ثقافة

عبلة الرويني: الكاتبة الصحفية التي فازت بقلب شاعر الرفض

سلسلة: الأدباء وقصص العشق

نحن لا نبحث عن الحب بل نلتقيه صدفة، تجمعنا به أحداث أو أمكنة وأزمنة، وقد يجمعنا به عمل فني أو ربما قصيدة.

أما عبلة الرويني، فقد وجدته في حوار صحفي بعد أن بحثت عن شاعرها المجهول في طرقات وشوارع القاهرة ومقاهيها، في أزقتها الضيقة وحول مبانيها، بحثت عنه بقصدية فسبقتها صدفة الحب.

لقاء القاهرية بالصعيدي

لم يكن هناك اعجاب أو معرفة شخصية، لا تعرف وجهه أو شكله حتى ولم يسمع عنها قط، هي الصحفية الشابة الطموحة في بدايتها وهو الشاعر الممنوع.

ومن الصعب أن يبحث المرء عن “كائن ليلي” ممنوع اعلاميا “كنت أبحث عن شاعر له قيمة، معتم في الصحافة، قبل اجراء الحوار في “صحيفة الأخبار” كان هناك رفض لنشره على الطبعة المصرية مقابل السماح بذلك فقط على الطبعة العربية”.

حوار استكمل بلقاءات للحصول على معلومات وصور، “أدركت حينها أنه شخص مختلف، يتعامل بشكل انساني ويكسر المسافات وهو قادر على جذب الصداقات “.

أضحت صديقته بعد المودة وحبيبته بعد الصداقة وخليلته بعد الزواج كانت عبلة الشجاعة التي لم تستهن بحبها.

وعندما اشتعلت مشاعر الحب وظهرت عاطفة تجاهه سبق قلبها لسانها وقالت إنها تحبه، اعترفت القاهرية بحبها للصعيدي “بادرت بالاعتراف ربما لأنه صعيدي، والتكوين الصعيدي يخجل من فكرة الحب ويعتبرها سرا من أسراره، يخجله أن يتحدث عنه بشكل جميل فكأنك كشفت جماله الداخلي”.

مشهد لا ينسى عندما قال لها نلتقي غدا أو بعد غد فردت “أكيد لأني أحببتك” تصريح أخجله وهو المختلف في تعبيره عن أحاسيسه فالمفردات المباشرة ليست جزء من سلوكه “هناك تعبير عن المشاعر أو بالمشاعر وهو من النوع الثاني”.

هو ليس “شاعر الحب أو المرأة”، أشعاره سياسية بأبعادها الرمزية العميقة التي تعبر عن قيم إنسانية.

أخبرته “انت لم تكتب عني قصيدة عاطفية” فأجابها بلا كان ذلك في “مقابلة خاصة مع بن نوح” (التي قلب فيها مدلول القصيدة التراثية وصوره كشخصية متمردة وثائرة في حين أنه عاص في القصة الحقيقية)

وبين لها أن صورتها تظهر في آخر القصيدة في قوله:

“بعد أن قال “لا” للسفينة…وأحب الوطن..”

ففترة السادات كانت فترة الهروب، عرفت خلالها الساحة الثقافية في مصر تحولات وشغلت فكرة السفر المثقفين فغادروا، وأتيح لدنقل فرصة الخروج أيضا، لكن عندما التقى بالحب قرر البقاء.

لم يصعد السفينة ولم يهرب من واقع السياسة التي أقصته من الحضور الإعلامي والثقافي ولا من الحب في علاقته بعبلة فهي لم تكن حب حياته فقط بل كانت له الوطن.

الجنوبي قصيدة وكتاب

“الجنوبي يا سيدي يشتهي أن يكون الذي لم يكنه

يشتهي أن يلاقي اثنتين:

الحقيقة والأوجه الغائبة”

هي آخر قصيدة لدنقل واختارت الرويني أن تسمي مؤلفها الذي خصصته لسيرة حياته بهذا الاسم، ليس لأنها آخر قصيدة له فقط، بل لما تحمله من معاني ثقافية وحضارية، ولإشعاعها وقيمها” اخترت الجنوبي لأنها تعكس ثقافة الجنوب وحضارته ومواقفه الصريحة الصادقة وأحيانا الحادة، وثنائية الحق والعدل…”

فقد عاش حياته دون جواز سفر وحصل عليه قبل وفاته بسنتين، وتزامن ذلك مع دعوة منظمة التحرير الفلسطيني له الى لبنان في إطار مهرجان شعري وكانت المرة الأولى التي خرج منها من مصر.

تخللت السفرة رحلة الى جنوب لبنان وكأنه “ذاهب الى موطنه الأول”، تتحدث عبلة بحماس عن زوجها الذي سعد بالجنوب اللبناني، بما يمثله من رمز للمقاومة والثورة، وشكى مرارة الوضع القاسي الذي عاشته البلاد.

تناولت الكاتبة فترات حياته الخاصة والأدبية، تعود الى الماضي وتمزجه بأشعاره ورسائله لها، تتحدث عن حب جمعهما في “مقهى ريش” بالقاهرة ولم يمت برحيله.

“انه يتلف الألوان جميعها ليظل الأبيض والأسود وحدهما في حياته … يحب أو يكره، يبارك أو يلعن. ..هارب دائمًا من كل مناطق الحياد التي تقتله”.

رسائل الجنوبي الى الرويني

تقول عبلة أن حبيبها الجنوبي لا يحب كتابة النثر بأسلوبه العاطفي فقال لها في احدى رسائله:

“لا أحب النثر كثيراً لكن هذه القضية الشديدة الخصوصية تجعلني على مفترق الطرق عن مدى استعدادك لتحمل هذا الذئب المتوحّد الذي يلبس دائما عباءة القط أو الكلب الذي يتودد إلى صاحبه”…

يصف احساسه طبقا لصورة عبلة المرأة العنيدة المشاكسة:

“لو لم أكن أحبك كثيرًا لما تحملت حساسيتك لحظة واحدة.. تقولين دائمًا عني ما أدهش كثيرًا عند سماعه، أحيانًا أنا ماكر، وأحيانًا ذكي، رغم أنني لا أحتاج إلى المكر أو الذكاء في التعامل معك”.

وتعتبر عبلة بيت أسراره، يودعها قلبه وروحه وأحاسيسه، يخبرها ما يعجز الآخرون عن فهمه:

” كنت أريد دائما أن يكون عقلي هو السيد الوحيد لا الحب ولا الجنس ولا الأماني الصغيرة.. لقد ظللت حتى أعوام قليلة أرفض أن آكل الحلوى، وأنها في نظري لا ترتبط بالرجولة، وظللت لا أقبل كلمة رقيقة من امرأة”.

يخاف أمل الفقد فالاستقرار بالنسبة اليه هو الاستثناء والتغيير هو القاعدة.

“لكنني قلت لك أيضا إنك لو عرفتني جيدا فلن تتركيني، إنني أحس بالرقّة النبيلة التي تملأ أعماقك كسطح صافٍ من البلور، لكنني أخشى دائماً أن يكون هذا مؤقتاً لقد علمتني الأيام أن القلب كالبحر لا يستقر على حال”.

عاشت عبلة في ظل كلماته ورحل تاركا لها دفء معانيها، رسائل وقصائد ملأت حياتها رغم الفقد، وهي اليوم تحيي ذكراه بحضورها الاعلامي وكتاباتها عنه.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق