الرئيسي

رواية “أخيلة الظل” لمنصورة عزالدين: غواية عوالم الدهشة والافتراض

ثقافة

كيف يمكن ان تحاك قصة تبدأ في متحف كافكا ببراغ بين سيدة قاهرية ورجل من سياتل؟  لا شيء يجمع بينهما عند منطلق الحكاية سوى انهما كانا جالسين على مقعد خشبي عند جسر تشارلز وكانت هي تحدق في الفراغ بين قدميها في حين اختار هو ان يتفحص الارض بعينين شابهما التجهم.  

لكن بين ثنايا الحكاية نشأ حوار بين كاميليا وأدام بدأ ولم ينته وتحاك تفاصيله في رواية تجريبية مختلفة قدتها الكاتبة المصرية منصورة عز الدين ووسمتها بأخيلة الظل.

وهي في هذا العمل الروائي تلاعبنا وتأخذ  بأيدينا إلى مجاهل الطفولة بكل أسرارها وغموضها وأيضا بكل اندفاعها العفوية، موغلة هي في الخيال ولكنها لا تستقيل من الواقع لكنه واقع تجلله خيالات الكاتبة التي تسقط عليه من صور الطفولة وصبواتها الكثير.

تتحرش الكاتبة بذاكرتنا  وهي  التي تحرض عقد الطفولة لدى أبطالها الثلاثة وهم  يجتمعون على فعل الكتابة كاميليا  المصرية وأدام الأمريكي  واولغا الروسية كما تجمعهم مسارات ومصائر انعكست عليها فيها أشكال مما مورس عليهم في مجاهل اللحظات الأولى من عمرهم عندما كانوا في طور التشكل النفسي.

فنجد البطلة كاميليا التي ركلها والدها في لحظة ما من طفولتها وترسخت تلك الركلة لتصبح في ما بعد رجع صدى في كتابتها التي هي تبرير للركلات المعنوية التي تحدث لها.

أما أدام، فعلاقته بالاقبية قادته ليكتب نصا يحاول خلاله كسر ظلال الخوف لكنه فشل دوما في إرضاء النساء في فعل الحب وذلك لان رهاب القبو لم يغادره.

ولان للكتابة الأنثوية غواية خاصة لأن منصورة عز الدين تمارس غوايتها من خلال جعل القاري شريكا في حياكة النص التجريبي المكثف والمكتنز فهي تعتمد على جملة من الرواة وتوهمنا بشكل ما اننا من ضمن فريق عملها الروائي او لعلنا نفترض ذلك وهي التي اراد نصها الروائي مترعا بسلسلة من الافتراضات.

وفي كل الحالات، فإن القارئ يواصل بعد الانتهاء من القراءة تجميع قطع “البازل” التي فككتها الكاتبة عمدا وجعلتنا شركاء في إعادة صوغها وفهمها وتأويلها وفق تاريخنا النفسي وهنا يمكن ان يكتشف القارئ خبايا نفسه الموغلة في الغموض.

في رواية أخيلة الظل، ثمة ما يشي بخيبة الأبطال ووجعهم يتقاطع فيها العشق بالنسيان والرغبة بالفقدان والخوف والغربة تماما كما يحضر فيها الماضي السحيق بالحاضر الفائر.

تحاول الكاتبة المصرية منصورة عز الدين ان تقطع مع الاشكال التقليدية في كتابة النص الروائي عموما والنسائي على وجه الخصوص من خلال اعتمادها على أبطال كتاب كل منهم يحيك مفردة من النص، بينما يعاضدهم في ذلك فنانون يكملون تفاصيل النص/ اللوحة.

ومن ملامح هذه الرواية أيضا إيغالها في المشهدية السينمائية من خلال اعتماد نص مكثف تختزل فيه الصور والمشاهد مجمل المضامين والأفكار. وهي تجرب العاب الكتابة وأحابيلها بطرائق مختلفة عن الروايات المعهودة.

وتعد  رواية أخيلة الظل لمنصورة عز الدين من أهم الإصدارات لسنة 2017 والتي تم الاحتفاء بها نقديا وجماهيريا. وذلك نظرا لطرافة موضوعها وجدة طرحها وخاصة سعيها الى التجديد في مجال الكتابة الروائية التي باتت في السنوات الأخيرة ديوان العرب الجديد بعد ان تبوأت مكانة كبيرة لدى القراء والنقاد كما تنامى عدد الكتابات في هذا الجنس الأدبي بشكل ملحوظ .

وعن هذه الرواية تقول منصورة عز الدين في مقابلة صحفية ” هي ” نوفيلا قائمة على لعبة افتراضات وتخيلات وهي أشبه باستثمار لأحلام اليقظة ولعبة ظلال واختراع شخصيات وخلق علاقات متبادلة بينها ومن خلال كل هذا تناقش الرواية أفكارا عن الفن والرواية والكتابة” .

وعن هذا النص التجريبي تقول الكاتبة المصرية ايضا ” عندما بدأت بكتابة أخيلة الظل ظننت انها بعيدة عن كل مشكلات الواقع العربي في هذه السنوات وكانت كرئة أتنفس منها اثناء الكتابة ولكنني فوجئت ان الآلام التي تشهدها المنطقة تظهر بطريقة مراوغة في أحداثها ومن خلال شخصياتها المتخيلة لاكتشف  أنها تسكنني.”

ويجدر التذكير بأن الكاتبة بأن الكاتبة المصرية منصورة عز الدين تعد من كاتبات الجيل الجديد نسبيا في المشهد الروائي المصري ولها مجموعة من الكتابات السردية من ضمنها ضوء مهتز ومتاهة مريم و وراء الفردوس ثم جبل الزمرد.

وقد درست هذه الكاتبة الصحافة والإعلام وهي تمارس هذه المهنة وانطلقت بنشر قصصها القصيرة الأولى وهي في العشرينات من عمرها وأصدرت أول كتاب عام 2001 وترجمت قصصها إلى عديد اللغات الأجنبية على غرار الانجليزية والفرنسية والايطالية والسلوفينية.

شهد سلامة

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.