مدونات

محمد محمود .. ذكرى برائحة الدماء والخذلان

"ذكرى تهل كل عام برائحة الدماء وخذلان الرفقاء، مهدت طريق النصر للدولة العميقة وضاعفت أوجاعنا"

“سنظل في الميدان عاصمة الثورة، وكل محاولة لوأدها ستكون بمثابة إعلان عن جولة جديدة في معركة استرداد الوطن وإرادة شعبه”.

تبنى شباب الثورة هذا الشعار في تعامله مع المجلس العسكري منذ تدخله في الحياة السياسية بتفويض من رجل كان من المفترض أنه خُلع بإرادة شعبية، فكيف له أن يفوض غيره بإدارة شؤون البلاد !

مثلت وثيقة السلمي خطرا على المسار الديموقراطي المُحدد ثورياً وتأخير مواعيد الاستحقاقات الديموقراطية، مما يفتح المجال للمجلس العسكري في الاستمرار في السيطرة على مقاليد السلطة.

الأمر الذي دفع شباب الثورة إلى الإعلان عن جولة ثورية جديدة للتصدي لهذا العدوان والتمسك بالمسار الذي حددته الثورة، وتوجه الجميع إلى ميدان التحرير.

مع بداية يوم 19 نوفمبر 2011، توافد العشرات على الميدان، الأمر الذي وفر لقوات الشرطة العسكرية الفرصة لاقتحام الميدان والاعتداء على المتظاهرين بالضرب والسحل والركل والاعتقال.

أحدث الاعتداء حالة من الغضب العارم  لدى الثوار الذين اتجهوا فور سماعهم الأخبار إلى الميدان، بالتزامن مع هذا الاعتصام والاعتداء على المشاركين فيه بدأت تلوح في الأفق حملة تشويه كبيرة قادتها مؤسسات الدولة من جهة، وأحزاب التيار الإسلامي من جهة أخرى – باستثناء تيار حازم ومواقف فردية لعدد من شباب تلك الأحزاب – بحق الشباب المعتصم في الميدان، وقاموا باتهامهم بالخيانة والعمالة وبتسميتهم بـ “البلطجية”، حتى أن مشادات حادة قد وقعت داخل أروقة مجلس النواب المصري في حينها حول الأحداث وردود الأفعال المخزية.

حملة لا تقل في شراستها عن تلك التي قادتها أجهزة مبارك قبل تنحيه، ولكن الفاجعة الكبرى هذه المرة تمثلت في مباركة عدد من القوى السياسية وممن شاركوا في الثورة لهذه الحملة والاشتراك فيها !

كان الأمر محزناً جداً أن تشارك القوى السياسية صاحبة المصلحة الأكبر في حماية مسار الثورة، باعتبارها من تنافس في الاستحقاقات، في حملة التشويه الإعلامي والشعبي، الذي كان لي نصيب شخصي منه في محيطي المجتمعي، لشباب ليس لديه طموح سوى حقوق متعلقة بالوطن والشعب، في الوقت الذي كانت دماؤه تراق فيه.

وفرت الحملة الغطاء السياسي للسلطة لممارسة القتل في شارع محمد محمود على مدار أيام الاعتصام، وأطلقت يدهم المتوحشة علينا، وكان للمجلس العسكري ما أراد من سفك دماء شباب مصر في حينه وصولاً إلى ضرب الثورة في مقتل لاحقاً.

كنت على مدار أيام الاعتصام، شاهداً على مآس وتوحش في سفك الدماء والتنكيل، لا لجريمة ارتكبها الشباب،  إنما لتظاهرهم وهتافهم لصالح قضية شعب عادلة، وحماية طريق ثورة لازالت في مهدها.

لم تمر ليلة إلا وتعددت محاولات الشرطة الهجوم على الميدان وصناعة حالة من الذعر في صفوف المعتصمين، لدرجة عدم تمكننا من الحصول على قسط من الراحة لأربع ساعات متصلة.

الأمر الذي دفع الشباب للتواجد بالتناوب داخل شارع محمد محمود لصد الهجمات بعيداً عن الميدان، وكانت الكُلفة باهظة بإصابة المئات وارتقاء أكثر من 50 شهيداً – نحسبهم ولا نزكيهم على الله – ثم اشتدت الأحداث ليلة 21 نوفمبر 2011 (ليلة الدم والألم).

في هذه الليلة الظلماء وأثناء إحدى ورديات التواجد داخل شارع محمد محمود، تلقيت اتصالاً من صديق تبدو على صوته مرارة فاقت ما نشاهده من إصابات.

 

كان الصديق ضمن فرق المستشفيات الميدانية، وكنت أعلم أنه قد ذهب إلى مستشفى قصر عيني القريبة من الميدان، فاتجهت بالهاتف إلى مكان أستطيع فيه سماعه، وبدأت الكلمات تنزل على قلبي كالصاعقة “أنا عايز ناس معايا هنا .. الوضع مأساوي، الشباب ماتت !! الشباب ماتت وأحمد بدوي مصاب إصابة خطيرة!”

توجهت ومعي صديق إلى المستشفى في حدود منتصف الليل يوم 21 نوفمبر 2011، فلاحظت فور وصولي إلى باب الطوارئ وجود عدد كبير من سيارات الإسعاف تحمل مصابين، لم أتفاجأ إلا من شكل الإصابات وإلقاء المصابين على الأرض لعدم قدرة المستشفى على التعامل مع هذا الحجم الضخم من الإصابات من جهة، وضرورة عودة سيارات الإسعاف في أسرع وقت إلى أرض المجزرة لنقل عدد أكبر من المصابين هناك من جهة أخرى.

كان منظر الشباب ملقى على الأرض وهو غارق في دمائه صادما. التحمنا مع طواقم العمل الطبي بالمستشفى وقمنا بتوزيع المصابين على الأقسام وتعاقبت المشاهد في هذه الأثناء، حتى إنني بدأت أشعر بأن ما نراه ليس واقعاً إطلاقاً ولكنه كابوس مرير! لحظة تمنيت فيها لو كنت الجثة رقم 24 عندما علمنا بأن عدد الشهداء وصل إلى 23.

أثناء توجهنا إلى غرفة الرعاية حيث الصديق الشهيد أحمد بدوي، وجدنا شابا وقد تهتك فخذه بعدد كبير من طلقات الخرطوش وعلمنا أن ربما ستُبتر ساقه!

استكملنا السير في طرقات المستشفى ولم تكن أجسادنا تقوى على السير، وقد امتلأت القلوب سوادً لا نظير له وقهراً لا يمكن تجاوزه يوماً حتى وإن تحقق حلم الشباب وتم القصاص ممن أطلق عليهم الرصاص.

دخلنا غرفة الرعاية ولم نر من الصديق سوى قليلاً من جسده الذي تغطيه أجهزة طبية كثيرة كفيلة بالإجابة عن أي سؤال يتعلق بحالته ومدى خطورتها.

خرجنا وقد استنفذت الطاقة النفسية قبل الجسدية، افترشنا الأرض ونحن في عالم غير الذي نعيش فيه. وبعد وقت قصير من جلوسنا على الأرض أمام غرفة الرعاية، بدأت تتوافد أسر تبحث عن أبنائها وقد قسموا أنفسهم مجموعات بين المستشفيات والمشرحة !

لم أجد إلا النوم على الأرض في أحضان أوجاع ينتفض داخلي صراخ لها وبسببها. ثم استيقظت على خبر حصار الأمن للمستشفى، وانتشار عناصره بالداخل للحصول على معلومات المصابين والقتلى وأنهم يعتقلون مرافقي المصابين ! لم أنزعج كما كان حال الصديق الذي أبلغني، رصدنا تحركات عناصر الأمن ولكنهم لم يقتربوا منا حتى غادرنا المستشفى.

وما إن خرجت من المستشفى، علمت بإصابة صديقي وابن عمي أحمد الزعيم – صادر بحقه حكم بالمؤبد حضورياً – بطلق ناري أحدث في كفه عاهة مستديمة، فاتصلت به لأطمئن عليه فقال لي بقوة صوته وشجاعته “فدى الدين والبلد والناس ومكملين”.

 

تلك هي ذكرى محمد محمود في نفوس من كانوا هُناك، ولا زالوا يعانون فقدان الأحبة. تهل كل عام برائحة الدماء وخذلان الرفقاء، ذكرى صنعت حاجزا بين أبناء الثورة، مهدت طريق النصر للدولة العميقة وضاعفت أوجاعنا.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “مجلة ميم”

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.