منوعات

سيدة غانمي: ” الإعاقة في الفكر لا في الجسد”

"المشكل في المحيط لا في قدراتي وعزيمتي"

لم تمنعها إعاقتها العضوية من ممارسة حياتها اليومية، فقد استطاعت بروحها المرحة وابتسامتها الدائمة أن تبدع في الرسم على المحامل، حرفة تعلمتها منذ أن كانت تبلغ من العمر 22 سنة لتتنقلها فيما بعد لعدد من نسوة الحي. هي الناشطة الفاعلة في المجتمع المدني، ورئيسة جمعية 139 للتنمية المدافعة عن ذوي الإعاقة والأطفال فاقدي السند والمسنين. دعونا نتعرف علـى سيدة الغانمي.

” الإعاقة في الفكر لا في الجسد”

“أنا صاحبة إعاقة عضوية منذ أن ولدت، وتحديت إعاقتي منذ الصغر، تعلمت وتكونت وأنا الان أُعلم ما تعلمت”

هكذا حدثتنا سيدة غانمي ذات 35 ربيعا، وهي أصيلة منطقة منزل بورقيبة من ولاية بنزرت، شابة تحمل اعاقة عضوية منذ ولادتها، إلا أنها لم تمنعها من ممارسة حياتها بشكل طبيعي، فهي من ترعى والديها وتوفر لهم حاجياتهم.

تقول الشابة الطموحة والابتسامة لا تغادر محياها “لم تمثل الإعاقة التي حملتها منذ ولادتي إشكالا طوال حياتي، فأنا أعيش بطريقة طبيعية مثلما يعيش بقية من هن في سني، كما حققت نجاحات لم يحققها غيري”.

 

“الحواجز تمثلت في المحيط لا في قدراتي وعزيمتي”

لم يتسلل الشعور  باليأس يوما اليها، كفاحها كان منذ الصغر، حين غادرت أسرتها للدراسة في تونس العاصمة

“درست في مدرسة خاصة بذوي الإعاقة بتونس العاصمة  إلى حدود السنة السادسة ابتدائي، ثم عدت إلى مسقط رأسي لأكمل الدراسة في معهد منزل بورقيبة مثل بقية التلاميذ الا اني انقطعت عن الدراسة وكان مستواي الدراسي حينها السنة الثانية من التعليم الثانوي.”

بحسرة تستعيد ذكرياتها مع القلم والكراس

“كنت من التلاميذ النجباء في ذلك الوقت، إلا أنني خيرت الانقطاع عن الدراسة بسبب تآكل البنية التحتية بمنطقة منزل بورقيبة، فمنطقتي مهمشة ومفقرة. كما أن بلادنا لا تحترم القانون الراعية لذوي الاعاقة (الفصل 48 من الدستور التونسي)، فمعظم المؤسسات لا تحترم هذا القانون كالممرات والطرقات.”

“سيدة منزل بورقيبة”

وتتابع سيدة حديثها

“رغم تلك الصعوبات والحواجز التي اعترضتني، إلا أنني لم  لن أستسلم، فعند بلوغي سن الثانية والعشرين، قمت بدورة تكوينية في كيفية التعامل مع الحرفاء وتسيير المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وبعد حصولي على شهادة في ذلك المجال، أدركت حينها أنني أقدر على فتح محل خاص أكتفي فيه ببيع المنتوجات دون أن أستخرج عنصر الإبداع الكامن بداخلي، فبدأت في تعلم حرفة النقش على جميع المحامل، صبرت وتحملت وتحديت إعاقتي فأنا فاقدة لأطرافي الأربعة. وبعد ذلك تحصلت على شهادة  وفتحت محل أنتج فيه باقات من الأوشحة المزخرفة”.

 

 

عُرفت سيدة بدماثة أخلاقها، وإصرارها على النجاح، جعلت من محلها الصغير فضاءا لتفجير طاقاتها الإبداعية،

” أتقن حرفة الرسم على جميع المحامل فأنا أشتري الأواني المصنوعة من الفخار أو الزجاج، وارسم عليها اشكالا متنوعة ومتعددة  وبألوان مزخرفة، كما أقوم برسم أشكال كالخمسة والسمكة  وغيرها من الأشكال التقليدية على الأوشحة والحجابات”.

وقد حضت سيدة غانمي بشعبية كبيرة بين أبناء حيها وزملائها من الحرفيين وحتى الناشطين في العمل الجمعياتي، وأشاد جميعهم بأخلاقها الرفيعة في التعامل مع الجميع وتفانيها في عملها الذي أتقنته حتى انتقلت عدوى الشغف به إلى نسوة الحي وسعين إلى تعلمه. وقد أطلق عليها أهالي منطقتها “سيدة منزل بورقيبة”.

” 12 سنة وأنا أشتغل في مشروعي الصغير الذي أفنيت فيه سنوات من عمري، ووهبت كل المنتوجات لمسات من روحي وخيالي. لكنني تعبت ومرضت فقررت إغلاق المحل”

تواصل محدثتنا حديثها لمجلة ميم

“لم أقدر على مواصلة العمل لوحدي في دكاني الصغير، لعدة أسباب أهمها أن مواد التزيين والرسم غير متوفرة في أغلب الأحيان، كما أني مسؤولة على الاهتمام بوالديّ المسنين، وأنا من يهتم بشؤون المنزل، من طهي وغسل ثياب وتنظيف.. لذلك لم أعد قادرة على مواصلة العمل في المحل وقمت بإغلاقه.. لكن انهاء هذه التجربة لم يكن النهاية بالنسبة لي بل هي بداية تجربة أخرى أعتبرها ثرية ومهمة في حياتي”.

كل تجربة فاشلة هي بداية لأخرى ناجحة

 

“قمت ببعث جمعية أطلقت عليها تسمية جمعية 139 للتنمية، وقد تحصلت على  تأشيرتها في 15 مارس 2015.

شهدت الجمعية مخاضا عسيرا في بدايتها، حيث وجدنا صعوبة كبيرة في تشكيل الهيئة المديرة، خاصة أنه من الصعب اختيار فريق عمل ناشط وعازم على المواصلة في ظل المتاعب التي واجهناها.”

 “من أهداف الجمعية الدفاع عن الوضعيات الهشة وحماية ذوي الإعاقة والأطفال فاقدي السند والمسنين. كما أقوم بتعليم عدد من النسوة والفتيات الرسم على جميع المحامل وهي حرفتي منذ الصغر”.

 “نحن نعمل على تغيير نظرة المجتمع القاسية للأشخاص ذوي الاحتياجات الخصوصية، فالاعاقة في الفكر لا في الجسد، كما أننا نعمل على تكوين هذه الفئات ومحاولة إدماجها في الحياة المهنية، من خلال تعليمها حرفا ومهارات وتوعيتها بحقوقها وكيفية نيلها.. وقد نظمنا وقفات احتجاجية للمطالبة بحقوق ذوي الإعاقة وفق ما ينص عليه القانون ونقدم استشارات في مسائل شتى تتعلق بتصريف شؤون ذوي الحاجات الخاصة، خاصة على المستويين الإداري والقانوني.”

نجاح بطعم المرارة

“في تونس نفتقد إلى الكثير من المعدات، أتنقل أحيانا بقدمين اصطناعيتين المفترض أن أضع آلة في قدمي وهي غير متوفرة حاليا. كما أقوم بشراء بطارية قيمتها المالية 550 دينارا، أضعها في الكرسي المتحرك ليساعدني على التنقل دون عناء”.

سيدة غانمي وغيرها من ذوي الإعاقة، أثبتوا ولايزالون بأنهم قادرون على تذليل الصعوبات والعمل والإبداع وتقديم الإضافة، فهم موهوبون وقادرون على الإبداع والعطاء، إذا ما توفرت لهم العناية اللازمة والدعم الذي يجعل منهم قوة منتجة، لا عالة على المجتمع، ونموذج المبدعة سيدة خير دليل على ذلك.

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك رد