ثقافة

رضوى عاشور وتراث الموؤودة: بعيداً عن كتابة الجسد

سلسلة رضوى عاشور، الحلقة (١)

“أنا امرأة عربية ومواطن من العالم الثالث وتراثي في الحالتين تراث الموؤودة، أعي هذه الحقيقة حتى العظم مني وأخافها إلى حد الكتابة عن نفسي وعن آخرين أشعر أنني مثلهم أو أنهم مثلي”

(تجربتي في الكتابة، رضوى عاشور) 

تقول رضوى عاشور وهي واعية بتاريخها، وبما تحمله بين كفيها وفوق رأسها من أطياف أجدادها وجداتها، فهي ليست فقط وريثة الوأد الذي قصدها كامرأة مادياً كان أو معنوياً، ولكنها أيضاً وريثة الوأد الحضاري والثقافي الذي خلفه الاستعمار ومازالت تبعاته ترسخه وتحافظ عليه. فرضوى هنا ليست امرأة فقط، ولا ترى نفسها موجودة في هذا الحيز الإنساني بمعزل عن بقية أطيافه، فهذه المرأة بكل مراحل حياتها عانت من تاريخ الهزائم والنوائب كما عانى الرجل والطفل والشيخ الكبير.

إن هذا الوعي بموقعها من الحاضر والماضي، مكّن رضوى من تجاوز سجن المقاومة بالجسد، فلم يكن مركز المقاومة هو إعادة امتلاك الجسد الذي دفن في الأرض، وغطاه التراب، ولم يتحول عرضه واستكشافه إلى فعل المقاومة الوحيد.

وكما وضحت طالبتها وزميلتها فاتن مرسي أستاذة الأدب الإنجليزي والمقارن بكلية الآداب في جامعة عين شمس،

“كانت رضوى عاشور منذ البدء مدركة أن الكتابة هي أقصى أفعال المقاومة، وأن النضال من أجل إحداث قطيعة مع تراث الوأد لن يكون ممكناً بمجرد الدخول في معارك نسوية أو من خلال كتابة جسدها في الإنتاج السردي كما فعلت العديد من الكاتبات. فقد اختارت رضوى عاشور لنفسها منحىً جديداً ومختلفاً، على درب أستاذتها لطيفة الزيات، معمقة هذا التوجه الذي فتح لها سبلاً جديدة لم تسلكها لطيفة الزيات نفسها”

(مقدمة المنديل المعقود، فاتن مرسي).

 

إذاً رضوى كانت واعية بما يعنيه انتماؤها لمجموعة نسوية، فلم تصنع من هذا التراث سبباً لخلق عداء مع المجتمع أو قطيعة مع أفراده، بل كان سبباً في تعميق إحساسها بالانتماء إليه، ولقدرتها على تمثل آلام الآخرين ومعاناتهم.

تكرر رضوى تساؤلاتها عن الأسباب التي دفعت أمها للتوقف عن الكتابة، أو التي جعلت جدتها تقبع على الهامش، وكأنها تعاين أماكن النساء في حياتها، أولئك النساء اللواتي قامت على أكتافهن بيوت، وحُمِلت فوق ظهورهن تواريخ، لماذا لا نجدهن سوى في زاوية المشهد؟ لماذا لا نسمع أصواتهن إلا خافتة من وراء جدران؟

لقد كان لخوف رضوى عاشور من تأثير هذا المحو كبير الأثر في دفعها للكتابة رغم كل تحفظاتها ومخاوفها، ورغم الحواجز النفسية التي كبحت جماح القلم سعياً لانتظار ذلك الإنتاج المثالي الذي “يليق”.

من الخطأ أن يتم التعامل مع رضوى عاشور ككاتبة منفصلة عن وجودها كامرأة، فمن ينظر في أعمالها يجد كيف أنها كتبت التاريخ قديمه وحديثه من خلال عيون نسائه

تقول رضوى:

“في عام 1980، على فراش النقاهة بعد أزمة صحية ممتدة أمسكت القلم وكتبت: عندما غادرت طفولتي، فتحت المنديل المعقود الذي تركته أمي وعمتي، وجدت بداخله هزيمتهما، بكيت، ولكني بعد بكاء وتفكير أيضاً ألقيت بالمنديل وسرت، كنت غاضبة. عدت للكتابة عندما اصطدمت بالسؤال: ماذا لو أن الموت داهمني؟ ساعتها قررت أنني سأكتب لكي أترك شيئاً في منديلي المعقود”.

(تجربتي في الكتابة، رضوى عاشور).

لذلك فإن أعمالها وإن كانت لا تصنف ضمن الخطاب النسوي التقليدي أو المتعارف عليه، من الخطأ أن يتم التعامل مع رضوى عاشور ككاتبة منفصلة عن وجودها كامرأة، فمن ينظر في أعمالها يجد كيف أنها كتبت التاريخ قديمه وحديثه من خلال عيون نسائه، وقامت بتطبيق عملي لما يسمى الآن في دراسات النسوية والثقافية بـ “Herstory”  في مقابل “History”، وإعادة كتابة المرأة في التاريخ Writing Women Back into History.

 

إن كتابة التاريخ وإعادة تشكيل الذاكرة الجمعية هو مشروع رضوى عاشور الأول

 

لقد فعلت رضوى ذلك من خلال أعمالها الأدبية التي نجد فيها خديجة وسوسن، وشجر، وندى، ورقية، ومريمة، و السيدة راء، وغيرهن، ومن خلال مجهودها الكبير في تحرير الموسوعة الأولى للمرأة الكاتبة العربية، وغيرها من الدراسات التي تلقي الضوء على المرأة ككاتبة وجزء من السياق الأدبي، في سعي نحو استعادة صوت شهرزاد الذي أسكته صياح الديك قروناً طويلة.

كتبت رضوى عاشور تاريخها العام والخاص وتاريخ أمتها ببعديها العربي والإسلامي، وأجزاء من تاريخ العالم وفق رؤيتها له كامرأة بعيداً عن الروايات الرسمية والسجلات والأرقام. لقد اهتمت رضوى بالإنسان قبل كل شيء، والإنسان بطبيعته ليس كاملاً، ولهذا فنحن نجد في نسائها الجانية والمجني عليها، الظالمة والمناضلة، المستسلمة والثائرة، التي فضلت التقية وحكمة الاختباء، والتي صعب عليها الأمر فكانت ضحية صدقها مع نفسها والعالم، وكانت رضوى مع كل أولئك النساء مشاهدة من الخارج ومخبرة من الداخل، لا تنفصل بوجودها عنهن، ولا تستعبدها اختياراتهن.

 

عندما بدأت دراستي لأعمال رضوى عاشور، كان هدفي أن أنظر لها من منحى النقد النسوي، ولكن ما إن بدأت قراءة أعمالها حتى ازداد الصراع في داخلي، بلغ الأمر أن جاءتني رضوى عاشور في المنام تقول لي باستياء: أنت لم تفهميني. والحق أن هذا الأمر أثر فيّ كثيراً، فبدأت مشاكل هذه المقاربة لأعمالها تزيد حتى توقفت وأعدت توجيه دفتي إلى دراسات الذاكرة والفاجعة.

إن كتابة التاريخ وإعادة تشكيل الذاكرة الجمعية هو مشروع رضوى عاشور الأول، وهو مشروع لم يتوقف فقط عند كتابة التاريخ والذاكرة كأحداث، ولكنه اتخذ مهمةً له سبر أغوار النفس ومحاولة فهم دوافعها، ولهذا فنحن نجد أعمالها تزخر بسرد الأحاديث الداخلية والتساؤلات الوجودية وتستثمر في الوصف الدقيق للعادات اليومية وطرائق الحياة بما تكشفه من تفاصيل ودقائق شخصياتها.

 

إن هذه المرأة لا يمكن بحال من الأحوال أن ينحصر وجودها الأدبي والكتابي في دور الضحية المغلوب على أمرها، أو دور الثائرة المتحررة من سطوة الرجل والمجتمع.

 

عندما كتبت رضوى عاشور المرأة، فقد كتبتها خارج حدود الجسد لأنها رأت في روحها وأثرها الباقي ما يمكنها من تجاوز تراث الوأد، فليس أقسى من دفن الجسد إلا إخراس الصوت ومحو الصورة من الذاكرة.

إن المرأة التي أرادت أن تكشف عنها رضوى عاشور هي تلك المرأة التي ظلت مخفية لقرون مضت تحت أوراق المعاهدات، وبين جنبات النصوص الأدبية التي استثنتها من أدوار معدودة، وتحت أكوام الوثائق البالية التي لم تتحدث عنها إلا في تعداد الموتى.

إنها تلك المرأة التي تقف في وجه رجل أخطأ في تسمية ثوبها بـ “إسرائيلي” على شاطئ قبرص، هي المرأة ذاتها التي خدعت قساً في مدرسة غرناطية حتى لا تكشف حقيقة أهلها المورسكيين، هي تلك المرأة التي ضاعت بين أجيال المساجين من أهلها وأصدقائها فتاهت مرة في الانكسار ومرة في الأمل، وهي رضوى عاشور التي أسرعت إلى مكتب العميد عندما وجدت مغسلة ثياب تحتل جزءاً من مدخل الكلية التي تدرّس فيها.

إن هذه المرأة لا يمكن بحال من الأحوال أن ينحصر وجودها الأدبي والكتابي في دور الضحية المغلوب على أمرها، أو دور الثائرة المتحررة من سطوة الرجل والمجتمع.

لهذا، فنحن عندما نتحدث عن وجود المرأة في كتابات رضوى عاشور، فلابد أن نضعه في إطاره العام، أي في موقعه كجزء من تلك الفسيفساء الأدبية التي تركتها لنا الناقدة والأديبة والأستاذة والأم والأخت والابنة والزوجة والإنسانة… رضوى عاشور.

متعددة بتعدد تجلياتها، ووممتدة بامتداد تراثها، ومعقدة ومكلّفة كما هو تاريخها.

 

الوسوم

أحلام مصطفى

مُدونة وطالبة فلسطينية تحضّر لدرجة الدكتوراه بجامعة سيدني الأسترالية في مجال اللغة العربية وثقافاتها يركز عملها البحثي على كتابات الذاكرة والفاجعة في السياق مابعد الاستعماري

مقالات ذات صلة

اترك رد