ثقافة

فيروز العرب في عيد ميلادها ال82 ..

ثقافة

ماذا لو ابتسمت فيروز، لتنير لنا درب العتمة في عالمنا الذي نالت منه الحروب، ماذا لو ضحكت فيروز فتشرق شمس الحرية بأشعتها الذهبية، ماذا لو غنت فيروز لتشعل القلب حماسا والروح اتقادا؟

 

هي لوحة رسمت وشكلت لتضيف جمالية على وطن مهزوز، هي شحنة من الآمال والانتصارات، هي صورة للوطن ومرآة عاكسة له.

“نهاد حداد” التي تقمصت فيروز وامتزجا في شخصية واحدة عظيمة، استمرت في علاقة جدلية بين الانسانة والفنانة لتولد من رحمها “جارة القمر”.

في يوم ميلادها ال82، ميلاد وطن، بألوانه المختلفة العاطفية والفلكلورية والوطنية أو كما يسميه اللبنانيون “عيد الدني”.

بعيدا عن الأضواء بخجلها الذي يكسو أغانيها واطلاتها، تمكث فيروز منفردة وفريدة، مختلفة وثرية، منعزلة ومغمورة، تختار الصمت “لا أتوفق دائما في التعبير أفضل أن تكون صورتي المحكية غنائية”.

ولدت في الحادي والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1935 في بيت صغير في زقاق البلاط بلبنان، كان بيتا فقيرا، والدها موظف في مطبعة وأمها صاحبة صوت جميل، فانتقلت جيناتها الصوتية الى حنجرة فيروزية لتغني لنا ع”البساطة” دون تكلف، وعن الحب والوطن …

 

 

مخطئ من اختصر فيروز لصباح يشرب فيه قهوة دافئة أيام البرد، فقد خلقت لكل الأوقات للصباحات الباردة والمساءات اذا سكن الليل، لحنين الحب، لذكرى الغياب، لوطن السلام..

يقول محمود درويش” فيروز موجودة في مكونات عاطفتنا العربية وكل عاطفة عربية ذات مرجعية فيروزية، هي ليست فقط مغنية الجمال والطبيعة والحب انما هي مغنية القومية والوجدان العربي”.

 

بدايات السيدة فيروز

“كنت بالمدرسة حيث يزورنا الأستاذ “محمد فليفل” من وقت لآخر ليسمع الأصوات ويمرنها في معهد الموسيقى”

أعجب الأستاذ بصوتها كثيرا وقدمها في الإذاعة اللبنانية وعملت فيها “كوراس” الى أن التقت عاصي الرحباني الذي كان يعمل ضمن فرقة الإذاعة “أول ما شفتو قلت عنو دمو ثقيل” وكان حليم الرومي مدير القسم الموسيقي حينها وهو من لقبها باسمها الفني “فيروز”.

 

منذ طفولتها لم تسعى لتقليد الفنانين كانت تغني بإحساسها وطريقتها حتى فرضت شكلا موسيقيا يميزها من خلال أول عمل فني قدمته للجمهور وهو “حاجة تعاتبني” للأخوين الرحباني عاصي ومنصور

 

 

 

رحلة مع الأخوين الرحباني

جمعتها مع الرحابنة الموسيقى والبساطة، والبدايات التي توجت فيما بعد بحوالي 16 مسرحية غنائية و3 أفلام وقرابة الألف أغنية.

 

 

الى جانب زواجها من عاصي الرحباني الذي أنجبت منه أربعة أطفال أكبرهم الفنان زياد الرحباني الذي ولد سنة 1956 وحمل المشعل ليلحن لوالدته أغاني لاقت شهرة كبيرة من أهمها “كيفك انت “التي ترددت 4 سنوات قبل أن تغنيها وتشهد نجاحا باهرا، كما أنجبت هالي وهو مقعد وليال التي توفيت بعد 12 سنة من ولادتها إضافة الى ريما الكاتبة والمخرجة التي تقوم بإدارة أعمالها الآن.

 

 

 

مثلت مسيرتها الفنية ثورة جديدة في عالم الفن العربي حيث اختصرت وقت الأغاني بقوة معانيها فلم تكن من الذين اتجهوا للأغنية الطربية الطويلة بل كانت أغانيها بسيطة وقصيرة وهادفة

 

 

فبالتعاون مع الأخوين الرحابنة أدت جارة القمر أشهر أغانيها الوطنية على غرار زهرة المدائن “القدس” بعد هزيمة 1967، احكيلي عن بلدي…

 

 

غنت للقدس و الشام ودمشق، لبيروت ومصر، لبغداد، ومكة، للحياة للبحر للطبيعة، للسلام وللشعوب…ولم تغني يوما لقائد أو زعيم لأن الوطن وحده باق.

 

 

أدت الأغاني بلهجتها اللبنانية والقصائد الغنائية “أعطني الناي وغني، سكن الليل، أهواك بلا أمل…ومزجت الطابع الشرقي بالنمط الغربي فلا هي أغاني حزينة حد التراجيدية ولا هي أغاني مبهجة حد الرقص فاستطاعت بذلك أن تأخذ مسافة من كل شيء.

حرب لبنان

خلال حرب لبنان التي امتدت 15 سنة من 1957 الى 1990 توفي عاصي الرحباني، فترة عاشت خلالها فيروز عزلة كبيرة وقبعت خلالها في أحد زوايا منزلها الذي كان يشعرها بالأمان في وقت اجتمع فيه اللبنانيون في الملاجئ على صوت الراديو الذي يصدح بصوتها فيبعث فيهم أمل الخير القادم وهي وحيدة دون مواساة من أحد في محنتها.

 

كانت تخشى مواجهة الناس وهي خائفة لأنها تمثل لبنان وإذا رجف لبنان أمام شعبه انتهى، فلا يجب أن تهتز صورتها أمامهم حتى لا يهتز الوطن.

 

حتى أن منزلها قصف سنة 1989 ولم تخرج منه الى أي مكان تقول إنها لم تفكر أبدا في مغادرة لبنان حتى من أجل الحماية ف “إن كان الموت قادما لن نهرب منه”.

 

“فيروز ما بتموت”

سئلت فيروز في لقاء صحفي “لماذا يحدث كل هذا في لبنان” فأجابت “الشر كبير”

ولكنها قالت “يوجد خير ويوجد شر ودائما ينتصر الخير في النهاية”.

لازالت الى اليوم تؤمن بأن الخير قادم رغم الصراعات السياسية والأيديولوجية والطائفية، وتملك من الجمال والحس الفني ما يجعلها مسكنا لمشاعر الخيبة العربية ودواء لجراح الماضي الذي ملأت الهزائم والنكسات صفحاته.

 

 

غمرت الناس بحبها فلم يصدق أحد منهم موتها في مسرحية “جبال الصوان” التي صورت سقوط جبال الصوان في أيدي الطاغية عندما رفض قائد الضيعة أن يستسلم فقتل على بوابة الضيعة، ثم حكم ها بقبضة من حديد ليعيش أهلها تحت الظلم والقهر والاستبداد الى ان ظهرت ابنة قائدهم وبعثت فيهم روح الثورة والحرية”.

فوقف المشاهدون في قاعة العرض وصرخوا “يكسر دينك فيروز ما بتموت”.

 

 

“وجه لبنان البريء الطاهر”

هكذا وصفتها الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي، فيروز التي اختارت الوطن لم تعلن يوما انتماءها لأي حزب سياسي أو طائفة بقدر ما حافظت على هويتها الفنية حتى أنها رفضت اعتذار ابنها “زياد الرحباني” بعد الخلافات الأخيرة بين أفراد العائلة وأحد أسبابها تصريحه بأن السيدة فيروز تساند “حسن نصر الله” وقامت ابنتها ريما والناطقة باسمها بنشر بيان أكدت فيه أن فيروز لن ترد على مثل هذه التصريحات.

“أؤكّد لكم من موقعي، ومن هذا البيت، ومن حرصي وواجبي على المحافظة على احترام فيروز لاسمها، ومسيرتها، ورسالتها، وأعمالها، وماضيها، وحاضرها، وأسلوبها بالتعاطي مع الأمور، فإنّ هذا الموضوع وكل المواضيع والتصريحات السابقة السياسية وغير السياسية التي تناولت فيروز، لا تتعدّى كونها تكهنّات وتركيبات زيادية على حساب فيروز فقط لا غير، فلا تزعلوا، لأن مصير هذه الحملة سيكون مثل كل الحملات التي سبقتها، وهو معلوم”.

 

 

وقد سبقت هذه الادعاءات جدل قديم حول التوجه السياسي لعصفورة الشرق وكان ذلك مع صدور أغنية “عودك رنان” التي يذكر فيها اسم علي “ظلك عيد يا علي”، ليسبب ذلك اشكالا مع الشيعة معتبرين أنها رسالة موجهة إليهم.

رغم ابتعادها عن الساحة الفنية تشغل فيروز القلوب وتغذي الروح بصوتها السحري الذي يمس كل عربي مهما اختلفت توجهاته وبعد إصدارها لألبوم “ايه في أمل” رغم الانتقادات التي لاحقته حققت نجاحا واتماما كبيرا.

 

 

ومؤخرا، أصدرت ألبوما جديدا “ببالي” الذي لاقى انتقادات كبيرة فهناك من رأى أن صوتها لم يعد كالسابق وآخرون اعتبروا أنها استعجلت في اختيار الأغاني.

ورغم الانتقادات تبقى فيروز أرزة شامخة من أرض لبنان التي زرعت في مختلف الأقطار العربية ما عجز عنه السياسيون والمطربون من قبلها.

غنت وأبدعت وأمتعت وآنست بصوتها الشجي وكانت أرضا تجتمع على سطحها جميع الطوائف مهما اختلفت، لتثبت أن الموسيقى رسالة الشعوب والأوطان لتختزل في عينيها انتصارات الوطن المؤجلة.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “فيروز العرب في عيد ميلادها ال82 ..”

  1. إلى السيدة الأجمل وصاحبة الموهبة الأروع ، عندما تشتعل الدنيا بالحرب والدمار وكل قبيح ، يصدح صوتك ليعيدنا للسلام والحب والسعادة والجمال ، عيد ميلاد سعيد ، تقبلي فائق التحاية والسلام .

اترك رد