مجتمع

من المسؤول عن تكرر الاعتداءات على المدرسين؟

تقارير إخبارية

تكررت حوادث الاعتداء على الإطارات التربوية من قبل التلاميذ وحتى الأولياء، ظاهرة تأخذنا إلى البحث في أسباب تفشيها في المجتمعات العربية. فبعد أن كان المعلم والأستاذ رمزا للمعرفة والعلم، وكان المربي يحظى باحترام الكبير والصغير، نراه اليوم في مشاهد مأساوية يندى لها الجبين، يُعنف ويهان على يد التلاميذ وحتى الأولياء..

الاعتداء على المربي: ظاهرة منتشرة في الدول العربية

تفاعل المجتمع التونسي مع الحادثة التي مرت بها أستاذة لغة عربية تعرضت في الآونة الأخيرة الى محاولة قتل على يد أحد تلامذتها، احتجاجا على إحالته على مجلس التأديب.

وتقول الأستاذة الضحية  وهي تروي ما جرى لها

“بينما كنت أدرس اقتحم تلميذ قاعة الدرس وأخذ يصيح آمرا التلاميذ بالخروج من قاعة الدرس، وكان يحمل في يده سكينا كبيرا.. بعد أن خرج التلاميذ، تقدم باتجاهي وأشهر في وجهي السكين ثم وضعه على عنقي ليذبحني، كنت أفكر في تلك اللحظة في مصير أبنائي بعد وفاتي.”

تواصل الضحية سرد قصتها ويداها ترتعشان وتقول بصوت خافت مرتجف “حينها تدخل زملائي والإطار التربوي وقاموا بانقاذي في اللحظات الأخيرة من بين يديه، وكان مصرا على قتلي لأنه في كل مرة يهاجمني ويقوم بافتكاكي  من بين أيدي زملائي لمحاولة ذبحي.”

وتتابع “بعد ذلك تم اخراجي من قاعة الدرس وتدخلت وحدات الأمن وتم إلقاء القبض على التلميذ.”

حالة من الخوف والرعب خلفتها الحادثة في نفوس التلاميذ والإطار التربوي،  وأثارت جدلا كبير في الشارع التونسي الرافض لمثل هذه التصرفات.

 

حالة اعتداء أخرى عاشت على وقعها إحدى المدارس في تونس العاصمة، حيث أقدم تلميذ على تعنيف قيم عام، وتسبب له في أضرار على مستوى العين. 

 

تفشت ظاهرة تكرار الاعتداءات على المربين في الدول العربية خلال السنوات الأخيرة، وسجلت حالات تهجم عليهم في مصر والعراق والمغرب وتونس، تداولها الإعلام المحلي وتناقلتها منابر التواصل الإجتماعي.

وتتضاعف عمليات تعنيف الأساتذة في العراق، خاصة في فترة الامتحانات الوطنية، حيث سجلت مراكز الشرطة العراقية خلال شهر جوان الماضي 32 حالة اعتداءا على المعلمين في المدارس أثناء أداء الطلبة للامتحانات النهائية للعام الدراسي.

وقد تفاوتت الاعتداءات في العراق بين الطعن بالسكاكين والضرب والركل، ووصلت إلى اطلاق النار ومهاجمة منزل المدرس بالقنابل اليدوية، كما حدث في جنوب العراق.

وقد تداول العراقيون فيديو يظهر فيه أبن يسأل والده الذي كان يجهز نفسه للذهاب الى المدرسة لمراقبة سير الامتحانات، وكان يلبس خوذة وصدرية واقية للرصاص لحماية نفسه من بطش الطلاب.

المغرب لم يكن بمنأى عن هذه الآفة أيضا، فقد تداولت حسابات “فايسبوك” فيديو مأساويا انتشر بشكل سريع بين رواد هذا الموقع ، يظهر مشهدا صادما لتلميذ يبلغ من العمر 17 سنة يعتدي بالضرب العنيف على أستاذ داخل قاعة التدريس.

 

وقد أثار الفيديو سخطا كبير في المغرب وحول المنطقة العربية، وأبدى الكل استغرابه من المستوى المتدني الذي تردى اليه التعليم اليوم.

 

وقد قامت السلطات المغربية باعتقال التلميذ القاصر يوم 5 نوفمبر 2017.

الأسباب التي تقف وراء انتشار الظاهرة

فسر د. أحمد الأبيض الأخصائي الاجتماعي والنفسي تفشي الإنتهاكات ضد الإطارات التربوية داخل المؤسسات التربوية في تونس ب”غياب القيم الأخلاقية الضابطة للسلوك  داخل المجتمع الذي يعاني من أزمة أخلاقية حادة. حين يعتدي التلميذ أو الولي على الأستاذ، فهذا يدل على فقدان الاحترام المتبادل بين الأطراف الثلاث.”

وتابع محدثنا أن “الكثير من رجالات التعليم اتبعوا مسلك التجارة بالمعرفة، ولا يقومون بتقديم الدروس بالقدر الكافي حتى يجبروا التلميذ على أخذ دروس خصوصية.

وبالتالي هذا يضرب مقومات الاحترام في مقتل.” 

 

 “الأسرة تخلت عن أدوارها في التربية والتثقيف والرعاية والإحاطة، فالطفل لا يشعر بوجود رقابة عليه، لذلك يفعل ما يحلو له ويدخل في متاهة المخدرات والعنف. والحقيقة أنه في ظل غياب الأسرة يقع الكثير من التلاميذ بين أيادي عصابات المخدرات.. كما أن هناك تقصيرا أمنيا يساهم في انتشار الجريمة والتسيب في المجتمع”.

ومن جهته، أصدر المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية  دراسة حول العنف الحضري بتونس، تطرق فيها إلى أهم الأسباب التي ساهمت في انتشار ظاهرة العنف في المدارس، وأرجعها أساسا إلى  تقلّص دور الأسرة التأطيري، في ظلّ عمل الأبوين والالتجاء إلى المحاضن و التفكّك الأسري النّاجم عن الطلاق، بالإضافة إلى  عدم إشباع الأسرة لحاجيات أبناءها نتيجة تدني مستواها الإقتصادي

وتذهب الدراسة إلى أن للمجتمع دورا في انتشار ظاهرة العنف، بسبب السلطة الأبويّة التي ما زالت سائدة فيه، فنرى على سبيل المثال أنّ استخدام العنف من قبل الأب أو المدرس مباح ويصنف ضمن المعايير الاجتماعية السليمة.

 وتذهب النظرية النفسية الاجتماعية، إلى انّ الإنسان يكون عنيفا عندما يتواجد في مجتمع يعتبر العنف سلوكا ممكنا، مسموحا ومتفقا عليه. 

وتشير الدراسة إلى أن جزءا من المشكل يكمن في النمط التعليمي السائد الذي يقوم على تمجيد التلميذ النّاجح والتقليل من شأن التلميذ “الفاشل” دراسيا، حسب مقاييس صارمة للنجاح والفشل، تصنف آلاف التلاميذ الذين لا تنطبق عليهم خارج دائرة التوفيق والإنجاز والإطراء، مما يشعرهم بالتهميش والتجاهل والحنق الذي يترجم غضبا وعنفيا لفظيا وجسديا. 

كما يساهم عزوف الشباب عن دور الثقافة والشباب ونوادي الأطفال، نظرا لغياب البرمجة الثرية والتجهيزات العصرية في خلق واقع من الفراغ والضياع الذي يعشش فيه الإنحراف والضياع والعنف.

كما عاب المعهد عدم وجود التنشيط الثقافي والرياضي وعدم توفر الأنشطة المتعددة التي تشبع مختلف الميولات والهوايات، بالإضافة إلى اعتماد بعض المواد على الإلقاء وغياب الديناميكية والتي يلجأ فيها التلميذ إلى التشويش.

قانون يحمي المربي وإصلاح قطاع التعليم

وحول تكرر حالات الاعتداء على الاطار التربوي في المؤسسات التربوية في تونس  أكد محمود مفتاح رئيس منظمة التربية والأسرة   في تصريح لمجلة ميم أنه

“لابد من تجريم الاعتداءات خاصة وانها قد طالت المربين من طرف الأولياء والمنحرفين الذين يقتحمون المدارس ويعتدون على الإطارات التربوية”.

وتابع مفتاح أن “هذه الظاهرة خطيرة للغاية، لذلك من الضروري توفير حراسة مشدة  حتى لا يدخل الغرباء إلى المؤسسات التربوية ويتم تنظيم اللقاءات بين الأساتذة أو المعلمين والأولياء بشكل منظم وفي أوقات معينة”.

وتابع رئيس منظمة التربية والأسرة

 “لابد من  تسليط أشد العقوبات وتجريم الاعتداء على المربي “، مضيفا أنه ” لابد من تحسيس العائلات بالاحاطة بأبنائهم أكثر، حتى لا يرتكب الأبناء مثل هذه الأخطاء”.

 

 

أما في المغرب، فقد طالب المكتب التنفيذي للرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان إثر تتالي الاعتداءات على المربين، الحكومة المغربية بإلغاء الفوارق بين التعليم العمومي والتعليم الخصوصي، من حيث النتائج والامتيازات وضرورة إصلاح قطاع التعليم بالالتفات إلى دور المدرسة العمومية.

أما في العراق، فقد تعالت أصوات المنظمات والهيئات الحقوقية والشخصيات السياسية بتوفير قانون يحمي الكوادر  التربوية التدريسية.

وطالبت هذه الأطراف مجلس النواب العراقي بالتعجيل في تشريع قانون حماية المعلمين  الذي مازال في أدراج البرلمان، مشددين على أهمية تشريع  القوانين في ردع المتجاوزين، ومؤكدين أن القوانين السارية غير ردعية للمتورطين وتشرع لانتهاك حرمة المؤسسات التربوية والاعتداء على هيبة المعلم.

“قف للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا” مقولة تعكس المكانة الهامة التي كان يحظى بها المربي في ثقافتنا العربية، وها هو اليوم يهان ويضرب ويسب.. فمن يعيد للمربي هيبته واحترامه؟

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد