مدونات

وأخيرا ماكرون في الجزائر!!

مدونات


هذا العنوان “Macron enfin à Alger” كُتب بالبند العريض وبِلُغَة فرنسية لمَّاعة على غلاف جريدة “الوطن El Watan” الفرانكوفونية في نسختها الصادرة منتصف شهر الثورة المجيدة 15 نوفمبر 2017. انتقت الصحيفة اليومية عبارتها بدقَّة واختارت تاريخ نشر هذا العنوان بدقة أخرى كذلك، كلمة “enfin” توحي بأن هناك شيئًا ما طال انتظاره كثيرًا ثم تحقق وجوده ونحن على أحرَّ من الجمر من الأشواق، وغالبًا ما تُصحب هذه الكلمة بتنهيدة ذاك الانتظار الطويل!

 

 

لقد قرأتُ هذا العنوان ومخيِّلتي ذهبتْ بعيدًا إلى ما قبل عام 1962، حيث كانت الصحف الفرنسية الصادرة بالجزائر ترحب بالحُكَّام الفرنسيين الذين يأتون من الضفة الشمالية للمتوسط مُحَمَّلينَ ببشائر من القوانين والامتيازات التي تُضيف حقوقًا أخرى للمعمِّرين الأوروبيين على أرض الجزائر التي كانوا يؤمنون إيمانا جازما بأنها “جزء لا يتجزأ من فرنسا”.

قرأتُ هذا العنوان وأنا أترقب من حولي هل هناك جنودٌ فرنسيون يفرضون عليَّ أن أبتسم فرحًا بقدوم “الحاكم” إيمانويل ماكرون؟ أم هل هناك حفنةٌ من “الحَرْكَى” -المصطلح الجزائري الشعبي للخونة- سيُكبِّلوني ويحملوني إلى مركز الشرطة الاستعمارية للتحقيق هل أنا من الفلاقة أم لا؟

كانت تلك مجرد أوهامٍ، أعدتُّ النظر في تاريخ صدور هذا العدد فإذا هو حقًّا لا زورًا عام 2017 لا 1957، خاصة أن الألوان التي تشبَّعت بها صفحات الجريدة تدُلُّ على ذلك، لكن بقي لديَّ تخوفٌ كبير لا أكتمُهُ من ذلك كله، فالترحيب الباذخ الذي ناله فرانسوا هولاند -الحاكم السابق- حين زيارته للعاصمة الجزائرية جعلني أتفهَّم ذلك الشوق النابض في حروف جريدة “الوطن” لاستقبال خليفته إيمانويل بالعاصمة نفسها، وربما بالحفاوة نفسها أو أكثر لأسباب كثيرةٍ يمكن أن أُوجِزَها في أمر واحد: الحَرْكَى الذين تمَّ تصديرهم إلى فرنسا قُبيلَ الاستقلال وبُعيدَه؛ عادوا إلى الجزائر لأنهم أدركوا اليومَ أن وظائفهم مكفولةٌ وحقوقهم محفوظة تمامًا كما كانوا في ضواحي العام 1957.

هو من مخلَّفات الانهزاميِّين الذين لا زالوا يتمتَّعون بميزة “قابلية الاستعمار” التي أحرقت فؤاد مالك بن نبي وأشعلت صفحات كُتُبه

لكن لنترك اللغة الشِّعرية جانبًا ولنكن واقعيين أكثرَ؛ هناك آلاف من الشباب الجزائري يحلمون بالإقامة بفرنسا أو الدراسة بها باعتبارها إحدى الدول المتطورة علميًّا واقتصاديًّا، فضلًا عن مستوى الخدمات الاجتماعية وحقوق المواطنة..

كلُّنا شاهَد تلك الأفواج المتدافِعة أمام مقرِّ المركز الثقافي الفرنسي CCF الأيام الماضية للحصول على شهادة اللغة الفرنسية التي تتيح لهم الدراسة في جامعات باريس وليون وغيرها..

كلُّنا يعلم أن من اقتطع تأشيرةً لفرنسا فقد نفض عن نفسه غُبار “الميزيرية” وأن بإمكانه تنظيم نفسه ووضع النقاط على الحروف ليبدأ حياته من جديد، لأن هؤلاء الشباب فقدوا تلك الحقوق الأساسية في “جزائرهم” ليبحثوا عنها ولو بطعم الغربة ومرارتها في بلاد الآخَرين، وهذا حقٌّ من حقوق الإنسان لا جِدال فيها، فلكلِّ إنسانٍ البحث عن رغد المعيشة ومواصلة دراسته إذا لم يستطع تحقيق ذلك في بلده الأمِّ..

لذا فهذا أمرٌ مختلفٌ تماما عن مسألة الترحيب بفرنسا في الجزائر، بل هو من مخلَّفات الانهزاميِّين الذين لا زالوا يتمتَّعون بميزة “قابلية الاستعمار” التي أحرقت فؤاد مالك بن نبي وأشعلت صفحات كُتُبه.. الأمران مختلفان تمامًا، الشاب الجزائري الذي يحمل شهادة تحت إبْطِهِ وتعاسةً في يمينه وشِماله لن يُرحِّب بماكرون، بل ودَّ لو بصق على وجهه الاستعماري الذي يعلم جيدًا أنه لولاه لمَا قَبَع هو وسائر الشباب الجزائري المقهور تحت نير هذه المنظومة الفاشلة التي تعامل شعبها كما كانت تعاملهم إدارة الاحتلال أو بصورة أشدَّ تنكيلا وإيلاما.

سيزور ماكرون الجزائر في ديسمبر القادم حيث تنتهي كلُّ الأحلام، أحلام الجزائريين المشتَّتين في بقاع الدنيا، من الخليج العربي إلى تركيا والبلدات الأوروبية إلى كندا والولايات المتحدة الأمريكية، يُنيرون مراكز الأبحاث العلمية، ويُسيِّرون المستشفيات ويُلقون الدروس على طلبة أرقى الجامعات العالمية، ولا يجدون مع كل ذلك موطئ بيتٍ صغيرٍ لهم ولأبنائهم في هذه الجزائر ..

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “مجلة ميم”

الوسوم

الطيب صياد

صاحب رواية "العثمانية" خريج لغة ودراسات قرآنية وباحث في العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية

مقالات ذات صلة

اترك رد