مجتمع

هل تتصدر الدول العربية فعلا معدلات الطلاق في العالم؟

بالأرقام: تفكيك لفزاعة تصدر مجتمعات عربية لنسب الطلاق في العالم

لا يكاد يمر شهر أو أسبوع دون أن يصدر خبر أو تقرير في وسيلة إعلام أو أخرى تنبئنا أنالطلاق في العالم العربي في تزايد مخيفو أنالأسرة العربية مهددةوأننا بلغنا معدلات وصلت بِنَا إلىالتوب تان العالميلمعدلات الطلاق!

 فنقرأ مثلا في تقرير للبي بي سي العربية في 2016 يتساءلما أسباب ارتفاع معدلات الطلاق في المجتمعات العربية؟أن العالم العربييشهد خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في نسب الطلاق حسب ما تشير البيانات التي تصدر عن الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني.”

 ويحيلنا المقال إلى تقرير صدر في مصر يؤكدأن مصر احتلت المرتبة الأولى عالميا، بعد أن ارتفعت نسب الطلاق من 7% إلى 40% خلال الخمسين عاما الأخيرة، ووصل عدد المطلقات إلى ثلاثة ملايين.”

 وتؤكد هذه المقالاتكمقال في موقعلها اونلاين”  سنة 2005 أنالأسرة العربية في خطر مع تزايد حالات الطلاق خلال 2002 و2003م.”

 وتدلي سبوتنيك بدلوها في تقرير في 2017 يحذر أننسب العنوسة والطلاق تزايدت بشكل مخيف في السنوات الاخيرةويذكر المقالنسب مخيفةعن الطلاق بكل بلد عربي والمرجع هووفقاً لما أوردته الإذاعة الهولندية هنا إمستردام“.

 موقعروسيا اليومالعربي يسهم بعنوان مثيرمصر الأولى عالميا في حالات الطلاقمستندا الى تقرير صادر عنمركز المعلومات التابع لمجلس الوزراء المصري“. و يعلق الموقع أنذلك التطور الذي يهدد أركان مئات الألوف من الأسر والزيجات في مصر، رصدته الأمم المتحدة في إحصاءات، أكدت فيها أن نسب الطلاق ارتفعت في مصر من 7 في المئة إلى 40 في المئة خلال نصف القرن الماضي“.

تناقل للفزاعة دون تمحيص

 دون عرض مفصل للإحصائيات المزعومة، تسعى هذه المقالات الى تحديد أسباب هذاالارتفاع المفزعفيرجع البعض في مصر زيادة حالات الطلاق والخلع وتزايدها إلىقانون الخلعالذي دعمته سوزان مبارك زوجة الرئيس الأسبق حسني مبارك، والذي يشكل أحد أهم وأخطر الأسباب في ارتفاع معدلات الطلاق في مصر“.

 وتساهم الجزيرة في دوامة التساؤلات عنطاحونة الطلاق المتسارعةوتسأل كيف باتت مصر الأولى عالميا في نسب الطلاق؟

 ودون ذكر أي أرقام متعلقة بالطلاق في أي بلد آخر، يخبرنا تقرير الجزيرة عن “240 حالة طلاق يوميا بمعدل عشر حالات طلاق كل ساعة، كما بلغ إجمالي عدد حالات الخلع والطلاق عام 2015 ربع مليون حالة، بزيادة 89 ألف حالة عن عام 2014.”

 المختصون في الدراسات الديمغرافية يَرَوْن أن الأسرة في العالم العربي مستقرة لارتفاع نسب الزواج، على عكس تطورها في أغلب الدول الغربية، وأن نسب الطلاق، على العكس مما يعتقد الكثير لم تكن ضئيلة فيالماضي الوردي السعيدوإنما كانت دائماً متوسطة أي بمعدل 20%‏ أي طلاق واحد لكل 5 زيجات.

أسطورة تصدر مصر لمعدلات الطلاق عالميا تجد هي الأخرى بعض التشكيك لكن ليس في اتجاه نفي تلك المكانة وإنما مضيفة دولا عربية اخرى في هذاالإنجاز“. فنقرأ مثلا في نفس المقال (رام الله نيوز، رصيف22..) في الفقرة الاولى أنمصر هي الأولى عالميا في معدلات الطلاقثم بعد أسطر معدودة ودون أي تفسير، أنهتشير الأرقام إلى أن تونس احتلت الصدارة في العالم العربي في نسبة الطلاق عام 2016، والرابعة عالميا، مقارنة بعدد السكان“.

 أما موقع عين اليوم ففي حين أنه يصيب فلا ينسب للبلدان العربية دخولالتوب تانالعالمي لنسب الطلاق فيخبرناعالميا، احتلت المالديف المركز الأول في الطلاق بالنسبة لعدد السكان وذلك بنسبة 10.97 %، تليها روسيا بنسبة 4.5 % لكل 1000 من السكان.” في حين أن أعلى نسبة طلاق مسجلة بالعالم العربي هي الأردن“.

 حيث بلغت نسبة الطلاق بين الأردنيين 2.6 % لكل 1000 من السكان“- مسلية القرّاءالمحبطينلهذا الفشل في سباق الطلاق العالمي أنهمتفوقوا في هذه الممارسة حتى على كثير من الدول الغربية، بما فيها بريطانيا وفرنسا والسويد، وحلوا في المركز الـ16 عالميا“. ويبين الموقع أن الكويت في المركز الثاني عربيا بنسبة 2.2 % لكل 1000 من السكان، أما مصر فقد جاءت في المركز الثالث بنسبة 1.9 %.

 في حين أن هذا الموقع يشكر لأنه اصاب في تقريره عن ترتيب الدول العربية ولم ينسب لها تصدر التوب تان العالمي فإنه أخطأ في استعماله٪‏” في ذكر النسب لأن نسب الطلاق هي عدد حالات الطلاق لكل الف نسمة وليست نسبا مئوية.

 غياب للتخصص

وهو ما يحيلنا إلى نقص أو انعدام تخصص أي من كاتبي هذه التقارير المفزعة في الديمغرافيا أو دراسات العائلة أو المرأة. فتعداد الطلاق أمر غير بسيط والمقارنة بين البلدان أمر أصعب. فيسهل لغير المختصإفزاعالقرّاء بمقالات عنارتفاع نسب الطلاقوإدراج أرقام عن حالات الطلاقكل دقيقةوكل ساعةوكل سنةدون ذكرها في سياق يفيد ويساعد على الفهمفلا يذكرون مثلا عدد حالات الزواج في نفس الفترة أو ازدياد عدد حالات الزواج (وأيضاً بالطبع ازدياد عدد السكان) بما يعطي انطباعا خاطئا أن الزواج آيل للتلاشي والانقراض في العالم العربي.

 والطريف في الأمر أن هذه الصيحات المحذرة منالارتفاع المفزعللطلاق وتهديدهلاستمرار الأسرة والمجتمع ليست جديدة وإنما تطالعنا منذ عقود وحتى منذ أكثر من قرن. فما صحة هذه المزاعم والمخاوف؟ وما الذي يفسر تواصلها وتكررها؟ 

سنحاول في هذا الجزء التركيز على الإحصائيات للجواب على السؤال الأول ثم نمر في جزء تال لنحاول الإجابة عن السؤال الثاني.

 

سباق الطلاق الزعوم: بين تونس ومصر

سنركز على تونس ومصر لكثرة التقارير التي تزعم تصدرهما معدلات الطلاق في العالم. وينبغي الانتباه الى صعوبة او استحالة المقارنة الدقيقة بين معدلات الطلاق بين البلدان لاختلاف القوانين المنظمة للزواج والطلاق واختلاف طرق تسجيل الزواج والطلاق (مثلا بعض الإحصاءات تشمل الطلاق الرجعي ضمن حالات الطلاق أو العودة للزواج بعده ضمن حالات الزواج).

وقد قمت بالبحث عن إحصاءات الزواج والطلاق في تونس ومصر منذ الستينات إلى سنة 2015, استنادا إلى مواقع الأمم المتحدة والمعاهد المتخصصة بالإحصاءات الرسمية في البلدين وقمت بحساب معدلات كل عشرية بقسمة معدل الطلاق.

على معدل الزواج  لكل سنة يعني نسبة الزيجات التي تنتهي بالطلاق، ثم قمت بحساب معدل كل عشرية. وكانت النتيجة كالتالي:

تونس:

الستينات: 19.2%

السبعينات: 11.6%

الثمانينات: 12.2%

التسعينات: 16.5%

العشرية الاولى من القرن ٢١: 15.5%

العشرية الثانية: 13.5

مصر:

الستينات: 22.5%

السبعينات: 20.9%

الثمانينات: 12.3%

التسعينات:15.5%

العشرية الاولى من هذا القرن: 13.3%

العشرية الحالية: 18.4٪

 وقد اخترت عرض الأرقام بهذه الطريقة أي نسبة معدل الطلاق إلى معدل الزواج لأنه الرقم الذي يبين لنا بصورة أوضح مدى ارتفاع نسب الزيجات التي تنتهي بالطلاق عِوَض الإكتفاء بعدد حالات الطلاق المسجلة في سنة معينة لأنه لا يصلح للمقارنة بسنة أخرى لأن عدد السكان نفسه يتغير (وهو الخطأ الأول الذي تقع فيه أغلب التقارير الصحفية المتعلقة بالطلاق التيتفزعنابذكر عدد حالات الطلاق كل يوم أو ساعة أو دقيقة دون أي سياق مفيد).

 كما لم أكتف بذكر معدلات الطلاق الخام التي تبين لنا عدد حالات الطلاق لكل ألف نسمة وهي بذلك أفضل من عدد حالات الطلاق لأنها تأخذ بعين الاعتبار التطور الحاصل في عدد السكان. لكنها لا تخبرنا شيئا عن تطور عدد الزيجات في نفس الفترة، وهو الخطأ الثاني الذي تقع فيه هذه المقالات المكتوبة من طرف صحفيين غير مختصين أو التي تلجأ لتعليقات وتحاليل غير المتخصصين.

 فبالرغم من أن معدلات الطلاق في ارتفاع، فإن معدلات الزواج (عدد حالات الزواج لكل ألف نسمة) أيضا في ارتفاع في معظم الدول العربية، على عكس أغلب الدول الغربية التي تشهد في الغالب ارتفاعا للطلاق وانخفاضا للزواج.

لذلك حين نقارن بين نسب الطلاق في البلدان العربية نجد أنها متوسطة وأقل كثيرا من اغلب الدول الغربية.

 ففي حين تبلغ نسبة الزيجات التي تنتهي بالطلاق ما بين 10-20% في العشريات الخمس الماضية في مصر وتونس، أي ما بين طلاق و طلاقين لكل عشر زيجات، تبلغ هذه النسبة 71% في بلجيكيا و 53% في الولايات المتحد الأمريكية و55% في فرنسا وأكثر من 60% في اسبانيا والبرتغال والتشيك والمجر.

 مما يؤكد بشكل قاطع بطلان ادعاء تصدر مصر أو تونس أو أي بلد عربي لمعدلات الطلاق في العالم.

أما عن الصيحات المحذرة من انهيار الأسرة العربية والتزايد المفزعلنسب الطلاق فتبين الأرقام انها هي أيضا مبالغ فيها ولا تساعد على فهم أو تفسير أي خلل حتى وإن وجد لبعدها عن الواقع وتهويلها المخل.

 الملاحظة الثانية هي أن معدلات الطلاق قد شهدت ارتفاعا وانخفاضا في العشريات الخمس الماضية وفِي حين أنه يصح القول إن نسبة الطلاق في مصر تشهد ارتفاعا نسبيا في العشرية الأخيرة (وليس ذلك صحيحا بالنسبة لتونس، وإنما العكس) فإن زعم ارتفاعهفي مصر من 7 في المئة إلى 40 في المئة خلال نصف القرن الماضي، كما تدعي بعض المقالات والتقارير، أمر مجانب تماما للصواب.

 هذا الزعم يضخم من نسب الطلاق الحالية، كما يجعل نسبته في الماضي ضئيلة الى حد لم تبلغه نسبة الطلاق في تاريخ مصر، بالإضافة إلى أنه لا يُبين أن نسبة الطلاق عرفت ارتفاعا وانخفاضا في الفترة المذكورة. كما يغفل ذكر أن النسبة الحاليةوإن كانت في ارتفاع بالنسبة الى العشرية السابقةلم تبلغ النسب المرتفعة التي بلغتها في الستينات والسبعينات.

تهويل وتخويف

المقصود إذا ليس نفي إمكانية ارتفاع نسبة الطلاق في بلد عربي أو آخر، وإنما لفت النظر إلى التهويل والتخويف المبالغ فيه والإيحاء بأن شيئا غير مسبوق يحصل في العالم العربي يهدد كيان الأسرة واستمرارها، حيث يصور لنا أن النسبة الحالية عالية بشكل غير مسبوق (بالنسبة للنسب في العالم وبالنسبة لتطور النسبة في الماضي) وأنه في الماضي كانت توجد أوضاعمثاليةيندر فيها الطلاقوكلا الزعمين مغالطة للقارئ ومناف للواقع والتاريخ.

 فالمختصون في الدراسات الديمغرافية يَرَوْن أن الأسرة في العالم العربي مستقرة لارتفاع نسب الزواج على عكس تطورها في أغلب الدول الغربية، وأن نسب الطلاق، على العكس مما يعتقد الكثير لم تكن ضئيلة فيالماضي الوردي السعيدوإنما كانت دائماً متوسطة أي بمعدل 20%‏ أي طلاق واحد لكل 5 زيجات.

 والطريف في الأمر أن هذا التهويل والنظرة المغلوطة عن تطور الأسرة في الماضي نفسه يتكرر كل فترة وأخرى، فتلمح نفس التحسر على انهيار الأسرة وارتفاع نسب الطلاق في خطاب عدد من المصلحين قبل قرن من الزمن. ويمكننا في مقال آخر نقاش الأسباب المُحتملة لهذا التناقض المستمر بين نظرة المجتمعات العربية للأسرة والطلاق وبين الواقع والإحصائيات.

الوسوم

يسرى الغنوشي

يسرى الغنوشي حاصلة على الدكتوراه في العلوم الاسلامية من معهد الدراسات الشرقية والافريقية بجامعة لندن، كما أنها فيزيائية مختصة في علوم فيزياء الفلك متخرجة من جامعة امبيريل كوليج البريطانية المرموقة

مقالات ذات صلة

اترك رد