ثقافة

من “الصب تفضحه عيونه” الى “يا مسهرني”: قصة عشق وابداع

قصة حب الشاعر أحمد رامي لكوكب الشرق أم كلثوم

حب عذري امتزج بالفن والابداع والروائع التي خلدها التاريخ، أحبت رامي الفنان الكاتب وعشق أم كلثوم المطربة والمبدعة.

لا يفوّت حفلة لها، يجلس في الصفوف الأمامية وتحديدا في المقعد الثامن  بكامل أناقته وشياكته “ما دمت في القطر المصري وفي حالة صحية عادية لا تفوتني ليلة من ليالي أم كلثوم أبدا”.

وعندما غنت له “هجرتك” كان في المملكة العربية السعودية وتحديدا في الرياض، ومن شدة حزنه لعدم حضوره قال “كنت بسمعها وأنا بعض في البساط”.

 

رامي كاتب مثالي السلوك ورقيق الإحساس، رقة ظهرت في حبه لكوكب الشرق فما أجمل أن نسمعه يتحدث عنها فلا يشكي من حبها ولا يلومها جفاء كاد يقتله، بل كان يذكرها بأعذب الكلمات.

 

في حديثه شغف وفي مخيلته صورة المرأة المثالية التي جمعت أحاسيس العالم في نغمات صوتها الذهبية وكان بمثابة الشريك الذي تقتسم معه رؤية القمر وتأمل السماء في ليلة رائقة تخترقها نسمات تضفي على الروح سحرا وعلى الوجد أنسا وعلى الحب ولها.

لم يتقاض أجرا مقابل ما كتبه لها وأكد في أكثر من مرة “أنا لا أبيع احساسي” وكيف يبيع العاشق احساسه تجاه معشوقته خاصة إذا كان الكاتب رامي والحبيبة كوكب الشرق؟

حتى قصته مع الشعر بذاتها كانت في شكل نظم ليصل الى قصيدة عشقه ويكتب نهايتها.

 

من “الصب تفضحه عيونه ” الى “يا مسهرني”

كانت علاقة أم كلثوم برامي أشبه بالرحلة الطويلة الحاضنة للفن والعشق والطرب، كتب لها أكثر من 300 قصيدة بين الروائع الطربية واغاني الأفلام والاذاعات.

فنان عظيم بدأ بنظم الشعر منذ السنة الأولى ثانوية “حين وقعت على مكتبة صغيرة تحتوي كتب الشعر والأدب فعثرت على “مسامرة الحبيب في الغزل والنسيب وكنت أميل الى قراءته بالصوت لعلي تفطنت الى بعض التفاعيل وبدأت أنظم في سن الخامسة عشرة..”

 

أول قصيدة غنيت له “الصب تفضحه عيونه” أداها الشيخ أبو العلا محمد المعروف بتلحين القصائد ثم سافر الى فرنسا، وفي فترة غيابه التي دامت سنتان اشتهرت الأغنية بصوت أم كلثوم.

 

” غنت لي قبل أن تعرف، كنت أدرس في باريس وأخذت قطعة من غنائي، ولما حضرت الى مصر أخذني صديق ليسمعني القصيدة المغناة …ذهبت معه وطلبت منها أن تؤديها فحركت عواطفي واحساسي لدرجة أني أكاد أكون بكيت…رأيت صوتا لا مثيل له في العذوبة والقوة ولا في التحكم، لأنها تغني بإحساس يكاد يبكيها وقد أبكاها فعلا في الليالي الكثيرة التي رأيتها فيها بعد ذلك.”

حب رامي لأم كلثوم من صميم الابداع

يقال أن من أراد معرفة أسرار علاقة أم كلثوم برامي ومراحلها يتابع الروائع التي ألفها لها وأدتها وكل أغنية كانت بمثابة مخاطبة مباشرة للست …فعندما غضب منها في احدى المرات وحرم نفسه من رؤيتها كتب:

 

“هجرتك يمكن أنسى هواك.. وأودع قلبك القاسي

وقلت اقدر فى يوم أسلاك.. وأفضي من الهوى كاسي

 

وعندما غضبت منه أم كلثوم قال:

اضحك مع الفرحان وابكى مع الباكيين

وأبات وانا حيران أضحك وابكى لمين”

 

وكانت أغنية “يا مسهرني” آخر ما كتب لأم كلثوم بعد مرور فترة لم تسأل فيها عنه وطفى بريقه مع اصابته بالاكتئاب  وقال فيها:

“مخطرش على بالك يوم تسأل عني”

وعنيه مجافيها النوم يا مسهرنى

دانا قلبى بيسألنى إيه غير أحواله

ويقول لى بقى يعنى ما خطرتش على باله

 

 

أحمد رامي “حب زمان كان حب حرمان”

هذا ما قاله شاعر الشباب عند ما سئل عن الحب في زمنه لأنه عاش الحرمان ورغم زواجه وانجابه لأبناء، يبقى احساسه تجاه ملهمته فريدا فلا كان بعدا ولم يغدو وصالا يقول ابنه.

عرف أم كلثوم عام 1924 ولم يتزوج منها  بل تزوج بغيرها لأنه رجل شرقي لا يقبل أن تكون شريكته في الحياة مطربة ولأنه رجل عاشق لم يسمح لنفسه بأن يطلب منها ما كانت عاجزة عن فعله وهو الاعتزال.

أحبها من أجل الحب، وفضل المعاناة على أن يخسرها حتى وان فرقتهما المسافات فمنحها أعماله وقلبه وكانت تعلم ذلك وتبادله الحب الصامت لأنها تدرك ما يدور بداخله.

12 عاماً من الحب تزوج بعدها رامي سيدة أخرى فى ال25 من ديسمبر 1936، فحضرت كوكب الشرق الحفل وقدمت له هدية تتمثل في خاتم نقش عليه “أوكي” وأدت أغنيتين ، “اللى حبك يا هناه” و”افرح يا قلبى جالك نصيب”.

 

 

توحيد رامي الابن الأكبر لأحمد رامي قال إنه سأل والده “الناس تقول إنك تحب أم كلثوم فهل هذا صحيح، فأجابه بنعم. فقلت له: لماذا لم تتزوجها؟

أجابني: لو تزوجتها سيكون الزواج سبباً في اعتزالها الغناء لأنني رجل شرقي ولن أسمح لها بذلك “ولم أكن أستطيع أن أقول فيها “سهران لوحدي أناجى طيفك الساري” وهى بجانبي في بيت واحد، وسوف يقتل الزواج الحب” فأبى ّأن يطلب منها ذلك.

مشهد عظيم يلخص صدق المشاعر عندما يصبح الحب أسمى ما يملكه ويضحي بكل شيء من أجبه فلن تعوض سعادة اللقاء لذة معاناة الفراق، زد على ذلك قام رامي بتزويجها من صديق له فقد عرفها على الدكتور “حسن الحفناوى” الذي كان أحد مستمعيها وطلب من أحمد رامي أن يعرفه عليها فعرفهما ببعض وتزوجا”.

وظلت صورة “أم كلثوم” معلقة فى حجرة نومه خمسين عاماً، حتى زوجته كانت تدرك متانة العلاقة التي تجمعهما واذا سئلت عن علاقة زوجها بأم كلثوم تعبر أيضا عن حبها لها

علاقة دامت خمسون عاماً، ولم تتوقف إلا بوفاتها عام 1975 تاريخ هجر بعده الحياة الفنية والاجتماعية فبكاها ورثاها بقصيدة كتب فيها

“ما جال في خاطري أنّي سأرثـيها بعد الذي صُغتُ من أشجى أغانيها

     قد كنتُ أسـمعها تشدو فتُطربني واليومَ أسـمعني أبكي وأبـكيهــا”

لم تمت ذكراها بل عاشت معه حتى وفاته سنة 1981 عن عمر يناهز 89 عاما

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد