سياسة

هل تهدد الحسابات الحزبية المسار الديمقراطي في تونس؟

تزامنا مع الجدل حول انتخاب رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات

أخيرا بعد جلسات عديدة و سلسلة من الانتخابات، تمكن مجلس نواب الشعب (البرلمان) في تونس من انتخاب رئيس جديد للهيئة العليا المستقلة للانتخابات بعد استقالة رئيسها السابق شفيق صرصار. وانتخب محمد التليلي المنصري رئيسا للهيئة بأغلبية 115 صوتا من أصل 184 نائبا شاركوا في التصويت، علماً أن العدد المطلوب لتولي المنصب هو 109 أصوات من إجمالي نواب البرلمان، البالغ عددهم 217.

جدل كبير رافق عملية اختيار الرئيس الجديد للهيئة ، وتوالت التقارير و التحليلات الإعلامية حول محاولة كل طرف السيطرة على الهيئة من خلال تزكية من تعتبره قادرا على تولي مهمة رئاسة أهم الهيئات الدستورية . وحتى بعد التوصل الى انتخاب رئيس جديد لا تزال الشكوك تحوم حول استقلاليته.

وكان رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي صرح عقب اللقاء التشاوري الأول بين أحزاب حركة نداء تونس وحركة النهضة والاتحاد الوطني الحر، أنه تم التوافق على ضرورة استكمال انتخاب رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بالتوافق على ذلك ، وأن الأحزاب الثلاث اتفقت على خيار واحد ” وفعلا تم في أول جلسة برلمانية عقب هذا الاجتماع انتخاب رئيس الهيئة.

فيما أصدرت 10 أحزاب من خارج الائتلاف الحاكم بيانا أكدت فيه “ﺣﺮﺻﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺍﻻﻧﺘﺨﺎﺑﺎﺕ ﺍﻟﺒﻠﺪﻳﺔ ﻓﻲ ﺃﻗﺮﺏ ﺍﻵﺟﺎﻝ ﻭ ﺗﻌﺒﺮ ﻋﻦ ﺃﺳﻔﻬﺎ ﻟﺘﻮﺍﺻﻞ ﺃﺯﻣﺔ ﺍﻟﺘﺴﻴﻴﺮ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﻬﻴﺌﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﻠﺔ ﻟﻼﻧﺘﺨﺎﺑﺎﺕ. ﻭ ﺗﻌﺘﺒﺮ ﺍﻋﻼﻥ ﺑﻌﺾ ﺍﻻﺣﺰﺍﺏ ﻋﻦ ﺗﻮﺍﻓﻘﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺗﻌﻴﻴﻦ ﺭﺋﻴﺲ ﺟﺪﻳﺪ ﻟﻬﺎ ﻣﻦ ﺷﺄﻧﻪ ﺍﻟﻤﺲ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﻘﻼﻟﻴﺘﻬﺎ ﻭ ﺑﺮﺻﻴﺪ ﺍﻟﺜﻘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﺗﺤﻈﻰ ﺑﻪ ﻟﺪﻯﺍﻟﺘﻮﻧﺴﻴﻴﻦ”.

ومن بين هذه الأحزاب نجد الحزب الجمهوري و حركة مشروع الذي يرأسه محسن مرزوق و حزب البديل التونسي الذي يرأسه مهدي جمعة رئيس الحكومة السابق. اضافة الى حزب آفاق تونس و حركة تونس أولا وحزب المسار الممثل في حكومة الوحدة الوطنية بوزير الفلاحة سمير الطيب.

كما اعتبر عصام الشابي الأمين العام للحزب الجمهوري أن ” هناك ارتداد سياسي يهدد المسار الديمقراطي نتيجة الضغوطات التي تمارس على حكومة الوحدة الوطنية من طرف ما وصفها ب”لوبيات نداء تونس والمتحالفين معها من حركة النهضة”.

أين يكمن الخلل، في الأحزاب أم في قانون الهيئة؟

يرى مراقبون أن الجدل الذي رافق انتخاب رئيس هيئة الانتخابات ليس سوى صراع بين من يريد استكمال مسار الانتقال الديمقراطي على عثراته و علاته وبين من يريد تقويضه.

وفي هذا الخصوص صرّح عماد الخميري الناطق الرسمي لحركة النهضة لمجلة ميم أن الحركة تعتبر استكمال المسار الديمقراطي شيئا ثابتا وقد قطعت تونس أشواطا مهمة في ذلك. أما فيما يتعلق باستكمال تركيبة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.

يقول الخميري ” إن انجاز الانتخابات البلدية هو مصلحة لتونس قبل أن تكون مصلحة حزبية، فهو أولوية وطنية وتفعيل لما جاء في المادة السابعة من الدستور بتفعيل الحكم المحلي و التخلص من المركزية المفرطة، خاصة و أن تونس على مدى فترات الحكم السابقة كانت موغلة في المركزية لكن بعد دستور 2014 لا بد أن يتغير الوضع من خلال توزيع السلطات بطريقة ديمقراطية .” ويضيف محدثنا أن المتأمل في وضع البلديات يلامس صعوبة أدائها لمهامها وهو ما يقتضي إجراء الانتخابات البلدية في أقرب الآجال

. وقال “إن حركة النهضة قد دافعت عن الموعد الأصلي للانتخابات البلدية الذي كان مقررا في 17 ديسمبر 2017 ومازلنا ندافع عن إجرائها في اقرب الاجال.”

أما فيما يتعلق ببعض الأحزاب التي اعتبرها محدثنا “غير راضية على إجراء الانتخابات واستكمال هذا المسار”، فيقول الناطق الرسمي لحركة النهضة إن السبب في ذلك يعود للأوضاع الداخلية لهذه الأحزاب وعدم جاهزيتها للذهاب إلى انتخابات في الوقت الحاضر” .

واعتبر أن التشكيك في استقلالية رئيس الهيئة مبني على فرضيات غير صحيحة باعتبار أنه تم احترام القانون الانتخابي في اختيار الرئيس باعتباره عضوا كغيره من أعضاء الهيئة الآخرين الذين تم اختيارهم ضمن المعايير القانونية التي حددها قانون الهيئة ، وبالتالي فإنه لا يمكن الحديث عن غلبة لهذا الطرف أو ذاك.

ويضيف أن “الهيئة مشهود لها باستقلاليتها و علينا جميعا أن نحافظ على هذا المكسب. وعلى الهيئة أن تنكب على العمل من أجل الاستحقاقات الانتخابية القادمة والتي من أهمها الانتخابات التشريعية الجزئية في ألمانيا و الانتخابات البلدية في مرحلة أولى ثم انتخابات 2019.”

في المقابل، يرى الصحفي والمحلل السياسي محمد بوعود ، في حديث لمجلة ميم أن أن التضارب لا يكمن بين من يريد مواصلة المسار الديمقراطي وبين من يريد تقويضه، بل إن المعركة تكمن داخل الهيئات الدستورية نفسها، والخلل في تكوينها، وفي القوانين التي بعثتها وشرّعتها، والفخاخ والحُفر الكامنة في تفاصيلها.

“الجميع متّفق اليوم في تونس على أنه لا رجوع عن المسار الديمقراطي، و لا مجال للارتداد على هذا الانتقال، لكن الاختلاف هو في الآليات الكفيلة بإيصال هذا المسار إلى غايته النهائية، وهي إرساء ديمقراطية حقيقية مستقرة وسليمة ومتينة وتحمي نفسها بنفسها.”

وفي هذا السياق يضيف محدثنا “إن الذين وضعوا القوانين المؤسسة للهيئات الدستورية، تغافلوا عن ثغرات قانونية في تفاصيل اشتغالها وتركيبتها وهياكلها، أو قد يكون المشرّع تعمّد ذلك، المهم أن هذه الهيئات وصلت بعد سنوات من الاشتغال إلى طريق شبه مسدودة، وأصبحت تقريبا عاجزة عن أداء دورها في ظرف عادي وسليم.”

وأوضح أن التجاذب الذي رافق انتخاب رئيس الهيئة العليا للانتخابات، قد وضع الأصبع على موطن الداء، وهو تركيبة هذه الهيئة نفسها، فآلية الانتخاب عن طريق مجلس النواب وضعت الهيئة ومصيرها بأكمله تحت رحمة التكتلات الحزبية، و أخضعت كل أعضائها إلى سوق التحالفات السياسية .وبالتالي كان بإمكان قانون الهيئة أن يجعل انتخاب رئيسها أو تجديد أعضائها يتم بانتخاب في داخل الهيئة نفسها بصيغة من الصيغ، يمكن الاتفاق عليها، لكن ان يجعله من اختصاص مجلس النواب فإنه قد قضى عليها بعدم الاستقلالية وجعلها رهينة من يصوّت للرئيس، أو من يوافق على القُرعة والأعضاء الذين يلتحقون.”

ولا يمكن أيضا التغافل على أن الهيئات الدستورية لم تعط الى حد الان مردودا يقنع التونسيين بضرورة بقائها أو بدعمها، بل غرقت كلها تقريبا في خلافات داخلية وحسابات شخصية، أخرجتها تقريبا من دائرة الاهتمام.”

فيما كتب الصحفي زياد كريشان في افتتاحيته بجريدة ” المغرب” التونسية “إنّ أسوأ ما في هذا الوضع الانتقالي هو غلبة الشعور بأننا نراوح مكاننا وأن خلافات السياسيين الحقيقية والمفتعلة بصدد تهديد البناء المشترك…” مضيفا “بلادنا في مفترق طرق وهي تملك كل عوامل النجاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي ولكنها قد تهلك لو تناحرت نخبها ولو طغت عليهم صغائر الأمور وسفاسفها ولو تناست الأهم وغلبت ما تعتبره المهم أي المصالح الأنانية الضيقة لكل طرف.”

وكان رئيس الجمهورية أشار في وقت سابق إلى”وجود  حملات كبيرة ضد الحكومة ودعوات إلى حوار جديد، وهناك من يدعو إلى حوار بعيد عن المؤسسات الرسمية والتشريعية، وهذا أمر غير مقبول” حسب قوله.

كما أكد أن “مصلحة تونس فوق الأحزاب، ومشاكل تونس لا تحل إلا بالحوار والتوافق، ولكن من الضروري القبول بقواعد اللعبة وعلى من يريد تغيير المنظومة أو الحكومة أن ينتظر الانتخابات القادمة لتغييرها.”

الوسوم

دواجة العوادني

عضو فريق مجلة ميم التحريري، تختص في المواضيع السياسية والحقوقية

مقالات ذات صلة

اترك رد