مجتمع

زيارة إلى مقابر القاهرة .. شبه حياة وسط الموتى

مجتمع

أحمد خليل- القاهرة- مجلة ميم

140  مترا هي المسافة الفاصلة بين مشيخة الأزهر بطريق صلاح سالم ومقابر المجاورين، حيث لا تخطئ العين قبابا يتقاسمها الأموات والأحياء سواء.

مقبرة المجاورين

“حوش” هو مسمى يطلقه سكان المقابر في مصر على المكان الذي يستضيفهم فيه الأموات، فلا يطالبونهم بإيجار شهري أو قسط سنوي كما تفعل معهم الحكومة والمستثمرون خارج هذه البقعة.

5 ملايين مصري يعيشون في المقابر داخل 25 محافظة مصرية، بينهم 1.6 مليون فقط في السنوات العشر الأخيرة، يعيشون في إقليم القاهرة الكبرى الذي يتضمن كلا من محافظات القاهرة، الجيزة والقليوبية، بحسب إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري.

وتطور هذا العدد من سنة 1898، حيث بلغ عددهم خلال هذه السنة حوالي 10 آلاف ساكن في المقابر الموجودة في القاهرة الفاطمية. إلا أن هذا العدد ارتفع الى 25 ألفا سنة 1910، ثم إلى 50 ألفا سنة 1944، ثم ازداد بصفة جنونية في السنوات الماضية حتى بلغ 80 ألف مواطن في القاهرة والمحافظات.

ولا يوجد توثيق حكومي للنزوح الأهلي إلى المقابر، لكنها شكلت حلا لأزمة السكن التي تواجه قطاعا من المصريين في حقبة من الزمان، وبقيت علامة على العيش تحت خط الفقر.

كانت شمس نوفمبر الخفيفة بدأت تتلاشي، حين دلفنا إلى مقابر المجاورين، التي تتبع إدريا منطقة الدرب الأحمر، غرب القاهرة، وهو الموعد الذين يعود فيه أغلب ساكنيها من وظائفهم المتنوعة، فيما تنخرط النساء اللواتي دائما ما يتشحن بالملابس السوداء في جلسات حكي على عتبات البيوت.

في ممر متعرج تحيطه الأحواش من الجانبين، تجلس الخمسينية عواطف محمود بجلباب أسمر ووشاح محكوم بعناية أمام باب منزلها، في انتظار من يجلب لها الخير إما بالشراء من الحلوى التي تقتات منها هي وأسرتها الصغيرة، أو عابر السبيل الذي يجود بالصدقات على أهل المقابر.

تعيش محمود في أحواش المجاورين منذ 4 عقود، لا تعرف سواها مقرا لحياتها، حيث تجتمع ثلاثية الأهل والرزق والمصير. تقول بتنهيدة حزينة: “هنا بدأ عمرنا وسينتهي.. لا طوق للنجاة من حياة مكتوبة علينا”.

تترجل عواطف بين فرشة التجارة ومطبخها الصغير بحوشها بخفة شديدة لا تناسب سنها، وهنا تتبادل الأدوار مع ابنتها هدير، ذات الـ20 ربيعا، سمراء، ممتلئة البنيان، تتحدث بصوت أجش متحشرج: “لم أختر حياتي، ولدت هنا بين 4 حيطان فوق مقبرة”.

تخجل هدير من التصريح بإقامتها في المقابر وسط طلبة الجامعة، وهو ما يشكل دافعا مستمرا لهجرة هذه الحياة، توضح: “لا أستضيف أصدقائي ككل البنات، هي وصمة بكل تأكيد، لذا أسعى لتغيير سكننا وأسلوب حياتنا بشكل كامل”.

 

التعليم العالي ليس أساسيا عند بعض سكان المقابر، فتكتفي بعض الأسر بإرسال أبنائها إلى المدارس حتى مرحلة الثانوية “تجاري- صنايع”، لكن هناك من يضع حلمه على وصول ابنه إلى مرحلة الجامعة، وهم قلة في هذا المجتمع.

يختلف تقسيم السكن في المجاورين من حوش لآخر، فتجد أسرة تعيش فوق المقبرة نفسها وأخرى تبتعد أمتارا عنها حسب سعة المكان، لكن الجميع باتوا جزءا من المكان، لا يشعرون بوحشته أو يأنفون من رائحته التي لا يألفها الزائر.

لكن هذا التقسيم لا يعني وجود تفاوت اجتماعي كبير بين سكان القبور، فالأوفر حظا سيوكله أصحاب المدافن للإقامة فيها مقابل حراستها والاهتمام بها.

تقابلنا خلال جولتنا بأناس عاشوا طفولتهم وشاهدوا أحفادهم فيها، من بينهم محسن جمعة، موظف خمسيني، يسكن على أطراف المجاورين.

انتقل جمعة للعيش مع أسرته منذ 5 عقود، هربا من حصار الصرف الصحي في سكنهم الأول بمنطقة الدرب الأحمر، إلى أن استقر مقامهم في حياة هادئة لا تكبدهم أموالا إضافية.

يقول جمعة أثناء استعداده للخروج لاستكمال عمله على عربة الكبدة: “قدمنا للحياة في مسكن عمنا ومن وقتها لم نخرج من المقابر، أشقائي تزوجوا فيها وشاهدوا أحفادهم فيها”.

يمتلك جمعة شقة في منطقة الخصوص النائية، لكن لم يستطع اتخاذ قرار بالرحيل حتى الآن نظرا لابتعادها عن مقر عمله ومدارس أبنائه في آن واحد.

معظم من أتوا للعيش في المقابر منذ عقود طويلة يصعب عليهم اليوم مغادرتها إلا في أضيق الحدود، فالمعيشة هنا تعد غير مكلفة لهم في ظل ارتفاع أسعار السكن.

ولطالما تحدثت حكومات الرئيس الأسبق حسني مبارك عن نقل سكان المقابر إلى وحدات الإسكان الاجتماعي، لكن الوعود لم تترجم على أرض الواقع حتى الآن، فتبخرت أحلامهم في الهروب من مصير الأموات.

أم فهمي واحدة من اللواتي استطعن العيش خارج المجاورين، إذ استأجرت شقة صغيرة في حي منشأة ناصر العشوائي الذي يفصلهم عنه شارع واحد، لكنه يمثل نقلة نوعية في حياتهم.

“انتظرت 40 عاما للخروج من المقابر، لكني بداوم على زيارة المكان والجيران التي تربطنا بهم علاقات جيدة، كما يوجد شهريات أحصل عليها للصرف على أولادي”

لا تختلف الحياة في المقابر عن عشوائيات القاهرة التي تئن من أزمات عدم النظافة، الصرف الصحي، انتشار الأمراض وتدني مستوى التعليم، لكن المساحات الخالية هنا ساهمت إلى حد كبير في تقبل الواقع الذي عجزت الحكومات المتعاقبة على حلحلته، فالتأقلم هو الحل السحري لنسيان المشاهد المحيطة بك.

من لا يملك وظيفة هنا يسعى لاستثمار بيئته للعثور عليها، فتجد سيدة تبيع الحلوى والسلع الأساسية أمام حوشها، وآخر يرص الكراسي لتقديم الشاي وأحجار المعسل في صورة مقهى، ومنهم من يحسن أداء صوته لتلاوة القرآن أمام القبور، وآخرون يصنعون “الخوص” الذي يحمله الأقارب في زيارات الأعياد.

 

ملعب المجاورين

لن تتفاجأ وأنت تسير في شوارع المجاورين إذا شاهدت مباراة ساخنة في كرة القدم لشباب تتفاوت أعمارهم بين العشرين والأربعين، لكن المباراة تلعب في شارع إسفلتي عريض، حدها العارضتان من الجانبين وكشافات تنصب أعلى أسوار حوشين كبيرين، وذلك بحضور جماهيري يحتل الرصيف والمقاعد الإسمنتية المصممة للمشاهدة.

 

محمود عبدالله، أحد سكان المجاورين، يعمل في ورشة إصلاح سيارات بمنشأة ناصر، اعتاد على شكل حياته في المقابر منذ مولده، ولا يراها وصمة يخجل من التصريح بها، يقول: “لا أحد يختار حياته، سقطنا من حسابات الحكومة طوال حياتنا”.

يشير عبدالله إلى أنه لا يشعر بالخوف مطلقا كلما اخترقت قدماه المنطقة ليلا في طريقه للمنزل، فهي بالنسبة له منطقة آمنة شاهدة على طفولته وشبابه، فضلا عن أنها تمثل له راحة نفسية أكثر من الحياة خارجها، فلا مصدر للإزعاج هنا.

يذهب إلى عمله في الصباح ثم يعود في الخامسة، يتناول وجبة الغداء وينام قليلا قبل أن يخرج لأداء مباراة فريقه، أو للجلوس على المقهى المجاور لملعب المجاورين، يحكي عبد الله عن يومياته في المقابر.

 

تجارة الأعضاء

تبتعد الأحواش المأهولة بالسكان عن بعضها أمتارا، تمتد لكيلومترات في أحيان أخرى، وفي الفراغات تنتشر الأحواش التي تنبعث منها روائح لن يشمها أنفك خارج عالم المقابر.. ما يجعلها بيئة خصبة لانتشار الجرائم.

لا يخلو “مجتمع القرافة” من الجرائم كعادة المناطق التي يقل فيها التواجد الأمني، إلا أنها تتفرد بخاصية تجارة الأعضاء، فيتورط بعض ساكنيها في استخراج الجثث حديثة الدفن لبيعها لطلاب كلية الطب، الذين يجرون تجاربهم على الأعضاء البشرية للموتى.

يقول “ع. ف” إن أحد أقاربه الذي يعمل ترابيا، شخص متخصص في الدفن، أغرته مافيا الأعضاء لتسهيل التعامل مع طلاب كلية الطب في استخراج جثة حديثة الدفن بكامل أعضائها، لكن شخصا ما أوشى بالعملية وألقي القبض عليه بصحبة نجله، وصدر حكم بحبسهما 3 أعوام بتهمة الإتجار في الأعضاء.

ويشير الشخص نفسه إلى أن المجاورين تشهد عمليات كثيرة من هذا النوع يتورط فيها الترابية وبعض السكان للانتفاع من الجثث، كما يوجد نوع آخر وهو استخراج جماحم الجثث التي تستخدم في صناعة المادة الخام للمخدرات.

“الشرطة لا تزورنا إلا في الجرائم الكبيرة مثل الأعضاء والمخدرات والبحث عن المجرمين الخطرين، لكن لن يهمها وجود أناس يتعاطون مخدرات في المقابر أو حالات سرقة”.

 

لا ينتظر سكان المقابر أن تتغير نظرة الحكومة بأنهم مواطنون درجة ثانية يستحقون حياة أكثر آدمية، فلسان حالهم دائما أن النهاية لن تكون بعيدة عن مقر سكنهم الحالي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد