سياسة

هل قضت الثورات العربية على الفساد الذي ثارت ضده؟

تقارير إخبارية

بعد أسابيع من الآن  تحيي دول ما يُعرف بالربيع العربي ذكرى الثورات التي قامت بها شعوبها، في تونس ومصر وليبيا و اليمن وسوريا، ضد أنظمة ديكتاتورية مارست كل أشكال الفساد السياسي والاقتصادي.

تشابهت الشعارات التي غصّت بها الحناجر في الساحات والميادين، الكل هتف ضد الفساد و الرشوة والمحسوبية.

لكن هل تخلصت تلك الدول من عاهاتها المزمنة؟ يبدو أن المشوار مازال طويلا حسب ما تثبته التقارير الدولية.

في آخر تقرير لمنظمة الشفافية الدولية تفاقم الفساد في جل دول الربيع العربي، وخاصة سوريا التي احتلت المرتبة الرابعة عالميا في مؤشر انتشار الفساد، تلتها كل من اليمن و ليبيا التي احتلت المرتبة الخامسة في الدول الأكثر فسادا.

فيما حققت تونس تحسنا طفيفا في المؤشر، بعد اتخاذها عدة إجراءات في مجال محاربة الفساد، وأهمها إقرار قانون حق النفاذ إلى المعلومة، وتركيز الهيئة المعنية بتطبيقه، وكذلك  المصادقة على الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد.

حيث احتلت تونس المرتبة 75 عالميا من ضمن 176 دولة  و المرتبة السابعة عربيا مع الكويت في مجال انتشار الفساد .

مؤخرا أصدر مركز ” كارنيغي للشرق الأوسط” تقريرا حول ” عدوى الفساد في تونس” جاء فيه أنه “ليس مستغربا أن يكون الفساد في حقبة ماقبل الثورة، هو السمة البارزة للنظام السابق، لذلك ركّزت حكومة ما بعد الثورة، إدراكا منها لهذه الحقيقة، على مواجهة الفساد الماضي عبر سلسلة من آليات العدالة الانتقالية والقانونية. لكن، وفيما جهود البلاد تنصب على الفساد الكبير، كان الفساد الصغير ينمو ويزدهر.”

وهو ما يفسر التوجه الجديد الذي اتخذته الحكومة الحالية حيث نقلت اهتمامها نحو توقيف أولئك الذين كانوا أكثر تربّحا من فوضى فترة ما بعد الثورة. زيادة على  مواجهة التهريب، الذي هو يمثل أكثر وجوه الفساد خطرا والأكثر شيوعا. وقد تم في هذا السياق إيقاف العديد من رجال الأعمال و اباطرة التهريب في جهات متعددة من البلاد ولا تزال هذه الحملة مستمرة. وكانت بداية الحرب على الفساد تتصدى لقطاع  الديوانة(الجمارك) .ففي جوان /يونيو 2017، قام الشاهد بزيارة مفاجئة لميناء رادس بالعاصمة . وبعدها بأيام، اعتقلت السلطات 21 مسؤولا ديوانيا ، وأحالت 35 آخرين إلى هيئة تأديبية.

وهنا يشير التقرير إلى أن حرب الشاهد على الفساد حظيت بالمناصرة والذمّ في آن. فقد أقنع خطابه الأولي، وكذلك استعداده للإطباق على العديد من الشخصيات القوية، العديد من التونسيين بأن الحكومة جادّة أخيراً في التصدّي للفساد، فيما رأى آخرون أن رئيس الحكومة لم يذهب بعيدا في هذه الحرب و أن المشوار لا يزال طويلا.

تشير الأرقام إلى أنه على مدى السنوات الماضية، مثل الاقتصاد الموازي المتأتي أساسا من التهريب قرابة 53 في المائة من الاقتصاد التونسي. وفي هذا الإطار يعتبر الأستاذ شوقي الطبيب رئيس هيئة مكافحة الفساد (هيئة دستورية) “أنه في حين أن الاقتصاد التونسي يُبلي في الواقع بلاءً حسنا، إلا أن الدولة تتعرّض إلى الإفقار، لأن نصف المعاملات تجري خارج الاقتصاد الرسمي”

كما يعتبر أن القضاء على التهريب مشكلة معقدة خاصة في مناطق جنوب البلاد باعتبار “أن الكثيرين في الجنوب التونسي المهمّش يعتمدون على تهريب السلع كالوقود والمواد الغذائية لسدّ الرمق. وبالتالي، أي سياسة لمكافحة الفساد تقوم على سدّ منافذ وخطوط التهريب من دون توفير موارد بديلة للمهربين توفّر لهم مداخيل مستدامة على المدى الطويل، ستقود إلى المزيد من الفقر وانعدام الاستقرار. ولذا، تتطلب معالجة هذه المشكلة توفير بُنى تحتية اقتصادية تخلق فرص عمل، بدلاً من مطالبة الناس بتوفير أعمال لأنفسهم بأنفسهم. ”

تفاقم الفساد في دول أخرى

حسب مؤشر الشفافية الدولية لسنة 2016، تدهورت مصر درجتين مقارنة بـ 2015 ، فاحتلت المرتبة 108 في مؤشر مكافحة الفساد.

ورغم اعتراف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بوجود الفساد في مصر إلا أن النظام وجّه لرئيس لجهاز المركزي للمحاسبات، هشام جنينة تهمة نشر أخبار كاذبة تتعلق بالفساد في مصر، وحكم عليه بالسجن سنة وغرامة مالية ب20 ألف جنيه، ودفع كفالة مقابل عدم تنفيذ الحكم. فقط لأنه كشف أن حجم تكلفة الفساد في مصر، خلال السنوات الأربع الماضية، التي تقدر بنحو 600 مليار جنيه. وكان تحدث ايضا عن وجود مؤسسات فاسدة ضمن اجهزة الدولة.

ورغم أن جل الدول في العالم تعتمد  مثل هذه التقارير الدولية عن مكافحة الفساد كمرجعية للإصلاح و تجاوز الاخلالات، إلا أن أنظمة أخرى لا ترى فيها أي جدوى حتى انها تشكك في مصداقيتها و طريقة عملها.

وفي هذا السياق، يأتي تصريح رئيس هيئة الرقابة الإدارية في مصر مؤخرا ، الذي قال فيه

“إن المؤشرات التي توضع لقياس مستوى الفساد في الدول، يمكنها أن تعطي تقييما للوضع العام وما إذا كانت الدولة تأخذ بأسباب إتاحة مواردها بأسلوب عادل ‏وتهيئة الأجواء لمنافسة عادلة بين المجتمع وأفراده‏ إلا أنها في كثير من الأحيان تعتمد هذه المؤشرات على الانطباعات السائدة عن هذه الدول أكثر من الحقيقة الواقعة ولا تعبر عن واقع الحال السائد بتلك الدول‏.”

إلى حد ما، يعتبر الوضع في تونس و مصر في مجال مكافحة الفساد أفضل من باقي دول الربيع العربي، وتحديدا من ليبيا و اليمن وسوريا التي تحتل ذيل التصنيف الدولي في مكافحة الفساد. ويعود السبب في ذلك إلى تواصل النزاعات والحروب في هذه المناطق.

 وأمام غياب الاستقرار، ازدهرت عمليات التهريب حتى للثروات الوطنية على غرار ما يحصل في ليبيا بخصوص تهريب النفط، إذ تتم عمليات الترهيب عن طريق شبكات من المافيا لحقوق نفط تابعة للدولة الليبية مستغلين غياب مؤسسات الدولة بفعل التناحر السياسي.

تواصل تفشي ظاهرة الفساد في الدول العربية لا يقتصر فقط على الدول التي شهدت تحركات وانتفاضات، باعتبار أن المؤشر العالمي يضع 6 دول عربية ضمن قائمة الدول العشر الأكثر فساد في العالم، من بينها العراق و الصومال والسودان.

المساءلة  و المحاسبة و تطبيق القانون على الفاسدين لازال طلبا صعب المنال في الكثير من الأنظمة العربية، مع بعض الاستثناءات سجلت في الامارات وقطر اللتين احتلتا مراتب عالمية متقدمة في هذا المجال، لكن هذا لا يخفي تخوفات بسبب تراجع مؤشراتها في مكافحة الفساد، مقارنة بالسنوات الماضية.

الوسوم

دواجة العوادني

عضو فريق مجلة ميم التحريري، تختص في المواضيع السياسية والحقوقية

مقالات ذات صلة

اترك رد