مجتمع

“أم فياض الجرو” .. فلسطينية شغوفة بصيانة البيوت الأثرية

ابتسام مهدي_ غزة 

تجول بناظريها على جدران منزلها كل صباح، تتحسس أبوابه، شبابيكه وكل حجر فيه. لا تكتفي بالنظر داخل المنزل، بل تنتقل للخارج لتفقده، وإذا لفت انتباهها تصدع أحد الأحجار تسرع لترميمه، ليس فقط في منزلها بل أيضا في منازل حارتها. فرغم ضيق الشارع، إلا أنها ترمي بصرها على بيوت جيرانها كي تقوم بترميم ما أكله الدهر.

ستنبهر إن زرت ذلك المكان، ففيه تستنشق عبق التاريخ المفعم حضارة وجمالا.

إنها المواطنة “أم فياض الجرو” التي تسكن في قلب مدينة غزة القديمة، تقول لمجلة “ميم” :”تجاوز عمر منزلي ست قرون. ويعتبر من المنازل الأثرية القديمة التي تزدان جدرانها بنقوش وزخارف مختلفة، تشعرك بتاريخ الأجداد الذي يتجلى في المكان بكل تفاصيله وقسماته”. 

اتخذت “أم فياض” منزلها كطفلٍ حديث الولادة تتعهده وترعاه، فهو في نظرها معلم تاريخي وأثري، مشكّلةً بذلك نموذجاً للنساء اللواتي استطعن أن يحفرن أسماءهنّ في قافلةِ المبدعات في مجال حفظ التراث الإنسانيّ والحضاريّ. 

تضيف أم فياض : “أعمل جاهدةً على الاهتمام بهذا المعلم الأثريّ إضافة إلى العناية ببعض منازل جيراني حتى تبقى معالم بارزة شامخة للأجيال القادمة؛ لأنه في حال قصرنا في حقّها، فسوف تندثر نتيجةً لقدمها. لذلك فهي تحتاج إلى اهتمامٍ مستمرٍ”، منوهة أنها تحافظ على ملامح البيت عند قيامها بالترميمات، حتى لا يفقد طابعه الأثري.

وصف البيت 

شباك المنزل

اصطحبت “الجرو” “ميم” في جولةٍ داخل البيت، فأفاضت في الحديث عن البئر الموجودة في البيت، وكيفية استخدامها قديماً عبر ربط دلو المياه بالحبل وسحبه من البئر رغم أنه لم يعد يستخدم حاليا، وانتقلت لتصف لنا الزخارف على جدران البيت، وإضاءات الأقواس التي تزين مداخل الغرف.

ثم انتقلت للحديث عن التصميم الهندسي والطريقة المبتكرة في بنائه؛ خاصةً في تصميم النافورة التي تتوسط فناء البيت المفتوح سقفه، ليسمح بدخول الهواء الطلق، وليستمتع الجالسون بهذا المنظر المحاط بالأشجار، المرصعة سماؤه بالنجوم، تسامرهم وتضيء لياليهم.

تتحرك “أم فياض” مثل: “الدينامو” داخل البيت، مؤكدة -بكل ثقةٍ ويقين- أنّ الجلوس بين أشجارِ الزيتون والليمون ينقلك بين الطبيعة الخضراء، متأملًا أشعة الشمس نهاراً، وحركة القمر والنجوم ليلاً، فيعتريك شعور بالسعادة والراحة، تعجز الكلمات عن وصفه.

 

أهمية هذه الأماكن 

وأكدت “أم فياض” على ضرورة الاهتمام بهذه الأماكن الأثرية التي تعبر عن الحضارة والتراث الفلسطيني، مبينة أن هناك تقصيرا في تسليط الضوء على التاريخ والآثار، راجية أن تنشئ الجهات المسؤولة مشاريع تبرز قيمة البيوت الأثرية وتخدم التاريخ الفلسطيني، وأن تواضب على ترميمها بشكل مستمر رغم أنهم يزورون البيت كل فترة لتفقده.

ومن أهم المسؤليات الملقاه على عاتق هذه العائلة، وفق ربت المنزل، الحفاظ على البيت وذلك بعدم وضع أي شيء على الجدران من زينة ولوحات تراثية حتى تبقى كما هي منذ نشأتها، بالإضافة لمسؤولية عمليات الصيانة لأي شيء يتعطل.

وخلال الحروب التي تعرض لها قطاع غزة، تأثر بيت الجرو بالانفجارات التي تسببت في تصدع المنزل وظهرت الشقوق بشكل كبير، مما جعلهم يستدعون خبراء في وزارة الآثار لترميمه بعد انتهاء كل حرب للحفاظ عليه وإعادته كما كان.

 

خبيرة تراث 

وعن قدوم السياح لزيارة البيت؛ أشارت “أم فيّاض”  أنّ “السياح كانوا يتدفقون بكثافة ليوثقوا معالم البيت؛ لكن؛ مع فرضِ الحصار على غزة؛ انقطعوا عن القدوم، في حين لم ينقطع طلابُ العلم والباحثون وبعض المؤسسات المهتمة بالتراث التي تجري بعض  الدراسات، وهذا أمرٌ يمنحني شعوراً بالفخر والسعادة”.

إنّ الناظر إلى “أم فياض” وهي تتحدث عن التراث؛ يُخيل إليه أنها خبيرةٌ في هذا المجال، فهي تمتلك خبرةً طويلةً، مكنتها من أن تحظى بلقبِ “خبيرة” بعد أن مارست دور المرشدة السياحية على مدار عقود من الزمن، حيث استطاعت أن تحفر اسمها وسط عبق التاريخ والتراث.

 

تاريخ البيوت 

أوضحت “هيام البيطار”، من قسم الآثار في “وزارة السياحة والآثار” بغزة، لـ “ميم” أن “بيت الجرو” الأثريّ هو واحد من البيوت الأثرية الموجودة في البلدة القديمة بغزة، والتي تُعد مهد الحضارة والتراث في فلسطين، فالبيوت موجودةٌ منذ العهد العثماني (1516).

هيام البيطار

وتضيف: “كان قديماً لا يسكن البيوت الأثرية الموجودة بالبلدة القديمة إلا “الناس الأكابر”، وأصحاب المناصب الرفيعة كالعلماء وكبار السياسيين والتجار”.

وأشارت أنّ هذه البيوت الأثرية قدمت نموذجاً للحضارة الفلسطينية كونها منارةً للعلم والتعلم من تلك الأماكن؛ لينتشر بعدها في القطاع كافة، ومن ثم إلى العالم أجمع.

أردفت “البيطار” أن وزارتها :”قامت بترميم معظم البيوتِ الأثريةِ؛ حتى لا تندثر مع مرور الزمن؛ من خلال مشاريع أشرفت عليها مؤسساتٌ تهتم بالتراث” لافتةً إلى أنه تَم عقد آلاف الدورات مع المؤسسات الدولية المهتمة بالتراث؛ لإدراجها على لائحة منظمة “اليونسكو” للتربيّة والعلوم والثقافة.

إحصائيات 

وتُوضّح “هيام البيطار” أن “عدد الأماكن الأثرية في قطاع غزة بلغ (130) موقعاً أثرياً، وكلها تقريباً في البلدة القديمة بغزة، من ضمنها (83) بيتاً، فيما يُوجد عدد من البيوت الأثرية خرجت عن طابعها الأثري؛ بسبب ترميم أصحابها لها دون علم الوزارة؛ مما أفقدها الطابع الأثريّ، وعددها لا يتجاوز الخمس بيوت”.

تسهيلات 

بدوره، أكد مدير عام الهندسة والتخطيط في البلدية د. “نهاد المغني” أن بلديته “تسعى للحفاظ على البيوت التاريخية من الاندثار؛ عبر منح الرخص لعملية الترميم وتقديم كافة التسهيلات؛ بالتنسيق مع وزارة السياحة والآثار وأصحاب البيت؛ حتى لا يفقد الطابع التاريخيّ”.

د. نهاد المغني

وأضاف:””لكن العديد من أصحاب البيوت يقومون بترميمات دون موافقة البلدية؛ مما يهدد بفقد تلك البيوت لطابعها التاريخيّ”.

وقال: “المطلوب أن تقوم الدولة بشراء البيوت من أصحابها أو استئجارها -كما حدثَ مع بيت العلمي- والعمل على تأهيلها وحمايتها؛ كي يتاح لكل وافد زيارتها بسهولة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق