دين وحياةغير مصنف

السيدة عائشة لم تتزوج في سن التاسعة

تحقيق حول سن السيدة عائشة عند زواجها من النبي عليه الصلاة والسلام

في الآونة الأخيرة، تزامنا مع تشريع زواج بنت التسع سنوات في العراق، عادت بي الذاكرة إلى بعض المسلمات التي ارتطبت بشخصية نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، والتي حيرتني منذ سن مبكرة كلما ذكرت أمامي، وبعدها حين شرعت في البحث والاطلاع على صحيحي البخاري ومسلم وبعض الأحاديث التي يحتويانها، مما بدا لي في  تناقض صارخ مع الصورة السامية التي تشربتها منذ نعومة أظافري عن النبي الأعظم.

والحقيقة أنه لم يثر استنكاري من بين هذه الأحاديث والروايات عن الرسول الكريم أكثر من تلك المتعلقة بزواجه من السيدة عائشة في سن التاسعة. ورغم شيوعها وورودها في الصحيحين إلا أنها بدت لي مخالفة لنهج النبي وما تعلمنا عن سيرته وزيجاته وعلاقته بالمرأة وبالطفل.

وقد تحققت شكوكي حين بحثت في المسألة ونقبت فيها واطلعت على الأبحاث والدراسات التي أجراها علماء معاصرون وقدماء حولها.

الأحاديث التي تؤكد على صغر سنها 

نجد هذا الحديث في عدة مصادر أبرزها ما ورد في صحيح البخاري ومسلم تحت باب تزويج  النبي صلى الله عليه وسلم عائشة و قدومها المدينة و بنائه بها وباب تزويج الأب للبكر الصغيرة.

ونص الحديث هو كالآتي: حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، حدثنا أَبُو أُسَامَةَ حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : وَجَدْتُ فِي كِتَابِي ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَت : ” تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسِتِّ سِنِينَ ، وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ”   

 

في سند حديث “بنت التاسعة “

تفرد  برواية هذا الحديث شخص  وهو ” هشام ابن عروة “.

غير أن هشام بن عروة لم يدرك عائشة فقد ولد سنة 61 ه، أي عام استشهاد الحسين عليه السلام، ومات سنة 146 هــ،. وهو وإن كان إماما ثقة ثبتا جليلا، إلا أن ذلك لا يمنع من أن نستخدم عقولنا قليلا ونحكّم موازين الجرح والتعديل في ما قد نقل..

فهشام بن عروة الذي روى هذه الرواية قد رواها عن أبيه، و عاش في المدينة، حيث عائشة. وعاش هناك مدة قدرت بـواحدة وسبعين سنة، ثم انتقل في العشر سنوات الأخيرة من حياته إلى العراق، الكوفة.

يعني أنه عاش إحدى وسبعين سنة في المدينة ولم يرو عن عائشة شيئا رغم هته المدة الطويلة، ولم يرو أحد من العلماء المدنيين المعروفين بالرواية حديث زواج عائشة وهي بنت تسع سنين عنه وهذا عجيب تماما ..

بيد أنه بعد أن انتقل إلى العراق وجد عددا من الرواة يروون عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة .. وقد ذكر صاحب “التهذيب ” الامام الذهبي، وصاحب “تهذيب التهذيب” الامام العسقلاني، وهما كتابان من أوسع كتب الجرح والتعديل، عن يعقوب ابن شيبة أنه تكلم في “هشام بن عروة” من جهة حديثه عن العراقيين وقال إنه “إمام حجة ثبت لا نعرف عنه إلا الخير ولكنه تبسط في الرواية للعراقيين وأنكر ذلك عليه أصحابه” وأنكر ذلك عليه الإمام مالك أيضا..

ولم يكن مالك يقبل هذه الرواية عن هشام بن عروة من جهة العراقيين، وقال يحيى بن سعيد وهو من علماء الجرح والتعديل الكبار، قال: “رأيت مالكا فسألته عن حديث هشام بن عروة فقال أما ماحدث به وهو عندنا – أي بالمدينة – فهو ، وأما ما حدث به وهو في العراق فهذا لا…”

كما قال “ابن خراش” “إن مالك قد رد حديث ابن عروة الذي كان بالعراق“.

مقارنه عمر عائشة بعمر أسماء أختها ذات النطاقين 

توفيت السيدة أسماء ذات النطاقين  في سنة  73 للهجرة عن عمر 100 سنة. وحدث وفاتها موثق لتزامنه مع حدث وفاة ابنها ولأنها آخر متوفاة من المهاجرين،  وهذا مانقله النووي ووافق عليه ابن كثير و لعله لم يتفطن له.

فلو حذفت 100 سنة من 73 لتحصلنا على 27 سنة و هذا عمر السيدة أسماء أول عام من الهجرة.

قال أبو نعيم: “ولدت قبل التاريخ بسبع وعشرين سنة وكان عمر أبيها لما ولدت نيفًا وعشرين سنة وأسلمت بعد سبع عشرة إنسانًا”.

قال عبد الرحمان بن أبي زناد: “كانت أسماء أكبر من عائشة بعشر. فلو حذفنا 10 من 27 عاما لتحصلنا على 17 و هو عمر السيدة عائشة في السنة الأولى للهجرة و بداية السنة الثانية هجري تكون في  18 أي تاريخ زواجها من النبي محمد”.

تناقض حديث التسع سنوات مع أحاديث في الصحيحين

 يناقض حديث التسع سنوات روايات وأحاديث أخرى وردت في الصحيح نفسه، من بينها رواية لعائشة رضي الله عنها وهي تحكي عن نفسها ومشاركتها في غزوة بدر. وقد استغرب عدد من العلماء كيف تحضر بنت  الثماني أو التسع سنين في غزوة تشكل خطرا؟

وكي يجدوا مخرجا لهذا، ولأنهم لم يستسيغوا مشاركتها في غزوة كبيرة وهي صبية صغيرة كما يزعمون، برروا ذلك بالقول “إنها كانت من بين المودّعين”.  فكيف كانت من المودعين و هي تقول “كنا بالشجرة” و هو مكان يبعد ست أميال عن المدينة؟!

يروي البخاري عن أنس رضي الله عنه “لقد رأيت عائشة وأم سلمة تحملان القرب وتسقيان الجرحى..”

فكيف يرجع الرسول صبيانا عن سن الخامسة عشر، ونذركهم بالاسم، منهم عبد الله بن عمر وأسامة بن زيد ورافع بن خديج، ولا يخاف على بنت في العاشرة أو الحادية عشر، ولو وقع أسرها لنالت شتى أنواع العذاب؟!

الأرجح أن هذه تبريرات متكلفة لا محل لها في ضوء التحقيق المتقدم، وأنها شاركت في غزوة بدر وهي ما بين الثماني عشرة والعشرين سنة..

ثم إن خطبة السيدة عائشة أيضا قبل زواج  الرسول بها تجعلنا نتساءل إن كان قد عقد عليها في السادسة وبنى بها في التاسعة، فمتى كانت خطبتها لجبير بن مطعم  و متى؟!

فقد قال أبو بكر الصديق للرسول صلى الله عليه و سلم عندما أراد النبي الزواج من ابنته  “يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي كُنْتُ أَعْطَيْتُهَا مُطْعِمًا لابْنِهِ جُبَيْرٍ فَدَعْنِي حَتَّى أَسُلَّهَا مِنْهُمْ”،  أي من خطيبها الأول.

وليس معقولا أن يكون  جبير قد خطبها وأبو بكر مسلم وآل بيته مسلمون؛ لأن مصاهرة غير المسلمين تمنعها الخصومة الشديدة والصراع العنيف بين المشركين والمسلمين. فالغالب إذا أن تكون هذه الخطبة قبل بعثة الرسول، أي قبل ثلاث عشرة عاما قضاها الرسول في مكة.

كما يروى عن عائشة أنها قالت: «لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قِبَلَ الحبشة»

 وأخرج البخارى فى (باب- قوله: بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) عن (عائشة) قالت: “قد أنزل على محمد بمكة، وإنى جارية ألعب «بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ»,   

ويروى عن عائشة أن الرسول قد أتاها بعد غزوة تبوك أو خيبر “قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ

فإن كان قد أتاها بعد غزوة تبوك، كان ذلك في السنة 9 من الهجرة، و إن كان بعد غزوة خيبر، ففي السنة 7 من الهجرة. وإذا أضفنا 9 سنوات من الهجرة إلى عمرها حصلنا على 18 سنة، أما إذا أضفنا 7 سنوات إلى التسع فسنحصل على 16.

كما تؤكد كتب السنة أن ولادة السيدة عائشة كانت بين السنة الرابعة من البعثة و السادسة، وفي هذا اختلاف. ويعتمد في ذلك حديث وعيها على والديها مسلمين وحذف ست أو تسع سنوات من السنة الأولى من الهجرة و هي السنة التي تزوجت فيها عندما كانت تبلغ من العمر تسع سنوات.

وإذا جزمنا بهذا الأمر، فإن حديث “لقد أنزل على محمد بمكة “بل الساعة موعدهم و الساعة أدهى وأمر””، و هي آية من سورة القمر التي يجمع العلماء على أنها نزلت في السنة الخامسة من البعثة أي سنة ولادة عائشة، أو عندما كانت رضيعة، فكيف كانت رضيعة وحفظت هذه الآية؟!

كما أن هذه نفس السنة التي وقعت فيها الهجرة إلى الحبشة، العام الذي يفترض أن عائشة قد ولدت فيه، وتقول عنه «لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قِبَلَ الحبشة» فكيف عقلت بهذا و هي رضيعة؟

أحاديث اللعب

يروى عن عائشة أنها قالت:

” كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي”. -موجود في الصحيحين-   

و عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ، فَهَبَّتْ الرِيحُ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ: “مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ ؟!”. 
قَالَتْ: بَنَاتِي، وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَالَ مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟ قَالَتْ: فَرَسٌ، قَالَ: “وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟!”. 

قَالَتْ: جَنَاحَانِ، قَالَ: “فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ؟” قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلاً لَهَا أَجْنِحَةٌ؟! 
قَالَتْ: فَضَحِكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ

وقد قام العلامة أحمد تيمور في كتابه لعب العرب ببحث في أنتروبولوجيا العرائس واللعب بالبنات عند العرب ولم يجد في أدبيتاهم، من شعر ورسائل وخطب، أي صدى لل”بنات” كما سمتهم عائشة، ناهيك عن الحصان المجنح الذي ركبت فوقه. وذكر أحمد تيمور أن  النص الوحيد الذي تحصل عليه هو حديث السيدة عائشة، ويبدو الأمر مثيرا للشك و الغرابة.

وصف عائشة نفسها بالجارية

ما يلفت الانتباه في هذه الأحاديث تواتر لفظ “جارية” و”كنت ألعب” و”حداثة سني”.

حتى أنه روي عن السيدة عائشة في وفاة الرسول صلى  الله عليه وسلم أنها قالت “مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري وفي دولتي لم أظلم فيه أحداً، فمن سفهي وحداثة سني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وهو في حجري”.

فيبدو من الغريب أن السيدة عائشة في جميع مراحل حياتها كانت تطلق على نفسها مثل هذه الألقاب التي تتصل بالصغر والصبى. وتجدر الإشارة أن لفظ “الجارية” هنا يعني الفتاة الصغيرة، فربما كان ذلك للـتأكيد على صغر سنها مقارنة بزوجات الرسول وأنها البكر الوحيدة التي تزوج بها الرسول.

لو جمعنا كل هذه الأحاديث وأعملنا عقولنا ودققنا، لوجدنا أن الأرجح أن السيدة عائشة ولدت قبل البعثة، وهذا يتماشى مع مسألة حفظها للقرآن و ووعيها بوالديها مسلمين وبالهجرة إلى الحبشة ومشاركتها في المعارك و هي فتاة،  وليست طفلة، وصغر سنها عن أختها أسماء بعشر سنوات أثناء الهجرة.

أي أنها تزوجت النبي وهي في السابعة عشر من العمر، وكانت أصغر نسائه، مما يبرر تأكيدها على ذلك وافتخارها به للتشديد على تميزها عنهن بحداثة السن.

الأرجح أن السيدة عائشة تزوجت الرسول بعمر الـ (17- 18) سنة، وليس (9) سنوات، وأن هذه الرواية التى أخرجها البخاري ببساطة رواية فاسدة النص ومرتابة السند، وتخالف الشرع والعقل والأحاديث الصحيحة والعرف والذوق والعادة.

ما كل ما ورد في كتب السيرة والحديث مقدس، بل هو خاضع للتمحيص والتدقيق والترجيح وقواعد العقل والمنطق. طبعا، رفض بعض هذه الأحاديث الموضوعة لا يعني رفض كل الأحاديث وتبني موقف متشدد لا يقبل إلا بالنص القرآني ويرفض السنة جملة وتفصيلا.

لكن لا ضير في أن نعمل عقولنا ولا نقبل كل ما نتوارثه كمسلمات وحقائق، حتى إن كانت تستند لأحاديث ضعيفة السند أو تتناقض مع أحاديث أخرى، ومع روح الإسلام وسيرة النبي الأعظم الذي علمنا كيف يكرم الإنسان وتصان حقوق المرأة والطفل.

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد