ثقافة

الموقف والاحتجاج في سينما هشام العسري

ثقافة

لقد تأثرت الأجناس الإبداعية في العالم بمخلفات ما بعد الحداثة، حيث لم يعد الإنسان المبدع في حرب مباشرة مع العالم، إذ ابتكر آليات جديدة للمواجهة، وطور من أساليبه، سعيا منه لمواكبة المتغيرات السريعة من حوله، ومن أجل الحفاظ على قوته وتوازنه مع كل القوى.

وقد انتقل هذا التأثير إلى السينما؛ باعتبارها فنا من الفنون الحية، التي تمتح من الرواية والشعر والمقالة والفكر والنقد، وتجلى هذا التأثير، في اللغة السينمائية الجديدة، وفي طبيعة القضايا التي أصبحت ملهمة للمخرجين ولكتاب السيناريو، والتي غالبا ما يطغى عليها طابع “الواقعية”، والراهنية.

المخرج هشام العسري

وإذا كانت السينما الايطالية قد أسست لسينما جديدة واقعية جدا، بعد أن وجدت في “الغرامتشية” مرجعا نظريا غنيا، فإن السينما المغربية أيضا، وعبر مخرجين شباب، ينتمون لجيل الثمانينات، وخصوصا الذين تلقوا تكوينهم الأكاديمي في أوروبا، فإنها قد دخلت غمار هذه التجربة الواقعية، التي تجعل من الأحداث الراهنة مادة سينمائية خالصة، تقوم على بناء الموقف، ثم تمرير خطاب الاحتجاج، الذي يعكس غالبا ذاتية المخرج، ولكن بكثير من المسافة مع الأحداث، كما الشأن هنا لسينما المخرج المغربي الشاب هشام العسري (9 نيسان أبريل 1977)، الذي وصفته لطيفة أحرار ب”دالي” السينما المغربية، في إشارة إلى طابع السريالية الذي يظهر في أفلام هشام.

لطيفة أحرار

المرجع في سينما هشام العسري 

عرف المغرب منذ سبع سنوات خلت، متغيرات سياسية واجتماعية واقتصادية، فرضتها الجلبة التي عرفها العالم العربي، أو ما أطلق عليه بالربيع العربي، هذه المتغيرات، فرضتها قوة الشارع المغربي، عبر حركة 20 فبراير التي خرجت بمطالب اجتماعية وسياسية، بالإضافة إلى الشعار الذي يؤطرها، العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة، وكانت فرصة هامة لهذا الجيل الجديد، كي يفتح بعضا من صفحات تاريخ المغرب خصوصا عصر ما يسمى، بسنوات الجمر والرصاص، والذي كان فيه النظام السياسي بقيادة الحسن الثاني، يصفي معارضيه السياسيين، وكل المقاومين الذين حملوا السلاح ضده، في عز أزمة العرش والشعب.

ملصق فيلم هم الكلاب

“هم الكلاب” فيلم صوره هشام العسري في عز غليان حركة 20 فبراير، مستحضرا شخصا من سجن النظام السياسي، اسمه في الواقع حسن بديدة، لكن في الفيلم كان مجرد رقم لسجين 404، وهو الرقم الذي يعني في لغة الإعلامية “الرسالة الخاطئة”، وجد نفسه في أقبية الزنازين، بعد أحداث  سنة 81، التي طحنت فيها آلة النظام كل الأصوات المعارضة لصوت “الحسن”.

بعد مغادرته من السجن، يصطدم البطل بأحداث 20 فبراير، وكأن التاريخ بالنسبة إليه يعيد نفسه، لكنه من زاوية المتفرج، والمتسائل، والغريب الذي فقد كل صلته بالهوية، متشبثا في الآن نفسه، بالبحث عن أسرته التي فقدها منذ تاريخ اعتقاله. استهل هشام العسري فيلمه بلقطة للاحتجاجات، مدتها 5 دقائق، حيث يظهر مكبر الصوت يحمله شاب يردد شعارات وسط هتاف الجماهير.

 

يحاول صحافي شاب أن يأخذ تصريحا من البطل، الذي يظهر وفي يده عجلة صغيرة، وفي اليد الأخرى إكليل ورد، يبحث عن أسرته، وأبنائه الأربعة، يحاول أن يستذكر ما حدث يوم إضراب عام في سنة 81، لكنه لا يستطيع أن يتمم البوح للطاقم الصحافي المواكب للاحتجاجات، فيضطر الصحافي الشاب، تعقب البطل وإعادة بناء حكايته من الأول، دون يأس، سيجد البطل زوجته وقد تزوجت من رجل ثان، وهو المشهد الذي نستحضر فيه، الوعي السياسي للطبقة المناضلة في سنوات الثمانين، حيث كان هذا الوعي يقتصر على فئة قليلة من المناضلين، الذين كانوا ينتمون لأحزاب يسارية ومنظمات سرية، لكن دون توغل وسط المجتمع، ودون أن يكون لذلك الوعي صدى عند باقي أفراد الأسرة المغربية، التي كانت تعيش جحيم المداهمات واعتقالات أبنائها وأزواجها، دون أن تعرف لماذا كل هذا القمع.

حسن بديدة بطل فيلم هم الكلاب

وإذا كانت عبارة “هم الكلاب” وصفا قدحيا لفئة مجهولة غير معروفة، فإن نفس الشيء اعتمدت عليه الدولة المغربية في السنوات الأخيرة، حين أسست هيئة الإنصاف والمصالحة، وطالبت بتعويض ضحايا سنوات الجمر والرصاص، لكن دون أن تعتذر عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ودون أن تشير بالإسم ولا بالصورة إلى الجلاد، الذي بقي مبنيا للمجهول، مما جعل فئة أخرى، تعترض على هذه الهيئة، وعن جبر الضرر، إلى غاية معرفة من الجلاد، ثم يعتذر ملك البلاد بشكل رسمي وعلني. وهي الشروط التي كانت ستكون مدخلا لضمان عدم تكرار ما مضى.

هكذا جاءت عبارة “هم الكلاب” وأسفل منها صورة البطل من الخلف، يحمل في يد قنينة نبيذ، وفي اليد الأخرى عجلة صغيرة مبتورة من دراجة ابنه الهوائية، لتبقى دلالة الكلاب، قدحية تنطبق على كل من كان سببا في تحويل مسار حياة البطل، بدءاً من الجلاد انتهاءً بأسرته التي تنكرت له حتى في أرذل عمره.

 

سينما سريالية أم فوضوية 

وإذا كان المخرج والسيناريست البريطاني ليندساي اندرسون (1994-1923) قد أسس للسينما الحرة، بعد أن أخرجها من الأفلام التقليدية إلى الواقع الاجتماعي، وخلق طفرة كبيرة في السينما، فإن ذلك تحقق عبر تنظير كبير، كان يضع أولى لبناته في مجلة سينمائية متخصصة، اسمها “سيكوانس”.

ملصق فيلم جوع كلبك

من وجهة نظره يقول هشام العسري، إن المرجع الحقيقي الذي بُنيت عليه مواضيع أفلامه السينمائية، هم الأشخاص أنفسهم، والأحداث التي عاشها المغرب أيضا، نموذج حراك 20 فبراير، وما ترتب عنه من قصص حقيقية، سواءً في اعتقال الأشخاص أو في تصفية بعض الأسماء، أو في العاهات القديمة التي خلفتها أحداث تاريخية من سنوات الجمر والرصاص، وكثير من الخيال.

وإذا كان هشام العسري قد ركز عدسة كاميرته على “404” كضحية لنظام سياسي سابق، فإنه سيعود بعد ذلك بفيلم جديد سماه “جوع كلبك” وهو عنوان مأخوذ عن مثل شعبي مغربي، يكرس مبدأ تبعية تقوم على الخنوع والاستعباد، وهو الفيلم الذي يستحضر فيه هشام الأيام الأخيرة من شخصية رجل جلاد اسمه إدريس البصري، الذي كان وزيرا للداخلية في المغرب، والذي أدى دوره الممثل بنعيسى الجيراري.

مات إدريس البصري منفيا في باريس، بعد أن أصبح محمد السادس ملكا للمغرب خلفا لوالده الحسن الثاني، وكان الملك الأب، يمهد الطريق لابنه، إذ بدأ بتصفية عدد كبير من المقربين من الملك، تحت شعار كبير “العهد الجديد”، ولكن الحقيقة الغائبة هي استمرار نفس العقلية المخزنية التي كانت تقوم على القمع والنار والحديد، عبر منطق أساسي يقوم على “جوع كلبك”، وتجلى هذا في فيلم هشام العسري، حيث يظهر أن إدريس البصري لم يكن شخصا فقط، بل كان عقليةً وتوجها سياسيا يعكس عمق الدولة التقليدية، عبر صنعها لجيل خاضع وخائف وتابع.

الممثل بنعيسى الجيراري

زارعا بدهاء كبير، “بصريون جدد”، لكن بمقومات جديدة، أكثر نعومة، لم يخلُ فيلم “جوع كلبك” من الاحتجاج أيضاً، حيث تظهر امرأة تشكو من فقرها وعدمها، ومن قصر يدها، وعوزها، تبكي بحرقة على حالها، محتجة على من يتحكمون في مصير الشعب.

وإذا كان البصري قد بدأ في نهاية عمره، يبحث عن مبررات لما أقدم عليه من جرائم ضد الإنسانية في المغرب، فإنه ظهر في صورة رجل دولة كان الأول بعد الملك، يعيش انفصاما كبيرا، بنوع من الاحتجاج على حاله، بين ما كان يتمناه لبلده، وبين ما كان يقوم به، تماشيا وتنفيذا لقرارات الملك الذي اختاره ليكون المنفذ الرسمي لتصورات القصر.

هشام العسري نحو التأصيل السينمائي 

إذا كان هشام العسري، كما وصفته بطلة فيلمه “جوع كلبك” لطيفة أحرار “دالي” سينما المغرب، فإن هشام بنفسه لا ينفي عنه هذه الصفة، بل أكثر من ذلك، قال إنه فوضوي، حين سألته هل سينماك تميل إلى السريالية أم الفوضوية، وتتجلى هذه اللمسة الفوضوية في تقنيات التصوير التي ينتهجها هشام، والذي غالبا ما يعتمد على كاميرا “شخصية”، متحركة، تتعقب الشخوص. بالإضافة إلى النفحة التحررية من القوالب الكلاسيكية في التصوير السينمائي. هذا التحرر في التقنيات لا ينفك أن يكون احتجاج المخرج على القيود والتنميط التقني الذي يحد من حريته كمبدع، يقرأ كثيراً للفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر، وقرأ النباش للروائي المغربي محمد خير الدين.

لن يتجادل اثنان أن هشام العسري قد بصم بشكل خاص على تيار سينمائي جديد في المغرب، يقوم على الموقف وعلى سينما النضال، التي تقوم على منهج تاريخي في استقراء الأحداث، وكأننا بهشام العسري يعيد صياغة الوقائع، باستحضار الشخوص الفاعلة، واستنطاقها من جديد، مع ضمان هامش لا بأس به من الحرية في التعبير، هذه الحرية التي انتزعها هشام منذ أفلامه الأولى، بدءًا من “النهاية” ومرورا بـ”البحر من ورائكم” ثم وصولا إلى “هم الكلاب” و”جوع كلبك”، ربما قد تكون من حسنات عدم دعم مشاريعه من طرف المركز المغربي للسينما، رغم أنه اسم معروف في إخراج العديد من السلسلات التلفزية، وما تدره هذه الأخيرة من أموال كثيرة.

سعيد غيدّى

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد