الرئيسيثقافة

رسائل المشاهير .. عندما يسكن الحبّ رسالة

ثقافة

لم ينج هنري ميللر ( 1891- 1980) الرجل البوهيمي والكاتب الأمريكي الأكثر شهرة من فخّ الحبّ، لقد وقع أسير غرام الكاتبة الأمريكية ذات الأصول الاسبانية أناييس نن (1903-1977).

تبادل العاشقان رسائل كثيرة مازالت تعيش إلى اليوم وتحظى بفضول محبيّ وقرّاء صاحب مدار الجدي وأيّام هادئة في كليشي، وبين الكاتبة الأمريكية التي مازالت يومياتها تطبع إلى اليوم في لغات كثيرة.

لم تنشغل أناييس نن بموجة النسوية التي كانت مسيطرة على المشهد الفكري والأدبي في فترة الستينات والسبعينات، بل كانت رافضة للتعصبّ النسوي الذي وصل إلى عداء تام مع الذكور واعتبارهم في مرتبة الأعداء.

دعت “نن” النساء إلى تطوير مهاراتهن وقدراتهن، والانشغال بالإبداع الحقيقي، معتبرة أن قضية التحرر الذي يجب أن يطرح وجلي بخوضه هو تحرر الإنسان من كل هواجسه ومخاوفه، ولا يجب الفصل بين الجنسين في هذه المسألة.

بدأت علاقة ميللر ونن منذ ثلاثينات القرن الماضي حسب ما جاء في يوميات أناييس نن، وقد أقامت معه في مسكنه أثناء انهماكه بكتابة مدار السرطان، إحدى أشهر روايات هنري ميللر، إذ عرفته في عشاء في بيت بعض الأصدقاء بفرنسا، كتبت بعد رؤيته :

“بدا مثل راهب بوذي، راهب له بشرة وردية بصلعته الصغيرة المحاطة بشعر فضي لامع وفمه الشهواني الممتلئ، عيناه الزرقاوان كانتا باردتين ويقظتين، لكن فمه كان عاطفياً وعرضة للغواية، ضحكته معدية وصوته لطيف حميم كأصوات الزنوج.”

كان هنري ميللر متزوجا من جون المقيمة بأمريكا، بينما كان هو مقيما بفرنسا وكانت زوجته تساعده بما تكسبه من المال. ورغم طبعه الغريب والصادم، فقد كان ميللر بوهيميا يعيش كيفما اتفق له، ينام في أي مكان، وكان مغرما بالمتع الحسية من جنس وخمر، وقد تجلى هذا في أدبه، كل هذا لم يمنع محبّة أناييس له، لقد اخترق حبّه قلبها.

فقدت أناييس نن السيطرة على مشاعرها تماما، لتصبح فيما بعد الشخص الأكثر قربا من ميللر، ملهمته ومساعدته وصديقته التي شاركته الكثير من المحطات في حياته، والتي أصبحت فيما بعد صديقة زوجته جون، إنّها علاقة شائكة ومعقدة لا يستطيع شخص منّا فهمها بشكل جيّد. ولكنّ نقاد وقراء أدبه سيربطون بين سلوكه الواقعي وسلوكه في الروايات، وسيجدون أن هنري ميللر رجل مجنون وجنونه هو الشيء الوحيد الذي أوصله إلى قمة المجد.

 

بادل هنري ميللر محبّة أناييس نن بالمثل، وكتب لها رسائل كثيرة، وسنقف على هذا المقطع: ”

نيويورك
آذار (مارس) 1935
أناييس،
ليتك تكونين معي على مدى أربع وعشرين ساعة، تراقبين كل إيماءاتي، تنامين معي، تأكلين معي، تعملين معي، هذه الأمور لا يمكن أنْ تحدث. عندما أكون بعيداً عنك أفكر فيك باستمرار، فذلك يُلوِّن كل ما أقول وأفعل. ليتكِ تعرفين كم أنا مُخلص لك! ليس فقط جسدياً، بل عقلياً وأخلاقياً وروحياً. لا شيء يُغويني هنا، لا شيء على الإطلاق. إنني منيع ضد نيويورك، وضد أصدقائي القُدامى، وضد الماضي، ضد كل شيء. للمرة الأولى في حياتي أنا منغمس تماماً في كائن آخر، فيك.”

 

من جانب آخر، كان حبّ ميلينا بسينيسكانا المترجمة والكاتبة التشيكية  لعنة الكاتب التشيكي المتشائم فرانز كافكا (1883-1924)  الذي عاش مشاعر الحبّ بشكل مختلف تماما عن هنري ميللر، إذ لم تكن ميلينا بجانبه، لم يقبلها ولم تجلس إلى جانبه ولم تحضر له أطباق الأكل التي يحبها كما فعلت أناييس نن مع هنري ميللر، لقد كانت ميلينا متزوجة وبعيدة عن كافكا الذي جعل منها عالمه وصدره في العالم الذي يتوسده كلما أحس بالضيق.

 

 

عرف فرانز كافكا في عاصمة النمسا “فيينا” في لقاء وحيد بقي في ذاكرته وصاغ منه قصّة حبّه الملتهبة التي شرع في كتابتها في رسائل مرسلة إلى ميلينا طيلة ثلاث سنوات من 1920 إلى 1923، أزاحت عن فرانز كافكا بعض سوداويته وتشاؤمه، كتب لها مخاوفه ومشاعره. لقد استطاع أن يدخل ميلينا إلى عوالمه الداخلية الهشة حتى وإن لم يرها سوى مرتين فقط.

لم تكن المترجمة التشيكية مجرّد امرأة في حياة كافكا، بل كانت عالما بديلا عن العالم الذي يعيشه، عالم حاول أن يصوغه من خلال أحاسيسه وكلماته ومن خلال حالاته النفسية المتحولة من النقيض إلى النقيض حسب الرسائل المرسلة.

مقطع من رسالة كافكا إلى ميلينا بتاريخ 1920 :

“دائماً تريدين معرفة إن كنت أحبّك ميلينا، ولكنّه سؤال صعب الجواب. لا يمكن الإجابة عنه في رسالة، ليس حتّى في رسالة الأحد الماضي. أضمن أنني سأقول لك الجواب حين نتقابل المرة القادمة، إن لم تخُنني عباراتي، لكن لا يجب أن تراسليني عن قدومي إلى فيينا، فلن أتمكّن من ذلك، فكلما ذكرت ذلك، أشعر كأنك تشعلين ناراً في جلدي، والتي هي أصلاً محرقة، ودائماً تحرق وتحرق لكنها لا تُحرق.”

وتبقى الرسائل الأشهر لدى القارئ العربي هي رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، والتي مازالت إلى اليوم تحظى بإعجاب الجميع وقراءتها ونشر بعض مقاطعها في الفضاء الأزرق.

 

كان غسان كنفاني (1936- 1972) مناضلا وروائيا عمل من أجل صالح القضية الفلسطينية بعد خروجه من فلسطين نحو دمشق ثم بيروت.

 

التحق بجريدة الحرية ببيروت سنة 1960 وكرس مقالاته لأجل نصرة الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات في المخيمات بالدول العربية، لم يعش طويلا فقد توفيّ في سنّ السادسة والثلاثين إثر عملية اغتيال مدبرة على أيدي الموساد الاسرائيلي مخلفا وراءه 18 كتابا بين روايات ومسرحيات وقصص صغيرة إضافة إلى مقالاته اليومية بالصحف.

 

تعرّف غسان كنفاني  على غادة السمان في ستينات القرن الماضي، ولم يعرف أنّ حبّه لغادة سيظل وشما على خاصرة التاريخ لشعوب أنهكتها الحروب والجفاف العاطفي، فاستمدت من رسائله القدرة على الحبّ وكتابة بعض العواطف في كلمات.

 

 

لم تثمر قصة حبّهما ارتباطا حقيقيا لصعوبة ارتباط المسيحي بمسلمة، إضافة إلى زواج غسان كنفاني من آني هوفا كنفاني الدنماركية التي اعتنقت القضية الفلسطينية كما يعتنق مؤمن دينه.

 

 

تبادل غسان وغادة بعض الرسائل، وكان جليّا صدق مشاعر غسان كنفاني مقابل حبّ غادة السمان المحتشم. وقد صرّحت غادة بعد إصدارها لرسائل كنفاني : أن غسان كان من أحبّ الرجال إلى قلبها ولم يكن الرجل الوحيد الذي أحبته، وقد كان هذا واضحا وجليا بعد أن نشرت غادة السمان رسائلها مع الشاعر انسي الحاج بعد وفاته بأشهر قليلة وهو ما أثار استهجان المشهد الثقافي العربي.

 

لقد سكن الحبّ منذ اختراع الكتابة الكلمات، كلمات تنقلت بين قصائد وجداريات وأغان، وكلمات سكنت الرسائل وتنقلت بين شوق الحبيب ولهفة المحبوب، رسائل قالت في صيغة ضمنية : نعم لقد سكن الحبّ الرسالة، فعليكم بها.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد