مدونات

كنا يومًا ما شبابًا

بقلم: أسماء خيري

«آآآآه.. خلاص بقى يا أسماء راحت علينا.. هناخد زماننا وزمن غيرنا» عبارة يقولها خالد الذي لم يتم الـ 30 من عمره بعد، يرددها باستمرار كلما خانته قوته أو لم يقدر على السهر ونام خلال الحديث.

خالد صديقي الأقرب الذي يصادف كونه زوجي، ولكن هذه المقالة ليست عنه؛ إنما عن شبابنا المنثور على أروقة السوشيال ميديا!

في فيلم «ذا انترن» المتدرب؛ كان المتقدم شخصا عجوزا، تقليديا جدًا في شركة ناشئة تقدم خدماتها إلكترونيًا ويتعرف من خلالها على حياة المجتمع الشبابي الإلكترونية وما تحمله من ظلال على حياتهم الفعلية وما إلى ذلك. الذي يعنيني كانت اللحظة التي كان يصف فيها التقدم في العمر وقال:

«وحضور الجنازات.. الكثير والكثير من الجنازات»

 

في الماضي، كنت أكره الجنازات والعزاء وأتجنب أن أذهب إلى أي عزاء أو أسمع عن قصصه؛ حتى أنني أستطيع بكل أمانة أن

أسماء خيري

أقول إنني لم أقدم العزاء الفعلي إلا في شخص واحد فقط لصديقة واحدة فقط؛ لكن الجنازات جاءت إليّ.

 

يوميًا على السوشيال ميديا يحيطنا الموت، الكثير والكثير من الموت، موت أقرباء أصدقاء لنا، وأصدقاء أصدقاءهم، موتى الحوادث، موتى الأحداث الجارية، موتى الإرهاب بكل مصادره من الدولة إلى من صنعتهم، موتى الانتحار؛ وأحيانًا.. أحيانًا كثيرة.. موت أصدقائنا.. فجأة.

 

يلقي الموت علينا بظلاله ويقتل فينا جزءًا من حبنا للحياة.. يسرق جزءًا من زهوة شبابنا؛ ونبقى.

 

يقول «أستاذي»أو «بنيم هوچام» كما يقول عن أساتذته بالتركية: «أنتم طلاب ماجستير.. لا تأخذكم الجلالة وتحاولوا إنقاذ العالم.. هذا ليس على عاتقكم؛ وستخذلون خذلانًا شديدا إذا بالفعل وجدتم حلًا ولم يأخذكم أحد بجدية.. لأن لا أحد سيأخذكم بجدية»

 

نقف عزلا أمام العالم.. عزلا من كل شيء.. عزلا من الإمكانيات والأموال ومن الحلم.

عالم بعيد فيه يتامى وحروب ولاجؤون وحصار وجوعى وجثث لم توار التراب ومقابر جماعية ومذابح لم ترو قصتها.. عالم بعيد قريب جدًا لأن العالم أصبح قرية صغيرة!

عالم يومي فيه سرقة وخطف ومرض وخوف وما أدراك ما سلوك البشر حين الخوف.. فقر وبطالة وتوزيع غير عادل للثروة وثورات فشلت وأحلام بهتت ومآس تحكى يوميًا.

نقف أمامها شبابًا مكتوف الأيدي عديم الحيلة؛ يثقله كل يوم بلاء جديد حل بمكان قريب أو بعيد، شخص عزيز أو غريب… يحمل العالم على كتفيه ويحجب ثقل العالم عنه أيةَ حُلم.

حواديت.. نحب الحواديت!

 

فاسبوك يوميًا يمتلئ بحواديت الخبرات والحكايات التي خاضها آخرون.. يتشارك الناس المدونات الشخصية التي تلمسهم فتجد أمامك خبرات عشرات البشر يوميًا.. في صورة مكتوبة ومصورة ومسجلة..

تتابع البث الحي لأصدقائك.. أحدهم في بريطانيا يحكي عن حادث ما والآخر في التجمع الخامس يحكي عن الطرق والمدارس والأطفال والثالث في النرويج يتابع حدثًا ثقافيًا والرابع يحتفل بعيد ميلاده الخمسين في جزيرة بعيدة والسادس يصور بثًا مع أطفاله ورؤيتهم للحياة..

في يومك ألف يوم، ألف خبرة، ألف شعور متناقض، ألف تعاطف واشمئزاز ورهبة وحزن، ألف دوامة لا تتوقف..

نكبر عامًا تلو العام قبل أن ينتهي اليوم.. تشيب أرواحنا ولا يكذب خالد عندما يقول: «نعيش زماننا وزمن غيرنا» فالأزمان تكالبت علينا!

 

ألتمس خفة الشباب في قاعات المحاضرات.. أقاطع الأستاذ في كل لحظة وأسأل.. أعقب.. أناظر زميلًا أو زميلة.. نخرج متفقين أو مختلفين.. لكن نخرج أخف قليلًا. يخفف أستاذي الحمل عنا.. قليلًا؛ عندما يقول «ربما يكون دوركم إنقاذ العالم حقًا.. لكن ليس الآن»

نخرج من الجامعة نمشي طريقًا طويلًا ونتسامر.. نتناقش بحرية أكبر.. نودع بعضنا بعضًا على وعد بلقاء في اليوم التالي.. ونفترق…

 

اليوم لم أمسك بهاتفي إلا لماما لضرورات العمل؛ نمت. ثم أمضيت اليوم مع بناتي إلى وقت المحاضرة ثم ذهبت مع خالد، وتسامرنا في الطريق، خفت روحي في محاضرتي ثم مشيت طويلا مع صديقاتي، ثم أكلت مع خالد.. بلا هواتف.. ثم عدت لبناتي وأصدقائنا.. عدنا جميعًا للبيت وأبقينا البنات مستيقظات قليلًا لنغير ترتيب غرفتهم.. ملأن البيت صخبًا وحيوية وعدنا صغارًا معهم.. ثم اجتمعنا أخيرًا حول براد الشاي بلا هواتف.. نسترجع ذكريات صداقتنا اليافعة.. ونضحك.. ضحكنا كثيرًا.. ثم تواعدنا إلى لقاء قريب.

 

بلا هواتف.. أدركت الكم الحقيقي للزمن في اليوم الواحد.. كيف يمضي الإنسان خفيفًا.. خفيفًا ما يكفيه لأن يحمل هم العالم دون أن يثقله، يبقى شابًا؛ يحلم.. ويعيش زمنه وحده.

 

«اعرف شيئًا عن كل شيء… وكل شيء عن شيء»

حينما كنت في الـ 17 من عمري، قيل لي أن بيل جيتس لا يسمح لابنته سوى بساعتين على الانترنت يوميًا للدراسة وكل شيء آخر.. واستغربت بشدة؛ ألا يدرك هو دونًا عن غيره ما يوجد من خبرات تحتاج من يتداركها ولا يكفي الوقت أبدًا لها..

لكن لربما كان بيل جيتس محقًا وبشدة؛ فلطالما تواجد العالم من دوننا، مستقلًا عنا بكل أثقاله، ولطالما كان من السهل أن «تحلم» مادامت مساحة الحلم واضحةً أمامك.. ووقتك منفق في تدارك الخبرات التي تساعدك في طريق حلمك..

لربما احتجنا إلى إعادة النظر.. سريعًا.

 

كتبت على تويتر منذ ليلتين: «كنا يومًا ما شبابًا جدًا..» فردت علي أستاذتي: «ماذا دهاكِ.. لازلتِ شبابًا» ولا أكذبكم القول؛ فرت دمعة من عيني لحظتها وأردت أن أرثي لها حالي… ولم أجرؤ…

وضعت هاتفي جانبًا ليوم كامل لأكتشف صدق مقولتها والغمامة التي أعاقت رؤيتي… مازلنا شبابًا؛ فلنبق كذلك ما استطعنا!

أسماء خيري

باحثة في العلوم السياسية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد