بِطِيبِ أَنْفُسِ النِّسَاءِ، فَأَيُّ بَيَانٍ بَعْدَ هَذَا نَرْغَبُ؟”

 

وحين يفرُغُ ابن حزم من انتقاد الآراء المخالِفة وبيان أنها لا تتوافق والأدلة الشرعية؛ يبدأ في ذِكْر البراهين التي تُقوِّي مذهبه في هذه المسألة، من بين تلك البراهين هذا النص القرآني من سورة النساء: “وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا” (الآية: 04).

يقول الإمام ابن حزم: “فَافْتَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُعْطُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً، وَلَمْ يُبِحْ لِلرِّجَالِ مِنْهَا شَيْئًا إلَّا بِطِيبِ أَنْفُسِ النِّسَاءِ، فَأَيُّ بَيَانٍ بَعْدَ هَذَا نَرْغَبُ؟” أي: فما دام أن الله افترض على الرجال أن يُعطوا النساء مُهورهنَّ نِحلة والنِّحلة هي الواجب والفريضة؛ فما دام المهر فريضة شرعية وحقًّا منحه الله للنساء فكيف يجوز لنا أن نأخُذ منه ونتصرَّف فيه؟ فهذا الحق الشرعي لا يمكن للرجل أن يستفيدَ منه إلا إذا طابت نفسُ المرأة لزوجها بشيءٍ منه، أي: إلا إذا سمحت المرأة لزوجها بطيب نفسٍ منها ودون ممارسة أي ترغيب ولا ترهيب، فعند ذلك يجوز للرجل أن يستفيد منه، والمهر يعتبر حقًّا مادِّيًّا كسائر الحقوق المادِّيَّة التي هي مشمولة بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “كل المسلم على المسلم حرام: دمُه ومالُهُ وعِرضُه”.

ويُضيف ابن حزمٍ كلامًا مُهِمًّا جدًّا في توضيح موقفه من الحقوق المادِّيَّــة للزوجة على زوجها وأنها مجموعة من الالتزامات التي فرضتْها الشريعة الإسلامية على الرجل تجاه زوجته ليس له فيها أية مَزِيَّـةٍ ولا مِنَّة، وفي المقابل ليس هناك أيُّ حقٍّ للرجل في مال زوجته لا بكمِّيَّة قليلة ولا كثيرة، يقول فقيهنا الأندلسيُّ: “وَوَجَدْنَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَوْجَبَ لِلْمَرْأَةِ حُقُوقًا فِي مَالِ زَوْجِهَا -أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ- وَهِيَ الصَّدَاقُ، وَالنَّفَقَةُ، وَالْكِسْوَةُ، وَالْإِسْكَانُ، مَا دَامَتْ فِي عِصْمَتِهِ وَالْمُتْعَةُ إنْ طَلَّقَهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ لِلزَّوْجِ فِي مَالِهَا حَقًّا أَصْلًا، لَا مَا قَلَّ وَلَا مَا كَثُرَ”.

 

وهذا فيما يتعلق بموقف ابن حزم من قضية الحقوق المادِّيَّة للمرأة على زوجها وكيف ردَّ على من يحاول من الفقهاء إسقاط بعض تلك الحقوق أو جعلها مَحَلًّا للتصرف من طرف أولياء المرأة أو زوجها.

الوسوم

الطيب صياد

صاحب رواية "العثمانية" خريج لغة ودراسات قرآنية وباحث في العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق