مجتمع

العربي و القراءة: بين المفقود و المنشود

أجيال من الجهل و العتمة الفكرية و الضياع

تساءلت مرات عديدة “لماذا أمة اقرأ لا تقرأ ؟”، “لماذا هجر شبابنا الكتاب و أضربوا عن الإقبال عليه؟”.

 لم أعد لتلك الإحصائيات البائسة التي تقدم نسبة ضعيفة لعدد القراء في العالم العربي وعدد الكتب المنشورة ومقارنتها بدول العالم الأخرى، حتى لا يصيبني الإحباط في معالجة هذا الوضع الذي يتفاقم يوميا و يوسع الهوّة بيننا و بين الكتاب.

كنت أطرح الأسئلة و أبحث في الأسباب “سألت مرة مجموعة من الأطفال عن عدد القصص التي قرأوها بالمدرسة خلال سنتهم الفارطة فأجمعوا أنهم لم يقرأوا سوى قصتين “يبدو أن الأمر فظيع جدا فمنهجنا التعليمي لا يشجع على المطالعة بل أضحى منهج تلقين و إستدعاء للذاكرة حتى المعلم و الأستاذ لم يعد يقرأ و قلّ شغفه تجاه الكتاب ليلقي هو كذلك بهذه الصفة و يصبغها على التلاميذ و الطلبة فعدم الإقبال على القراءة أدّى إلى ضعف مستوى التحصيل و الثراء الثقافي و اللغوي وضعف التعبير مما أوجد جيلا عاجزا عن مسايرة ظروف الحياة و متطلباتها.

كما أن انغماس الناس في الحياة المادية و البحث في كيفية تسيير حياتهم المعيشية و طغيان وسائل الإعلام من تلفاز

فؤاد بالضياف: مدرس حصص مطالعة ومؤسس مجموعة تونس تقرأ

وإنترنت وتحصيل المعلومة البسيطة المفتقرة للبحث و التعمق والتساؤل سبب كاف لجعل ثقافة القراءة التي تستدعي جهدا فكريا تمحى من العقل العربي و كأنه لم يكن للكتاب وقعه و أثره في بناء حضارتنا.

إن الأمم التي أعطت للقراءة قيمتها الفعلية وعملت على النهوض بالتعليم و تيسير سبل التثقيف، كان لها التقدم الحضاري في جوانب الحياة الفكرية لكن العالم العربي اليوم يرزح للخلف نتيجة إهمال ثقافة القراءة و العمل الفكري، وللأسرة التي تعتبر النواة الأصلية لكل مجتمع دور في ترغيب أو تغييب الكتاب عن طفلها الناشئ.

لكن في واقعنا الحالي لم تعد لها مكانتها، ودورها صار مقتصرا على توفير متطلبات العيش اليومية وهو ما أدى إلى إنجاب أجيال من “الجهل و العتمة الفكرية و الضياع”.

فالمثقف العربي أو لنقل نخبتنا العربية التي تسكن برجها العاجي لم تنزل للإنسان العادي و لم تحاول طرح مشاكله و إيجاد الحلول الكفيلة بمجابهة هذا التغييب و التغريب و لا الإنسان العادي المفتقر للمعرفة قادر على أن يصعد بنفسه ومخاطبة نخبته، لذلك ظل هناك فراغ كبير بين المجتمع و مثقفيه، لا هذا يجد حبل الوصل مع ذاك.

كل هذه الأسباب كفيلة بأن تجعل شبابنا العربي عازفا عن القراءة، مهمشا للكتاب و بعيدا عن درب الحضارة و التقدم.

في ظل بؤس الفكر العربي علينا نحن كقراء و كتاب و أدباء و مثقفين طرح البديل و إيجاد الحلول الكفيلة بإعادة ثقافة القراءة لبيوتنا و مؤسساتنا و في شوارعنا و وسائل النقل. لذا، علينا وضع استراتيجية شاملة تتكاثف فيها أدوار جهات متعددة من الأسرة، والمدرسة، والإعلام، و المراكز الثقافية، والجهات الحكومية لغرس عادة القراءة في المجتمعات العربية و تفعيل دور المكتبات العامة لتحقيق أهدافها بنشر الوعي بأهمية القراءة و تثمين المبادرات التي تدعو للقراءة و تشجيعها و الاقتداء بها.

على “أمة اقرأ أن تقرأ” حتى تجابه تفشي الجهل والأمية، وحتى نؤسس لفكر عربي راق يرتفع بمكانتنا و يترتقي بثقافتنا.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد