ثقافة

مع الفنان العراقي فاخر محمد: كيف ينتصر الجمال على قبح الحرب؟

ثقافة: حوار مجلة ميم مع الفنان التشكيلي العراقي فاخر محمد

 خلال أكثر من أربعين عاما، وعبر إقامة العشرات من المعارض العالمية والمحلية، استطاع الفنان “فاخر محمد” أن يجعل رسوماته تحتل حيزا واسعا وكبيرا في ذهنية المتلقي، فهي أعمال لا تبتعد عن الجوهر المحلي لتوظيف البيئة العراقية والعربية. ويعتقد أن الفنان لا بد له  أن يكون ملما بتاريخ مكانه وحضارته لينتج خطابا صوريا يوازن فيه بين الموروث والتجديد، بين الأصالة والمعاصرة.

في هذا الحوار قدم لنا “محمد” تصوراته عن الفن العراقي وما يعانيه جراء حروب المنطقة والاقتتال على الهوية.

 

** اسمح لي أن أتطرق معك عن سر هذه القدرة في مواجهة التجريب والبحث في خطاب العمل التشكيلي .. 

قد تبدو لنا مقولة الفيلسوف الإغريقي هيراقليطس “أنت لا تنزل النهر الواحد مرتين لأن مياها جديدة تجري فيه” صحيحة إلى حد كبير، فالتحولات والمتغيرات والأحداث التي نعيشها يومياً تجعل من الصعب الركون إلى ستايل ثابت أو أسلوب متكرر.

هناك رؤية خاطئة للأسلوب اشتغل عليها بعض الفنانين من العراقيين والعرب، لهذا  أجد بأن الأسلوب هو في كيفية صنع عمل ناجح، وبأي طريقة أو تقنية كانت، فالفنان الجيد حتى لو تغيرت أساليبه بين فترة وأخرى، إلا أن رؤيته وروحيته تبقى متداخلة وموجودة داخل بنية النص التشكيلي، الادعاء بالأشكال الثابتة والتقنيات التقليدية كمن يصدق عدم دوران الأرض.

إن زمن الفنان أو وجوده محدد لذا فهو زمن تجريبي بمعنى المحاولات المستمرة للكشف عن العلاقة الحيوية بين الفنان وسطوحه أو أشكاله وتقنياته. كيفية إدارة هذه السطوح وإخراجها تحتاج بلا شك رؤية مبدعة وعقلية إدراك للتحولات الكبيرة للفنان وما يدور حوله سواء تعلق الأمر بمحيطه المحلي أو العالمي.

لدي رغبة مستمرة لتغيير ما أرسمه، فالأحداث التي عشتها في وطن اسمه العراق خلال 35 عاماً جعلتني أجد أو أبحث عن حريتي من خلال الفن، هذه الحرية تدفعك إلى تجريب أساليب متجددة، فحجم الحصار والأحداث تدفع بالمرء للبحث عن فضاءات أخرى أكثر حرية، والفن واحد من هذه الأبواب.

 

** رأيت لك انتقالات وظفت فيها الطائرة مع رموز تاريخية، هل تريد إعلاء مفهوم صراع الحضارات لتوظفه في لوحاتك؟ أم أن الأمر تعزيز لخطاب اللوحة بسيمياء وإشارة ربما تؤكد انتصار ماكينة الحرب على التاريخ الإنساني؟ 

لا نستطيع الهروب من ذاكرة الحرب، فأنا أنتمي إلى شعب عانى الحروب لفترة تجاوزت سنوات مؤلمة وطويلة حتى لو منحنا أنفسنا شيئاً من الأمل، أو إيجاد ساحات من الفرح، إلا أن الذاكرة تبقى ماثلة بشكل راكز.

العمل، إذا تم توظيفه فنيا كطائرة أو كرسي، فهو نوع من ذاكرة الآلام التي سببتها عقلية السلطة، لهذا فليس شرطاً أن يكون الفن بالنسبة لي وسيلة إيضاح للأفكار، بقدر ما يستطيع إثارة أسئلة. فالفنان شاء أم أبى، يحمل في جوانبهِ عقلية سياسية أنه غير بعيد عن الإنسان وهمومه، ولكن لديه طريقة في توصيل عقليته السياسية، أنه يوصل رسائله من خلال وسائط الفن.

هناك رمزية واضحة في هذا العمل بلا شك، والطائرة (الهليكوبتر) فيها من الهيمنة والسطوة الكثير، أما الكراسي، فهي السلطة أو الهيمنة، مع هذا، أستطيع التأكيد أن التعريفات هنا ليست مطلقة، فالمتذوق له حرية في اختيار تأويله للأشكال، وهذهِ واحدة من ضرورات العمل الجيد.

 

** تصر دائما على تزاوج العديد من الوحدات الصورية ونشرها فوق السطح التصويري، ونشاهد تناقضا في الألوان، السؤال ما الذي يجمع كل تلك العناصر بألوانها ضمن قدرة جمالية لتخرج للمتلقي وكأنها طاقة تمتلك أحاسيس وأفكار من يراها؟ 

بعض أعمالي لا تنتج بتخطيط أو تفكير مسبق، هناك فرق كبير بين تصميم كرسي أو منضدة، ورسم لوحة. بالعكس، التفكير المسبق في أحايين كثيرة يقتل البداهة الأولى والفطرية أو العفوية التي أجد بأنني في أمس الحاجة إلى طاقتها لإنجاح العمل.

عناصر العمل الفني لها حياتها الخاصة والمحافظة على هذه الروح الداخلية للعناصر تحتاج إلى نوع من الرؤية الحدسية للأشكال أو نوع من محاولة التقارب بين روحية الفنان الخاصة والأشكال نفسها، عدم المعرفة المسبقة، لنقل الغيب الخفي للفنان، يمكن التعامل معه كقوة لتفعيل جمالية الأشكال، لتولد من رحم صيرورتها أو بناءاتها الخاصة.

 

** يؤكد العديد من الفنانين من الجيل الذي سبقك والأجيال اللاحقة بأنك تبحث في تاريخ معرفي خاص بك وكأنك منقب لآثار ويوميات تنتصر فيها  لإرادة الجمال على باقي الإرادات، هل فعلا أنت هكذا؟ 

لا يمكن إنكار التاريخ البيئي والجغرافي والحضاري، فأنا نتاج كل هذه القوى، ولدت في بيئة زراعية، نخيل ونهر وأسماك، وحياة بسيطة، بعيدة تماماً عن كل ما يتعلق بالتكنولوجيا. ففي طفولتي ومراهقتي، نشأنا قرب تلة عمرها أكثر من ألفي عام اسمها تلة أبو الزعر، ما زالت لحد يومنا هذا تحتضن ترابا بابليا وحضارات متعاقبة، فخارهم وأسوار معابدهم وبقايا هياكل خيولهم وجمالهم، التي رأيتها بعيني، ومقابرهم وبقايا هياكلهم التي تحولت إلى تراب أبيض، هذهِ المشاهدات وهذه القرى، لابد وأن تترك أثرا لدي بشكل أو بآخر.

أنجزت الكثير من الأعمال برؤية المنقب الأثري، التأثيرات البيئية كانت واضحة خلال فترة الثمانينات والتسعينات، وربما لحد الآن تظهر في بعض أعمالي، وكذلك المرموزات والسطوح المجردة خاصة في أعمال معرضي الشخصي، قاعة أكد 2009، أعقبتها مرحلة، يمكن أن نطلق عليها بسطوح الخراب، خاصة المرحلة التي أعقبت عام  (2003) وجدت بأن الكثير من الآمال تحطمت، سرقة المتحف العراقي والمتحف الوطني للفن الحديث، الإرهاب والقتل الطائفي، المدن التي نهشها التخلف وغياب المدنية والخدمات، والمعاناة التي طالتنا جميعا.

 

** أتذكر أنك قلت لي في حوار سابق بأن مهمتك الفنية والجمالية أن تبث الفرح، وليست مهمتك توظيف الحياة السوداوية، هل هذا إصرار على الحياة والبقاء فيها رغم المصائب؟ 

أعتقد بأنني أجبت على سؤالك هذا في الإجابة السابقة، بلا شك القيمة الأسمى للفن هو الجمال. أمام كل هذا الحجم الهائل من الويلات والحروب والمصائب التي أصابتنا، ما الذي يستطيع فعله الفنان لكي يترجم ما حدث؟ كيف أستطيع أن أترجم أحزان ملايين العراقيين الذين فقدوا أعز ما لديهم لفترة تجاوزت (35) عاماً من الحروب والقصف والعبوات الناسفة والسيارات المفخخة والقتل على الهوية. من يدعي بأن لديه القدرة على ترجمة كل هذهِ الويلات إلى عمل فني كاذب، لأنه سيكون لا شيء أمام هذا العمل، والفن العملاق والكبير جداً، أولاً أنه أكثر واقعية من كل أعمالنا، ثانياً أكثر صدقا.

نحن نشير أو نذكر، أو نعطي علامات لا أكثر، ربما تكون أعمالنا نوعا من التذكير بالأمل صناعة الأمل.

 

** شكوت لي أكثر من مرة في لقاءات جانبية أن الآخرين يسقطون تحت تأثير لوحات، هل لا زال هذا الأمر يشكل قلقا لديك؟  

المقلق حقا عندما تجد التأثير يأخذ طابعا استنساخياً وليس الاستفادة في التجربة وتطويرها، كل فناني العالم استفادوا من أساتذتهم وممن سبقهم، ولكنهم طوروا تجربتهم وأضافوا إليها. الذي حصل في العراق خلال الـ (15) سنة الماضية، أن التزوير واستنساخ الأعمال الفنية والسطو على الأساليب قد أصبح أمراً شائعاً لدى البعض، لسببين رئيسيين، أولهما السهولة، وعدم الرغبة في خوض صراع الإبداع بين الفنان المنتج للعمل الفني وأدواته.

من المؤكد أن الموضوع ليس سهلا بل يكاد يكون مخاضا كبيرا، فالمنجزات الإبداعية عملية معقدة وصعبة لأنها عملية خلق، وخلق الجديد يحتاج إلى مقومات فكرية وتقنية وموهبة ومعرفة في حيثيات الإبداع والعمل الفني، والزمن وتحولاته. بلا شك هذا الموضوع موجود في كل دول العالم، التزوير واقتباس الأساليب والاداعات الفارغة بالإبداع، كل هذا يكشفهُ التاريخ والزمن والدراسات الجادة التي نحن بأمس الحاجة إليها، وتحديداً في المحيط العربي.

 

** هناك رأي يذهب إلى أن كثرة الرموز الحيوانية والطوطمية / التراثية والتاريخية في لوحاتك قد تبدو عصية على الفهم والتحليل النقدي، إلى إي مدى يمكن أن يكون هذا التوجه في قراءة لوحاتك صحيحا؟  

مفهوم الصح والخطأ في الفن مفهوم غامض، العملية الفنية تحتوي على الكثير من الغيب، غيب الإبداع. لذا، هناك تقارب أو ربما توأمة بين الدين والفن، وكذلك مع الفلسفة، فكلاهما يشتغل على المفهوم الحسي والمطلق أو اللامتناهي.

فالأكيد أن السطح التصويري أيا كان شكله وأسلوبه يحتوي على هذا البعد اللامتناهي، أو ما يطلق عليه المفكر الفرنسي (برجسون) بالديمومة، لأنه يتعلق مع الزمان. كثير من أعمالي السابقة والحالية فيها بعض الأشكال التي توحي إلى حيوان أو نبات، أو طير أو إنسان، حتى إذا كانت اللوحة تقترب من التجريد. هذه العناصر لا تتشكل لتهف شيئا ما، بالعكس فهي تثير أسئلة وجودية عن الزمان والمكان والحياة والموت والعدم والحرب والسلام، فهي بحق عناصر التجربة المعاشة..

أو ربما الذاكرة المعاشة، الأماني المكبوتة التي لم تتحقق، والأمل، أو ربما تكون نوعا من صناعة الأمل، بعد أن رأينا بأم أعيننا كيف يتهادى الجمال والحب أمام معاقل الحروب والقتل على الهوية وسيادة الأفكار المريضة، والتعلق بأفكار يعتقد البعض بأنها هي خلاصهم، باختصار أعمالي لا تقدم إلى المتذوق وسيلة إيضاح، العمل الفني الجيد هو الذي يبقى على باب التذوق والرؤيا.

 

** عرضت أعمالك في أكثر من بلد : إيطاليا، فرنسا، المغرب، تونس، لبنان والأردن .. ودائما تؤكد أن الفن العراقي يحمل من سمات التجريب والتواصل الجمالي أكثر من أي بلد عربي آخر، في تصورك ما الذي يميز هذا الفن العراقي؟ 

منذ عام 1980، بدأت مشاركاتي الدولية ابتداء من معرض برلين، ولحد الآن، المشاركات والسفر والاتصال مع الآخر مهم جداً.  فالعالم الآن، بحكم التطور التقني والالكتروني، أصبح صغيراً جداً، والمعرفة الجمالية من الضروري أن تتواصل مع الآخر. في العراق، خلال الثلاثين سنة الماضية، عانينا الكثير من العزلة بسبب الحروب والحصارات والسياسة، لكن وبالرغم من كل ما حصل بقي البعض من الفنانين ممن لديهم القدرة على التواصل والمشاركة المحلية والدولية.

هناك نقطة جوهرية مهمة فيما يتعلق بالفن في العراق، وبالرغم من كل الإحاطات التي عاشها، إلا أن جذوره جيدة ومستوى الحركة التشكيلية العراقية خلال سنوات الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات بل وحتى التسعينات كانت ممتازة لما تطرحه من مفاهيم وأبعاد جمالية ورؤى تعلق في الذاكرة. إلا أن هجرة الكثير من الفنانين، وطول فترة الحرب أثر كثيراً وتحديداً خلال العشر أو الخمس عشرة سنة الأخيرة، والسبب الأكيد هو غياب المؤسسة الثقافية القادرة على النهوض بالحركة التشكيلية في اتباع طرق ووسائل جيدة في إقامة أنشطة ومشاركات متميزة.

حاوره خضير الزيدي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد